لم تعد تلك الحقائب المركونة في الزوايا مجرد أمتعة، بل غدت توابيت تحوي رفات أحلام لم تُبصر النور، وأجساداً أنهكها الانتظار خلف بوابات مؤصدة. خلف أسوار مطار صنعاء الدولي، لا تقبع مدارج مهجورة فحسب، بل تقبع اليمن بأكملها تحت حصار غاشم تحول إلى نصل يذبح الأمل ببطء، ويجبر اليمنيين على سلوك "متاهة الخطر" كبديل قسري عن حقهم الطبيعي في الطيران. أحلامٌ في كفن الأمتعة: قصص الانتظار ودروب المجازفة 1. حقيبة الطالب: طموحٌ يخشى "القيد" في زاوية الغرفة، تقبع حقيبة ذلك الشاب الذي سهر ليحصد منحة دراسية، اشترى معطفاً لبرد بلادٍ لم يطأها قط. اليوم، انتهت صلاحية المنحة وشاخت الطموحات؛ كان حلمه السفر عبر مطار صنعاء، لكن إغلاقه وضعه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما فقدان مستقبله، أو عبور المسافات المحفوفة بالتهديد؛ حيث التفتيش المنهك، ومخاطر التوقيف على الهوية في نقاط تفتيش لا ترحم أحداً، فبقيت الحقيبة مركونة خوفاً من أن تنتهي رحلة العلم في غياهب المجهول. 1. حقيبة العروس: فستان يمر عبر "طرق الأشباح" وهناك "حقيبة العروس" التي حزمت فيها أجمل ثيابها لتلحق بشريك حياتها. مرت السنوات، وتبدلت الملامح، وبقي فستان الزفاف الأبيض محبوساً في عتمة الحقيبة، ينتظر يوماً يُقال فيه: "فُتحت سماء صنعاء". هي لم تخسر رحلة فقط، بل خسرت سنوات من عمرها وهي تنتظر أن تُزف بكرامة، بعيداً عن تضاريس الخوف ومخاطر الطرق الالتفافية الوعرة. 1. حقيبة المريض: الوداع الصامت أما الوجع الأكبر، فهو "حقيبة المريض" المركونة بجانب سريره كرفيق أخير. بالنسبة له، الرحلة عبر المطارات البعيدة ليست سفراً، بل هي استنزاف لجسدٍ لا يحتمل مشقة الجبال وقسوة المسافات. كم من يمني فارق الحياة وحقيبته بجانبه، ممسكاً بمقبضها وكأنه يتشبث بالحياة. وكم من مريض استجمع قواه ليخوض غمار تلك الرحلة الشاقة بحثاً عن علاج، فلفظ أنفاسه الأخيرة في منعطف جبلي قبل أن يصل للمطار البعيد، لتعود حقيبته وحيدة، شاهدة على رحلة لم تكتمل. 1. حقيبة المغترب: هدايا محاصرة بالهواجس على الضفة الأخرى، "حقيبة المغترب" المحملة بالحنين، ظلت مغلقة لسنوات. يخشى المغترب أن تتحول رحلة العودة لزيارة أهله إلى فخ؛ حيث تتربص به المخاطر في الأماكن الموحشة. صار الشوق مغلفاً بالرعب من أن يُسلب ماله أو تُزهق روحه في الدروب غير الآمنة قبل أن يقبل جبين أمه، فبقيت الهدايا يأكلها الغبار في غربته. وهناك العديد من الحقائب كحقيبة العالق والتاجر وآلاف الحقائب الأخرى، شهوداً صامتة على مأساةٍ خذلها الضمير الدولي وتواطأ ضدها الصمت؛ لتنتهي تلك الوعود والأحلام التي كانت تحملها في "جلابيب المجهول"، وتتحول من مشاريع حياة وبناء إلى رفات أملٍ منسي خلف قضبان الحصار ومتاهات الخطر 1. حين يصبح المصير واحداً: فاجعة السنباني إن ما يجمع تخوف هذه الحقائب والأرواح ليس فقط تعب الطريق، بل ذلك التهديد الذي جسدته العديد من الماسي منها مأساة الشاب عبد الملك السنباني؛ الذي لم يشفع له اغترابه ولا أحلامه، فكانت "متاهة الخطر" له بالمرصاد لتنهي حياته في نقطة تفتيش غادرة. إن قصة السنباني ليست مجرد حادثة فردية، بل هي "النتيجة الكابوسية" التي يعتقد كل مسافر بأنها تهديد وجودي يتربص به. نداء الكرامة: ماذا ينتظر العالم؟ إن الفتح الكامل لمطار صنعاء ليس مطلباً سياسياً، بل هو حقٌ أصيل كفلته كافة المواثيق والمعاهدات الدولية. وهنا يبرز التساؤل: ماذا ينتظر العالم ليرفع هذا الحصار؟ هل ينتظر مزيداً من الضحايا ليدرك أن استمرار الإغلاق جريمة إنسانية مكتملة الأركان؟ لقد آن الأوان لفتح رئة اليمن، كي تُفتح الحقائب في البيوت بسلام، بدلاً من أن تظل توابيت معلقة بانتظار ضميرٍ عالمي لم يستيقظ بعد.