بدون شك أن ذكرى حرب ((صيف 94)) هذا العام تبدو استثنائية في سيرورة القضية الجنوبية التي بدأت تتشكل ملامح صيرورتها منذ عام 2007 كتراكمات حرب بما تعنيه كلمة حرب من دمار، وقد بدأت بحراك المُبعدين العسكريين لما شهده ذلك العام من استكمال للقضاء على الكوادر العسكرية الجنوبية سواء بإقعادهم أو الزج بما تبقى من قياداتهم في الحرب على صعدة واتساع دائرة السخط والحراك الشعبي حتى وصل إلى الحراك بكينونته الحالية والذي ما زال حتى الآن سلمياً، برغم وجود أكثر من طرف داخلي وخارجي يشتهي الزج بالحراك السلمي إلى عمل مُسلح لا يُقصد به الكفاح المسلح المشروع لكل الحركات التحررية والمقاومة أكثر منه إفقاد القضية عدالتها. هذا العام يُشكل تجلياً حقيقياً لظهور القضية الجنوبية كقضية سياسيه لا حقوقية كما يُراد لها أن تكون، من عتبة الثورة الشعبية التي تفجرت في عام 11فبراير لا يمكننا القول أنها لمست حقاً القضية الجنوبية أو خدمتها كما ينبغي لكنها في النهاية أثرت بطريقه أو بأُخرى، مع أن المبادرة الخليجية لم تشر إليها إلا أن الحوار الوطني اعتبرها محوراً رئيسياً في أوراق عمله باعتبار أن الحوار نتاجاً للثورة التي انتهت بوفاق. من منطلق مهرجان التصالح الذي أعلنه الجنوبيون واللقاءات بين أطراف الزعامات الجنوبية في الخارج يفرض هذا العام مدى جديته، ليس لترتيب البيت الجنوبي وإعادة قراءة مشهد حرب94 فقط وإنما إعادة قراءة مصير أُمراء الحرب على الجنوب خاصة ومع البدء بهيكلة الجيش، فالحرب على الجنوب وكما ظهرت للواقع لم تكن (حرباً مقدسة) على "دار الكفر" ولم تكن دفاعاً عن الوحدة بل كانت مشروع حرب على دولة ببنيتها التحتية وكوادرها السياسية وجيش مؤسسي، في هذه الحرب دخلت أطراف عدة -إقليمية ومحلية- ومنهم من كان فقط مجرد مرتزقة ومنهم من كان يُدافع عن وهم ومنهم من كان ينفذ مشروعا محددا ويقاتل وهذا المشروع نصب عينيه وقد انتصر له. يمكننا البدء من حادثة البارجة الأمريكية (كول) التي تشبهها بالضبط غرق الباخرة الهندية (ديريا دولار) واُتهم السلطان العثماني الذي كان يحكم عدن آنذاك أنه المحرض على الحادث وحركت الحكومة البريطانية في الهند حملة بحيرة استولت على عدن في 16كانون الثاني عام 1839م. وهذا ليس ببعيد عما يحدث اليوم وما صرح به السفير الأمريكي (جيرالد فيرستاين) لوفد (إقليم المهرة –سقطرى) ووعدهم بإقليم موحد وكل هذا خدمة للمشروع الأمريكي ببنائه إلى جانب قاعدة العند أكبر قاعدة عسكريه أمريكية في سُقطرى، وخاصة مع التطور المخيف للقوه العسكرية الإيرانية منطقة الريع الأمريكية. يبدو أن المشهد يكاد يتبلور تماماً بشأن الحرب على الجنوب، والأهم هذا العام هو أن الضحية علمت حقاً من هو جلادها وماذا تريد. وبالمقابل ماذا كان تفاعل حكومة صنعاء المركزية والإقليم والأممالمتحدة سلبي تماما. داخليا وكما هو مخطط أن يتم حل القضية بالحوار الوطني لم تدخل النقاط الاثنتا عشرة التي طرحها الاشتراكي وتمت المصادقة عليها من اللجنة الفنية المُعدة للحوار، وأضيفت إليها نقاط حتى سميت بمشروع النقاط العشرين، وسبق هذا الأمر تفجير الأعمال الدموية التي جرت في الجنوب هذا العام وكذلك رفض الاعتذار من قبل رموز حزب الإصلاح الدينية والقبلية وإعاقة مشروع قانون العدالة الانتقالية، وكل هذا من شأنه أن يزيد من سقف المطلب الجنوبي ومن حدة السخط الشعبي. كل شيء يشير إلى أن ذكرى هذا العام ستكون نوعية من شتى النواحي سواء بالرؤية التي قدمها الحزب الاشتراكي لأول مرة منذ حرب 49 وهي الوحدة في إطار دولة اتحادية، أو من قِبل فصائل الحراك المشاركة بالحوار والفصائل المقاطعة لهُ أيضاً، والجانب الآخر تحركات الأممالمتحدة بهيمنتها الأمريكية والمجتمع الدولي وكلٌّ يرعى ويعي مصالحه، ولكن وأكثر من أي وقتٍ مضى الشارع الجنوبي يثبت أنهُ يعلم جيداً كيف يتحرك وفق إيمانهِ الحق بعدالة قضيته.