قرعت الباب بدقات منتظمة هادئة ثم دلفت إلى المكتب بعد أن سمعت الإذن بالدخول : - هناك شاب عربي يريد مقابلتك بشدة . رفع حاجبيه قليلا دون أن يحرك رأسه .. وبدا غارقا وسط كومة من الملفات والأوراق القابعة أمام مكتبه , ورد بهدوء : - اصرفيه .. أنا مشغول, وأحضري لي فنجانا من القهوة . أغلقت السكرتيرة الباب خلفها من دون أن تحدث أي صوت , فرفع رأسه قليلا من فوق الأوراق .. وتنهد بعمق قبل أن يغوص بجسده في الكرسي مغلقا عينيه .. وبدا كما لو كان غارقا في بحار من الهموم توشك أن تبتلعه ! ثم عاد وانتصب مع دقات الباب المنتظمة, قبل أن تدخل السكرتيرة حاملة معها فنجان القهوة, ووضعته على المكتب قائلة : - لقد حضر المحامي جون ريتشارد .. هل أدخله؟ - طبعا , طبعا ..هذه الصفقة هي أكبر الصفقات التي قمنا بها ونحتاج إلى دراسة كل شيء بدقة حتى نربح الصفقة . ثم مال على المكتب قليلا قائلا بصوت خافت : ولا تنسي سهرة الليلة في المطعم ,سآتي لأصطحبك بسيارتي .. أغلقت السكرتيرة عينيها برفق ودلال وهي تعيد بعض خصلات شعرها الذهبي خلف أذنها .. ليبدو قرطها اللؤلؤي الجديد لامعا وجذابا .. فيزيدها أناقة على أناقة . ابتسم وهو يتناول فنجان القهوة ؛ ليرتشف منه رشفات وأكمل : - أحضري لي الملفات المتعلقة بالصفقة كافة أولا قبل أن أقابل المحامي . وعاد ليغوص في مقعده .. وهو يتخيل ثروته المتزايدة , مردفا : - أتعلمين كم من الأموال ستدر علينا لو نجحنا في هذه الصفقة ..سأشتري لك حينها خاتما من الألماس.. وسنحتفل بزفافنا في أفخم الفنادق ..وسندعو جميع الأصدقاء .. وسيتحدث الجميع عن زفافنا .. قطعت عليه السكرتيرة سلسلة أحلامه الوردية بقولها : - الشاب العربي مازال هنا ويرفض المغادرة حتى يراك !! قطب جبينه بشدة حتى تلاقى حاجباه معا .. وبدا وكأن كابوسا مزعجا اقتحم سلسلة أحلامه الجميلة فبعثرها بعنف ! فضرب بكفيه ظهر مكتبه حتى اهتز ما عليه , وانسكبت بضع قطرات من القهوة فوقه .. صارخا : - اصرفيه ولو بالقوة .. لا ينقصني إلا هؤلاء المتسولين .. يحصلون على منح من دولهم الفقيرة ثم يأتون إلينا ليمتصوا ما كسبناه بعملنا وجهدنا المتواصل !! . تراجعت السكرتيرة مع نوبة غضبه المفاجئة , انتبه لذلك فتنحنح بحرج وهو يشير إليها بالإسراع في إحضار الملفات ... عادت بعد دقائق معدودة ومعها رُزمة من الملفات وظرف صغير قديم , وضعتها على المكتب معا .. نظر إلى الظرف ثم حول نظره إليها متعجبا .. فقالت : - وضع الشاب هذا الظرف لتقرأه ما دمت لا تستطيع مقابلته . ثم استأذنته وانصرفت . بدأ يقلب الملفات .. ثم أخذ الظرف ليلقيه بعيدا فوق الأوراق القديمة .. لكن ما أن تناوله حتى حانت منه التفاته إلى عنوان المرسل.. كانت كفيلة بأن تسمّر يده وعينيه .. وسيطر الوجوم عليه قليلا قبل أن يعزم أمره ويفض الظرف ويخرج منه الرسالة .. وأخذ يقرأها بتمهل ... (( عزيزي: الدكتور / عادل المهندس / عادل الأستاذ / عادل لا أعلم ماذا تكون قد أصبحت عندما تصلك رسالتي هذه , لكنك مهما كنتَ وأصبحتَ فإنك ستظل على الدوام .. ولدي الحبيب عادل . لقد اشتقت إليك كثيراً.. وأتمنى أن أراك.. وأشم عبيرك الزكي .. وأغمرك بدفء أحضاني , كما تغمر الشمس الناس بأشعتها الدافئة كل صباح , وأتوق لأن أمس بكفي صفحة وجهك الجميل كما كنت أفعل، وأن أسكب عليك مقادير لا تحصى من حبي وخوفي، وأن أطبع على جبينك أحرَّ قبلاتي . ولدي الحبيب : لقد خطّت السنون آثارها عليّ !..فانحنى ظهري, وضعفت صحتي, وغلّف البياض رأسي من أول شعراته إلى آخرها ! لكن لازالت كلماتك العذبة حيّة في قلبي .. تشع بالنور والضياء .. فتبعث فيّ الأمل .. فأظل أترقب من نافذتي اليوم الذي تعود فيه وقد حققت أحلامك ، لكنك تأخرت كثيرا فهل تراك نسيتنا ؟ ألا تذكر وعدك ليّ في آخر يوم لك قبل أن تسافر للمنحة الدراسية .. قلت لي حينها : أمي انتظريني سأعود إليك رجلاً تفخرين به .. رجلاً يحمل مشعل النور , نور العلم , النور الذي سيضيء مدينتنا .. النور الذي سيبعث فينا حياة جديدة . هذه مسؤوليتي يا أمي و ومسؤولية كل شاب طموح . يجب أن نساهم في رسم معالم مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة بعدنا .. لا يجوز أن نبقى هامدين وغيرنا يتقدم ! فلا تخافي يا أمي .. سأظل وفيا لكِ ولأرضي وأمتي .. سأظل قابضاً بقوةٍ على قيمي وأخلاقي . ثم طبعتَ على جبيني قبلة دافئة .. حفرت فيه حفراً , فأنا أضعُ يدي عليها أتحسسها كلما غمرني اليأس بعودتك , وأقلقني السهاد من طول غيبتك . أتخيلك كل يوم قادما من بعيد .. تحمل شهادتك عاليا .. تحلق في سماء المجد كما تحلق الطيور .. فأتلقفك بأحضاني وأغمرك بعطفي وحناني .. وأسمع صوتك الشجي فيطرب لسماعه قلبي , فيرقص فرحا وأنت تناديني كما اعتدت دائما ب( مامي ) فإن تك مشغولا بدراستك, وأحلامك التي ما فتأت تلاحقها .. فإني مشغولة بك , وبوعدك الذي قطعته لي , وبالأمانة التي تركتها بين يدي قبيل رحيلك...!! أم تراك نسيت ( أحمد الصغير ) ابنك الذي ماتت أمه ورحلت أنت عنه .. فبت له الأب (الشاقي)؟؟؟ والأم الرؤوم .! وكلما اشتد شوقي إليك سكبت نور عينيّ على وجهه , فأراك فيه كما يُرى البدر على صفحة الماء في الليلة الظلماء , لقد ورث عنك ملامحك كلها , حركاتك , تصرفاتك , وكأنه أنت في صغرك .. بل حتى ورث أحلامك !!. لقد غدا ابنك اليوم شاباً مجتهداً وطموحاً .. يحلمُ بان يبني الوطن , ويحمل شعلة العلم لينير المستقبل .. مثلك تماماً , وكأنهُ قد أبصرَ شبحكَ أمامهُ فقاده إلى دربكِ نفسه .. فأمسى سائراً فيه من دون أدنى تردد , تحفزهُ كلماتُكَ التي ما برحتُ أهمسُ بها في أُذنيه صباحاً و مساء .. ولدي الحبيب : أدعو الله من كل قلبي أن يحميك ويحفظك ويعينك ويطيل عمري حتى أراك عائدا تحمل النور في راحتيك لتضيء به دربنا الحالك ، فعد سريعا فأيامي باتت معدودة ! أمك المحبة لك دوماَ. ملاحظة : لابد وأنك قد عرفت أن حامل الرسالة هو ( أحمد الصغير ) لقد اجتهد كثيراً حتى حصل على هذه المنحة الدراسية . أرأيت الشبه الذي بينكما ؟ .. أمك لا تخطئ أبداً )). فغرَ عادل فاهُ من هول الصدمة .. وبدا وكأن رصاصة قاتلة قد اخترقت قلبه فمزقته قطعاً صغيرة.! وسرعان ما نفض ذهوله وانتفض من كرسيه راكضاً إلى خارج المكتب .. سيطرت الدهشة على سكرتيرته وهو يسألها : - هل ترك الشاب العربي عنوانه أو أي شيء يدل على مكانه ؟ فناولته بطاقة صغيرة مكتوب عليها عنوان سكن داخلي لإحدى الجامعات . اختطفها من يدها واندفع راكضا إلى الشارع وهو يقول : - ألغي جميع مواعيدي اليوم , بما فيها سهرة الليلة ؛ فأنا مشغول بما هو أكثر أهمية من كل ذلك!! ثم ركب سيارته وانطلق بها ...