كنت أبتسم دوماً كلما مشيت بالشارع التجاري الرئيس بالحي (الأفرنجي) في مدينة (بور سعيد) التي عشت فيها عامان ، كلما طالعت عيناي كلمات للرئيس حسني مبارك مكتوبة في لوحة مستطيلة مثبتة بأحد أقواس المباني التجارية ، ومضمون تلك الكلمات أن بقاء الحاكم متربعاً على كرسي الحكم أكثر من خمسة أعوام مفسدة عظيمة ﻻ ينبغي لأي حاكم أن يقع فيها ، وأعتقد أن من وضع تلك الكلمات في ذلك المكان وفي ذلك الوقت الذي كان فيه قائلها مازال رئيساً لجمهورية مصر العربية لأكثر من 15 عاماً حينها ، كان تعبيراً ساخراً وخبيثاً وذكياً عن واقع حال الجالس على عرش مصر ، وكانت تلك الجملة قد وردت على لسان الرئيس مبارك في كلمة ألقاها في فعالية سياسية في الأعوام الأولى لحكمه ، وهو بالتأكيد ﻻ يعلم أنه مقدر له في علم الغيب أن يظل في منصبه أضعاف تلك المدة التي حددها بلسانه في كلمته تلك .
وذلك هو أحد النواميس الربانية في التكوين البشري منذ أن خلق الله سيدنا آدم ، وﻻ يشذ عنه إلا من رحم الله ، فالبشر مجبولين على انتقاد من يحكمهم على كل المستويات ، سواء كان ذلك الحاكم مشرفاً أو رئيساً لقسم أو مديراً لإدارة أو مديراً عاماً أو رئيساً لمجلس إدارة أو وزيراً أو رئيساً للجمهورية ، فتحقيق الرضا التام لكل المحكومين أمر يكاد يكون في حكم المستحيل ، إن لم يكن هو المستحيل ذاته ، ومن هنا جاء المثل الشائع : إرضاء الناس غاية ﻻ تدرك ، فمهما اجتهد الحاكم في إرضاء من هم دونه ، سيجد من بينهم من هو ساخط ناقم عليه ، ولذلك فإن اﻻجتهاد والمثابرة على نيل رضا رب العباد مقدم على الحرص على نيل رضا العباد أنفسهم ، وطالما كان من يوكل إليه قضاء مصالح البشر حريصاً ومجتهداً في نيل رضاء خالقه وحده دون سواه بإتباع أوامره والامتثال لنواهيه بأقصى ما وهبه الله من قوة وعزيمة وإصرار ، فما همه حينئذ رضي من رضي من المخلوقين وسخط من سخط .
وﻻ يوجد في تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الواردة في النصوص القرآنية والسيرة النبوية المطهرة نص صريح أو تلميح بالتورية والكناية بوجوب بقاء الحاكم في منصبه فترة زمنية محددة ، وﻻ أعتقد أن هناك من علماء الدين الإسلامي على اختلاف مذاهبهم من يستطيع إنكار هذه الحقيقة ، ومسألة تحديد بقاء الحاكم في منصبه فترة زمنية معينة هي من مستحدثات هذا الزمان ، ولها مبرراتها الوجيهة . وليس هناك في ذات الوقت ما ينص على تحريمها أو تجريمها أو كراهيتها في مصادر التشريع الإسلامي .
والإنسان أي إنسان ينشد فيما حوله الكمال ، والكمال كمفهوم فلسفي يختلف من شخص لأخر وفقا للزاوية التي ينظر بها كل شخص للأمور من حوله ، فلا يكاد يتفق عليه اثنان ، لأن الكمال في حقيقة الأمر هو لله وحده والنقص متلازم أصيل مع كل مخلوقاته ، لذلك نجد من يقف في المدرجات ويرى الصورة الكلية لما يجري على أرض الملعب ، فيقول في نفسه أو لمن هو جالس بجواره : لو كان كذا لكان كذا ، ويلقي باللوم على اللاعبين والمدربين وكل من له صلة بالفريق سواء نجح الفريق أو فشل ، فحتى عند فوز الفريق الذي يشجعه ستجد من يرى أن ذلك الفوز كان من الممكن أن يكون مبهراً أكثر وأكثر لو أن اللاعبين فعلوا كذا وكذا .
وفي مسائل الحُكْم والسياسة ستجد من يباغتك بالقول : لو أن الله وهبني الحُكْم 24 ساعة فقط لغيرت وجه الكون للأفضل ، ولعاش الناس في عز ورخاء ، فإن مكنه الله من التربع على كرسي الحُكْم نجده يفقد مع مضي الأيام كل حماسة لتغيير ما كان يراه من هفوات وثغرات ومثالب وسقطات كان يأخذها على من سبقه في الجلوس على ذلك الكرسي ، وتبدلت زاوية رؤيته للأمور التي بات يراها بصورة مغايرة مختلفة جذرياً عن رؤيته لذات الأمور من قبل ، ونجده صار يصنع شماعات يبرر بها عجزه عن الوصول لرسم الصورة المثالية التي طالما حلم بها وتمناها ، ومنها شحة الموارد وضآلة الإمكانيات ، ليصير لسان حاله : من يده في النار ليس كما الذي يده في الماء .
هذا للأسف الشديد واقع حالنا في وطننا العظيم (اليمن) ، فلو أنك سالت المحرك البحثي الالكتروني الأشهر الشيخ (جوجل) Google عن اسم رئيس الجمهورية اليمنية ، لكانت الإجابة الفورية الوحيدة : محمد علي الحوثي ، وهي نفس المعلومة التي ستحصل عليها ضمنياً لو بحثت عن معلومات عن الجمهورية اليمنية ، فإن كنت تعيش في (اليمن) ، وسألت أي مواطن بسيط عن شخص رئيس الدولة لأجابك بمنتهى البساطة : ﻻ أدري ، ولو أهديته إجابة الشيخ (جوجل) لرد عليك مبتسماً : إن كان محمد علي الحوثي رئيساً للجمهورية أو حاكماً أياً كان مسماه فمن يكون عبدالملك الحوثي؟! ، ولماذا لا نسمع لمحمد علي الحوثي إن كان هو الحاكم فعلياً بأمره كلمة رسمية في أي مناسبة وطنية أو دينية مضت؟! ، وهذا أبسط مظاهر حكمه! ، وإن كان هو كما تقول فأين حكومته ومن يترأس تلك الحكومة؟! ، ولماذا ﻻ نسمع وﻻ نرى تلك الحكومة أو من يقوم مقامها بتصريف شئون البشر منتظمة في اجتماعات دورية : أسبوعية أو حتى شهرية؟! .
فإن نحن حاججنا ذلك المواطن البسيط الأمي الذي ﻻ يقرأ وﻻ يكتب ، بأنه العدوان المستمر وما أوجده من حالة استثنائية داخل الوطن ، هو من لم يمكن الحاكم من استكمال مؤسسات الدولة المتعارف عليها وﻻ نقول الدستورية ؛ لأن الدستور بريء من كل ما يحدث على أرض (اليمن) ، لكان رد ذلك المواطن : متفقين في ذلك ، لكن ؛ من هو وزير الدفاع أو قائد الجيش الذي يقود الجيش ويدير معارك التصدي للعدوان؟! ، ومن هو وزير الداخلية المناط به حفظ الأمن والأمان للمواطنين في هذا الظرف الاستثنائي غير المسبوق الذي يمر به (اليمن) ، وبأمر من تأتمر أجهزة وزارة الداخلية الأمنية ؟! ، دعك من كل ذلك وأجبني : أين البترول في محطات الدولة الرسمية؟! ، وإن كان البترول معدوماً بفعل الحصار البري والبحري والجوي المفروض على (اليمن) ، فمن أين تتوفر تلك الكميات من البترول للسوق السوداء سواء في محطات القطاع الخاص أو في الأرصفة على قارعة كل شارع وبأسعار خيالية؟! ، وكيف تسمح الدولة او حتى ما تبقى منها ببيعه في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من كل الناس ، بنكهة الفراولة ، وبنكهة الليمون وبمختلف ألوان الطيف ؟! ، لماذا يغض الحاكم الطرف عن هذا الأمر ، ولا يبادر بإصدار أوامره بمصادرة كل تلك الكميات؟! ، إلا إن كان ذلك يجري بعلمه وموافقته ومباركته؟!.
دعونا نكرر السؤال الذي طرحناه أكثر من مرة : لمصلحة من بقاء هذا الوضع الهلامي على ما هو عليه؟! ، فلا دولة ولا لا دولة ، ولا هم الذين حكموا وفق نصوص إعلانهم الدستوري ، ولا هم الذين اعترفوا بعجزهم عن الحكم ، وتخلوا ، وبحثوا عن من هو جدير بالحكم ، وهل خضوع البلد للعدوان المستمر يصلح كذريعة ومبرر لبقاء الحال على ما هو عليه؟! ، وهل يدركون أنهم هم ذريعة ومبرر الاستمرار في كل هذا السحق لكل الأبرياء الأحياء في (اليمن)؟!.
وهل آن الأوان لأنصار الله أن يعترفوا أنهم واقعون بالفعل تحت تأثير سِحْر الكرسي الذي تربعوا عليه ، وبريق الصولجان الذي صار بين أيديهم ، مغيبين وغافلين عن ما سواهما ، وأن كل ما وعدوا به مواطنيهم ودغدغوا به أحلامهم وأمنياتهم وتطلعاتهم لحياة كريمة آمنة مطمئنة ، قد ذرته رياح وأعاصير وزوابع عدوان التحالف الدولي الغاشم ، وهل لهم أن يدركوا أن صبر الناس عليهم هو فقط لأجل وطنهم الأغلى والأعز والأكرم (اليمن) ، وأن يوم الحساب بات قريباً وقريباً جداً بمشيئة الله بعد دحر العدوان وكسر قرون الشيطان ، وأن الشعب لن يغفر لهم خطاياهم ، ولن يرحمهم ، لأنهم كانوا السبب والحُجَّة والذريعة لكل ما حاق بالوطن من ويلات ومآسي وجرائم بربرية وحشية لا تخطر على بال الحجر ، فإن أفلتوا من حساب البشر ، فإنهم بالتأكيد لن يفلتوا من حساب رب البشر ، يوم يقفون فرادى بين يديه عز وجل ، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .