تواصل مليشيا الحوثي الإرهابية عمليات النهب المنظم والممنهج لأموال وإيرادات محافظة إب، وسط اليمن، منذ أكتوبر 2014م، حيث حولت المحافظة إلى ساحة نهب وسطو واسعة، صادرت من خلالها ممتلكات وأراضي وأموال كبيرة تابعة لمواطنين ومؤسسات خاصة وحكومية. وكشفت منظمة رصد للحقوق والحريات، في تقرير حديث لها، تابعه موقع الصحوة نت، قيام مليشيا الحوثي بنهب مئات الملايين من أموال وإيرادات المحافظة، والسطو على ممتلكات خاصة وعامة في أكثر من ألف حادثة خلال عشر سنوات.
ووثقت المنظمة 1068 حادثة نهب نفذتها مليشيا الحوثي، طالت المنازل والممتلكات والأراضي والمؤسسات الأهلية والحكومية في مختلف مديريات المحافظة منذ أكتوبر 2014م، موضحةً أن الأرقام الفعلية لعمليات النهب والسطو تفوق ما تم توثيقه خلال الفترة الماضية.
سياسة ممنهجة
أشار تقرير "رصد" إلى أن مليشيا الحوثي تواصل التنكيل بأبناء محافظة إب ونهب أموالهم، وممارسة القمع بحق أي شخص يدافع عن ممتلكاته أو يحاول الحديث عمّا يتعرض له من نهب وسطو، في ظل غياب أي وسائل حماية قانونية أو قضائية للمتضررين من تلك الانتهاكات المستمرة.
وأوضح التقرير أن عمليات النهب شملت منازل وأراضي ومحلات تجارية ومراكز صحية ومستشفيات وجمعيات خيرية ومحلات صرافة ومقرات حزبية ومساجد ومراكز للعلوم الشرعية ومؤسسات أهلية وحكومية، حيث قدر التقرير أموال تلك المؤسسات والممتلكات بمليارات الريالات، خصوصا المنازل والأراضي والعقارات ذات القيمة العالية.
ولفت إلى أن مليشيا الحوثي قامت بنهب 459 منزلا، و292 مؤسسة أهلية وعامة، و76 محل صرافة، ونهب 178 شخصا بحوادث متفرقة، بالإضافة إلى 8 مستشفيات ومراكز ووحدات صحية، و18 مدرسة أهلية وحكومية، و11 جمعية خيرية، و16 مسجدا، وخمس مقرات حزبية، وأربع مؤسسات تعليمية.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أحدث عمليات السطو التي تنفذها قيادات المليشيا بمحافظة إب، عبر ممارساتها بحق مركز "ون مول"، أحد أكبر المراكز التجارية بالمحافظة، الكائن بمنطقة السبل غرب مدينة إب، حيث فرضت عليه حارسا قضائيا وأذكت الخلافات بين شركائه بهدف السيطرة عليه.
وبين التقرير أن ما شهده المركز من انتهاكات بحق التجار والعمال والموظفين خلال الأيام الماضية، يأتي ضمن محاولات النهب والسطو المستمرة التي تشهدها المحافظة، في ظل تصاعد استهداف القطاع التجاري والاستثماري من قبل قيادات المليشيا، التي تسعى لإحكام قبضتها على أبرز المنشآت الاقتصادية.
نهب مساعدات طبية
تناول التقرير نهب مساعدات طبية وبيعها من قبل قيادات في مليشيا الحوثي، بما في ذلك أدوية مخصصة لمرضى الغسيل الكلوي وشحنة طبية تابعة لإحدى المنظمات، بالإضافة إلى التلاعب بالمساعدات الإنسانية وتجييرها لصالح المليشيا على حساب المستحقين لها.
وأكد التقرير أن تلك الممارسات أدت إلى حرمان المستفيدين من المساعدات الإنسانية، وصولا إلى توقف عدد من العمليات الإنسانية في محافظة إب وبقية مناطق سيطرة المليشيا، نتيجة الفساد والتلاعب بالمساعدات، وهو ما فاقم من معاناة المرضى والفئات الأكثر احتياجا في المجتمع.
ووفقا للتقرير، فقد نهب القيادي الحوثي أشرف المتوكل، المعين من قبل المليشيا وكيلا للمحافظة، شحنة مساعدات طبية تابعة لإحدى المنظمات الإنسانية، حيث قام ببيعها في السوق السوداء والصيدليات الخاصة، في نموذج يعكس حجم الفساد والانتهاكات المرتبطة بالمساعدات الإنسانية في المحافظة.
الزكاة والضرائب
وفي جانب الإيرادات العامة، تطرق التقرير إلى نهب الأموال العامة والمؤسسات والمرافق الإيرادية الرسمية، كالأوقاف وصندوق النظافة والتحسين والضرائب ومؤسسة المياه، وغيرها من الجهات التي حولتها المليشيا إلى أدوات للثراء والنهب المنظم للأموال لدعم مشاريعها العسكرية والحربية وفعالياتها وأنشطتها الطائفية.
وأشار تقرير المنظمة إلى نهب نحو 50 مليار ريال سنويا من ضرائب المحافظة، و37 مليار ريال من أموال الزكاة بشكل سنوي، ما يعني أن المليشيا استحوذت على أكثر من 900 مليار ريال من الضرائب والزكاة خلال عشر سنوات، إضافة إلى مئات الملايين من أموال الأوقاف والجمارك التي رفعتها بشكل كبير.
وأوضح التقرير أن المليشيا تواصل رفع الجبايات والرسوم بين الحين والآخر، ما يجعل من عمليات النهب سياسة ممنهجة تثقل كاهل المواطنين، خصوصا التجار الذين يضطرون إلى عكس تلك الإتاوات على أسعار السلع، الأمر الذي يفاقم الأعباء المعيشية ويحيل حياة السكان إلى أوضاع بالغة القسوة.
وأكد التقرير أن جميع إيرادات محافظة إب يتم تحويلها إلى صنعاء وصعدة، في وقت تحرم فيه المحافظة من أبسط الخدمات، مشيرا إلى أن نقطة تابعة لصندوق النظافة والتحسين في المدخل الجنوبي لمدينة إب تتحصل على نحو 40 مليون ريال شهريا، إضافة إلى بقية نقاط الجبايات المنتشرة في مختلف مديريات المحافظة.
النظافة والأوقاف والمياه
يعد صندوق النظافة والتحسين بمحافظة إب أحد أكبر الموارد المالية، ويطلق عليه السكان "الصندوق الأسود" في إشارة إلى حجم الإيرادات والفساد داخله، فيما يمثل مكتب الأوقاف موردا موازيا من حيث الإيرادات والعقارات، ما يجعله من أهم الأوعية المالية بالمحافظة.
ولفت تقرير منظمة رصد إلى أن الأموال التي يتم تحصيلها في صندوق النظافة والتحسين يتم العبث بها وصرفها لوكلاء ومسؤولي المليشيا في المحافظة، فيما يذهب الجزء الأكبر منها إلى قيادات في صنعاء، حيث تصل تلك المبالغ إلى أكثر من 160 مليون ريال شهريا وفقا لمصادر داخل الصندوق.
وأضاف التقرير أن عمال وموظفي الصندوق يعانون من حرمانهم من حقوقهم الأساسية، حيث يتقاضون رواتب ضئيلة لا تتجاوز 30 ألف ريال، في الوقت الذي يتم فيه تحويل معظم الإيرادات إلى قيادات المليشيا، ما يعكس حجم التفاوت والفساد داخل هذه المؤسسة الحيوية.
وفيما يتعلق بالأوقاف، أوضح التقرير أن ممتلكات وإيرادات هذا القطاع تعرضت لنهب منظم من قبل قيادات المليشيا، حيث يتم تحويل جزء كبير من تلك الأموال إلى صنعاء، بينما تستولي القيادات المحلية على ما تبقى، إلى جانب نهب أراضٍ وعقارات واسعة تابعة للأوقاف من قبل نافذيم وقيادات في مليشيا الحوثي.
وأكد التقرير أن أموال الأوقاف مخصصة لأوجه محددة وفقا للقوانين والواقفين، إلا أن المليشيا تقوم باستخدامها بطرق مخالفة، وتوجيهها لدعم أنشطتها الحربية والقتالية، في انتهاك واضح لطبيعة هذه الأموال والأغراض التي خصصت لها منذ إنشائها.
وبحسب التقرير، فإن مليشيا الحوثي نهبت أيضا إيرادات مؤسسة المياه، إلى جانب الوقود المقدم من المنظمات لتشغيل آبار المياه وضخها إلى المنازل، في وقت رفعت فيه أسعار المياه على المواطنين، وتسببت بأزمات متكررة في الإمدادات المائية بمدينة إب وبقية المديريات التابعة لها.
القطاع الصحي
وفي القطاع الصحي، أشار تقرير منظمة رصد إلى نمط آخر من النهب، تمثل في السيطرة على المستشفيات والمراكز الصحية في عدد من مديريات محافظة إب، حيث وثق التقرير نهب ثمانية مستشفيات ومرافق صحية، مع استمرار تشغيلها بهدف الاستحواذ على إيراداتها بشكل مستمر.
ونوه التقرير إلى أن من بين أبرز المنشآت الصحية التي تعرضت للنهب مستشفى المنار والأمين ومستوصف الخنساء، إضافة إلى فرض حارس قضائي على مستشفيات أخرى في محافظة إب، مع استمرار تشغيل هذه المؤسسات تحت إدارة تابعة للمليشيا، ومنع الملاك الأصليين من الاستفادة منها أو إدارتها.
وأوضح التقرير أن هذه المستشفيات تواصل تقديم خدماتها كمؤسسات طبية رائدة، إلا أن إيراداتها يتم توجيهها لصالح المليشيا، بعد فرض إدارات موالية لها، في خطوة تعكس تحويل القطاع الصحي إلى مورد مالي ضمن منظومة النهب المنظم التي تشهدها المحافظة.
وفيما يتعلق بقطاع التعليم، تطرق التقرير إلى نهب طال جامعة إب، حيث تم الاستيلاء على 270 مليون ريال من خزينة الجامعة، في واقعة وصفها التقرير ب"المفضوحة"، وسط مزاعم بسرقة الخزينة، دون أن يتم فتح تحقيق جدي أو محاسبة المتورطين في القضية.
وأشار التقرير إلى أن القضية تم التستر عليها وإغلاقها، بالتزامن مع ترقية المتهم الرئيسي إلى منصب وكيل في وزارة المالية، في مؤشر على غياب المساءلة، وتحول الفساد إلى منظومة محمية داخل مؤسسات الدولة الخاضعة لسيطرة المليشيا.
وبين التقرير أن جامعة إب تحولت إلى مصدر إيرادات كبيرة من خلال رسوم التعليم الموازي والنفقة الخاصة، على حساب التعليم العام، لتصبح جزءا من منظومة النهب المنظم التي تديرها قيادات ونافذو المليشيا خلال السنوات الماضية.
وأكد التقرير أن عمليات النهب لا تزال مستمرة حتى اليوم، عبر الاستحواذ على إيرادات المؤسسات والمرافق الحكومية، إلى جانب الاستثمار في مؤسسات خاصة بعد مصادرتها، في مشهد يعكس اتساع نطاق النهب المنظم الذي يستهدف مختلف القطاعات في محافظة إب.
وأشارت منظمة رصد إلى الجبايات التي تفرضها المليشيا تحت مسميات متعددة على مدار العام، مثل المولد النبوي والزكاة ودعم الجبهات والأنشطة الحوثية المختلفة، والتي تستهدف التجار ومختلف فئات المجتمع، وتدر على خزينة المليشيا مئات الملايين شهريا ومليارات الريالات سنويا.