منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي يناقش أبعاد ونتائج مليونيات 4 مايو: قراءة سياسية وطنية وإقليمية ودولية ..    نظرات لغوية في القرآن المجيد.. (آنستُ نارًا)    الحديدة.. تضرر واسع لمخيمات النازحين في حيس جراء سيول الأمطار    وكيل وزارة الإعلام: ل"الصحوة نت": مأرب تمثل نموذجا وطنيا في مسار استعادة الدولة (حوار)    ضابط صهيوني رفيع يقرّ بأن لا حل فعّالاً لمواجهة مسيّرات حزب الله    مفتاح يهنئ القيادة الثورية والسياسية وعمّال اليمن بعيد العمال العالمي    محافظة صنعاء تشهد وقفات حاشدة مباركة للإنجازات الأمنية ونصرةً لفلسطين    ضبط اخطر عملية خلط وغش في تصنيع البهارات بالحديدة    شبوة.. تحذير من تلوث بيئي بسبب سفينة جانحة    حماسٌ يعانق السماء... ومحافظات الجنوب تستعد لاجتياح العاصمة عدن بسيولٍ بشريةٍ غير مسبوقة    4 شهداء بينهم امرأة و6 جرحى في غارات صهيونية جنوبي لبنان    جدل محتدم في حضرموت.. تعيين يمني يقابله إقصاء كادر حضرمي يثير الغضب    إجراء 407 عملية جراحية مجانية في مخيم طبي بالحديدة    مكافحة الاتجار بالبشر تدين "القتل العمد" لليمنيين بالغاز منزوع الرائحة وتتوعد بملاحقة شركة الغاز قضائياً    غدا..برشلونة يلتقي أوساسونا نحو حسم لقب الدوري الإسباني    القائم باعمال وزير الاقتصاد يهنئ العمال ب"عيد العمال العالمي"    صنعاء.. هطول أمطار غزيرة وتحذيرات من عبور السائلة    تنافس محموم على مقاعد كلية الطب بجامعة صنعاء    شوارع العاصمة عدن تتزين بأعلام الجنوب استعدادا لمليونية ذكرى 4 مايو    السرد في (وديان الإبريزي) لخالد اليوسف.. قراءة في البنية والذاكرة    برئاسة الوزير الأشول.. اليمن تشارك في اجتماع التقييس الخليجي    مقام الندى    صاعقة رعدية تضرب باص نقل الركاب في حجة    تحركات متباينة للمعادن النفيسة: الذهب يستقر والفضة ترتفع في المعاملات الفورية    35 مدرعة في بلد بلا عجلات    شبوة: عمليات نهب واسعة تطال معسكر المرتزق "بن رشيد" عقب تمرده وانسحاب قواته    الجنوب نبضُ الأرض.. حين تكون الهويةُ معتقداً!    "نهاية مسيرتي تقترب".. رونالدو يصدم مشجعيه ويكشف عن حلمه مع النصر    عروض كشفية لطلاب المدارس الصيفية في عددٍ من المحافظات    فريق السد مأرب يدشن مشواره في الدرجة الأولى بانتصار ثمين على سلام الغرفة وتضامن حضرموت يتغلب على فحمان    نزاعات المياه تعود الى الواجهة.. خلاف على بئر ماء يسقط أربعة ضحايا في الضالع    صنعاء.. تعميم وزاري بشأن شروط قبول الطلبة في الجامعات والكليات المختلفة    حريق يتسبب في حالة من الهلع في سوق تجاري بعدن    الذهب يتعافى من أدنى مستوى له في شهر بدعم الدولار    تصعيد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط: هل هو تحذير لإيران والحوثيين في ظل التوترات البحرية؟    عدن .. وفاة شابين وتسمم ثالث إثر استنشاق وقود الطائرات    بفعل الانقلاب الحوثي .. تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن    السعودية تجدد التزامها بمواصلة دعم اليمن ووقوفها إلى جانب حكومته وشعبه    بعد 12عاما من التوقف.. الاتحاد اليمني يعلن انطلاق بطولة الدرجة الأولى لكرة القدم    الصبيحي يقدم واجب العزاء لأسرة الشهيد الشاعر ويشيد بإسهاماته التربوية    هيئة الآثار تتسلّم حصن قراضة التاريخي في حجة    صدور كتاب "مقاربات لفهم الحالة السياسية في اليمن    مطار صنعاء ومتاهة الخطر: حين تتحول حقائب السفر إلى توابيت للأحلام المؤجلة    الحكومة اليمنية: تهديدات الملاحة في البحر الأحمر جزء من أجندة إيرانية    اجتماع موسع لمناقشة ترتيبات تفويج حجاج موسم 1447ه    النور الذي أنطفى باكرا    الأرصاد: أمطار رعدية على أغلب المحافظات اليمنية    توجيهات بوقف دفن نفايات في ملعب رياضي بتعز    طبيب بارز يحذر من مشروب شائع ويصفه ب"موت سائل"    وزير الأوقاف يعلن استكمال ترتيبات حج 1447ه والاستعداد للتفويج    عقدة النقص عندما تتحول إلى مرض    صنعاء: مكان حصري لبدء تجمع وتفويج الحجاج .. وتحذير للمخالفين    تعز.. ناشطون يحذرون من دفن أطنان من القمامة في مدينة التربة    اليمن من شفط الدهون إلى إبر النظارة    الفاضحة    مرض ساحل أبين... حين تتحول العادة إلى إدمان رسمي    الاتحاد اليمني لكرة القدم يحدد موعد انطلاق الموسم الكروي لأندية الدرجة الأولى    الصحة العالمية تعتمد أول دواء على الإطلاق للملاريا مخصص للرضع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السرد في (وديان الإبريزي) لخالد اليوسف.. قراءة في البنية والذاكرة
نشر في يمنات يوم 01 - 05 - 2026


محمد المخلافي
حين يكتب ناقد عن تجربة سردية غزيرة مثل تجربة الكاتب والباحث والروائي السعودي خالد أحمد اليوسف، يجد نفسه أمام وفرة لا تُسهل الاختيار بقدر ما تربكه. فالكاتب الذي بدأ مبكرًا، منذ سنواته الدراسية الأولى، لم يتوقف عن إنتاجه، بل راكم أعمالًا متعددة بين القصة والرواية والتوثيق الثقافي، حتى أصبح من الصعب الإحاطة بمنجزه.
أمام هذا الامتداد، لم يكن اختياري لرواية (وديان الإبريزي) قائما على المفاضلة العددية أو الشهرة، بل على إحساس أولي بأن هذا النص تحديدا يحمل شيئا مختلفا. فهي، بوصفها سادس أعماله الصادرة عام 2009 عن دار مؤسسة الانتشار العربي في بيروت، وتقع في 149 صفحة، تأتي بعد مرحلة من التشكل السردي، وتكشف عن نبرة أكثر هدوءا ووعيا، كأن الكاتب فيها أقل انشغالا بالحكاية وأكثر اقترابا من الداخل الإنساني.
وقد سبق هذه الرواية عدد من الأعمال، من بينها مجموعات قصصية مثل (مقاطع من حديث البنفسج) و (أزمنة الحلم الزجاجي)، (إليك بعض أنحائي)، (امرأة لا تنام)، (الأصدقاء)، (المنتهى … رائحة الأنثى )، غير أن (وديان الإبريزي) تبدو، في تقديري، نصًا يتجاوز الامتداد الكمي، ليقدّم تجربة تميل إلى التأمل، وتطرح أسئلة تتعلق بالمكان والذاكرة والتحول، أكثر مما تنشغل بتتبع الأحداث في صورتها التقليدية.
غير أن ما يلفت النظر في هذه الرواية تحديدًا هو طريقة تعاملها مع فكرة التحول بين المكانين، القرية والمدينة. فالسؤال الذي تثيره القراءة ليس فقط كيف ينتقل الإنسان من بيئة إلى أخرى، بل إلى أي حد ينجح فعلًا في مغادرة بيئته الأولى، وهل يحدث هذا الانتقال كتحرر حقيقي أم كإعادة إنتاج لنفس القيود داخل شكل مختلف. هذا التوتر بين المغادرة والاستمرار يظل حاضرًا في النص، ويشكل أحد مفاتيحه الأساسية لفهم تجربة (وديان الإبريزي).
منذ الصفحات الأولى في (وديان الإبريزي) يتبيّن أن الرواية لا تقوم على قصة عاطفية جاهزة، ولا على حكاية انتقال شاب من الريف إلى المدينة بصورتها المعروفة؛ فما يشغل النص في الأساس هو كيف يتكوّن الإنسان داخل بيئته، وكيف تبقى هذه البيئة ملازمة له حتى بعد أن يتركها، حيث لا يسعى النص إلى حبكة محكمة بقدر ما يتابع الأثر الذي تخلّفه التجربة، والمواقف التي تأتي أحيانًا بسيطة لكنها تظل مؤثرة لأنها تترك شيئًا مستمرًا داخل الشخصية، وكأن التركيز ليس على تسلسل الأحداث أو ما يحدث فقط، بل على ما تتركه هذه التجربة في الذاكرة وفي طريقة نظر الشخصية إلى نفسها وإلى العالم.
تدور أحداث الرواية حول شاب يغادر قريته متجهًا إلى المدينة في محاولة لبدء حياة جديدة. لكن هذا الانتقال لا يحدث بشكل حاسم أو نهائي. فالمكان الأول يظل حاضرًا في وعيه، ويظهر في طريقة تفكيره وتعاطيه مع ما يواجهه في المدينة. لذلك لا تنشغل الرواية بسرد الأحداث بقدر ما تركز على أثرها في الداخل، وكافية تكوّن الشخصية عبر التجربة والذاكرة معًا.
تبدأ الرواية بلحظة وصول (وديان) إلى المدينة بعد رحلة طويلة. في هذا المشهد الأول يتداخل شعور الوصول مع قدر من القلق الذي لم ينتهِ. لا يبدو الوصول هنا بداية جديدة خالصة، بل امتدادًا لحالة سابقة يحملها معه. ومن هذا المدخل تمضي الرواية بهدوء، متنقلة بين الحاضر واسترجاعات من الماضي، بحيث تتشكل حياة (وديان) تدريجيًا دون فصل واضح بين الأزمنة، وكأن الذاكرة هي التي تنظم حركة السرد.
ويظهر هذا الإحساس منذ البداية في لحظة عبور المكان وشعور الشخصية بثقل الانتقال، حين يقول الكاتب: (عبرت شوارع الخبر فرحًا لوصولي إليها سالمًا، وانتهاء الهم الطويل الذي يصاحبني أثناء قيادتي السيارة منفردًا مع هواجسي من بريدة إلى الخبر .. ص 7)، وهو ما يضع القارئ مباشرة أمام علاقة غير مستقرة بين المكان والشعور؛ فالوصول لا يلغي القلق، بل يكشف استمراره بشكل آخر.
يمكن التوقف قليلًا عند عنوان الرواية (وديان الإبريزي). ليس بوصفه تفسيرًا مباشرًا، بل كإشارة تساعد على الاقتراب من بعض دلالات النص. ف(وديان) تحيل إلى الشخصية الأساسية، بينما يوحي (الإبريزي) بمعنى يرتبط بالنقاء أو القيمة، لكن الرواية لا تثبت هذا المعنى، بل تتركه مفتوحًا أمام التجربة. ومع تطور الأحداث، يبدو أن ما يوحي به العنوان ليس حالة مستقرة، بل شيء يتعرض للاهتزاز مع التحولات التي تعيشها الشخصية، وكأنه يعكس المسافة بين ما يتصوره الإنسان عن نفسه وما تكشفه له الحياة لاحقًا.
تتصاعد الأحداث في الرواية من خلال تراكم التجربة اليومية أكثر من اعتمادها على أحداث مفصلية واضحة. فكل موقف يعيشه (وديان) في المدينة يضيف طبقة جديدة إلى شعوره بالاغتراب أو التردد، ويكشف أن الانفصال عن الماضي ليس بسيطًا كما قد يبدو. ومع هذا التصاعد، يتضح أن الصراع الأساسي ليس خارجيًا بين شخصيات أو ظروف، بل داخليًا داخل الشخصية نفسها.
ويبرز هذا التداخل بين الداخل والخارج بشكل أوضح مع استمرار السرد. فالحكاية لا تسير في خط زمني مستقيم، بل تتنقل بين الحاضر والماضي بشكل متداخل. ماضي (وديان) في القرية لا يأتي كخلفية منفصلة، بل كجزء حاضر يفسر مواقفه في المدينة، بينما تبدو المدينة نفسها امتدادًا غير منقطع لذلك الماضي، وإن اختلف شكلها الخارجي.
وفي هذا الإطار، تأخذ العلاقات بين الشخصيات بعدًا يتجاوز الجانب العاطفي المباشر، لتصبح جزءًا من هذا التشابك الداخلي. فشخصية (حصة) مثلًا لا تظهر فقط بوصفها علاقة عاطفية، بل كمدخل يكشف جانبًا آخر من تجربة «وديان» مع ذاته ومع ذاكرته. لذلك تبدو الشخصيات مرتبطة ببعضها من خلال الحالة النفسية أكثر من ارتباطها بالحدث.
الحب في الرواية لا يظهر كحالة مستقلة، بل كتجربة محكومة بسياقها الاجتماعي. علاقة (وديان) ب(حصة) تتشكل داخل عالم يفرض قيودًا واضحة، فتبدو أقرب إلى محاولة مؤقتة للتوازن من كونها نهاية مستقرة. الرغبة موجودة، لكنها لا تنفصل عن ضغط المجتمع، ما يجعل العلاقة في حالة اختبار مستمرة.
ويظهر هذا الامتزاج بين القرب والتردد في بعض لحظات الرسائل، حين يقول الكاتب: (لو قلت لك إني أعرفك وأحبك منذ سنين.. وأنك معي في يومياتي ليل نهار.. هل تصدق ذلك ؟؟ .. ص 31)، ثم يتحول الحب إلى محاولة للاحتواء الداخلي: (بكل بساطة سأبقيك داخلي.. سأبقيك هنا .. بين أنفاسي وصدري .. ص 31)، قبل أن يظهر ارتباك أكثر حدة: (أعترف أني أشفقت على نفسي من نفسي، وارتعشت أوردة متفرقة في كامل جسدي هيبة من حبها .. ص 34).
لغة الرواية تميل إلى البساطة والوضوح، دون أن تتخلى عن حسها التعبيري. في مشاهد الحب تقترب من الرقة، وفي لحظات النقد تصبح أكثر مباشرة. هذا التبدل لا يبدو متصنعًا، بل مرتبط بالموقف نفسه. الرموز أيضًا تأتي بشكل غير مباشر: الوادي كجذر أول، المدينة كمجال انتقال، الجسد كساحة صراع، والحب كمحاولة لترميم ما تكسّر داخل الإنسان.
وأخيرًا، لا تريد (وديان الإبريزي) أن تكون حكاية مكتملة العقد، بل فضاءً لتعقب تشكل الذات في لحظة تحولها. بهدوء وتركيز، تتتبع أثر الانتقال بين القرية والمدينة في داخل الشخصية، وكأنها تقول: الإنسان لا يغادر بيئته الأولى بقدر ما يعيد بناءها في ذاكرته. رواية تجعل من التردد بين مكانين بدلاً من الاستقرار مكمن عمقها الإنساني الأصيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.