بعد مواجهات ومكابدة ومداهمات ليلية استمرت حوالي ثلاثة شهور خرج محمد ورفقاؤه من خور مكسر ،فقد فنى ما لديهم من مدخر الحرب ،فلا ذخيرة ،بلا ماء ولا إدام ولا كسيرة! فالسكان قد نزحوا والجميع امام تلك القوات الغاشمة والجنود الضالة فمحمد كان يفكر بالنصر او الشهادة لكنه لم ينل هذه ولا تلك لقد جرح اخوه برصاصة قناص محترف ، احل له علماء السوء دماء محرمة بفتاوى منحرفة ضالة او اشتريت عروبته واخلاقه بأموال فارسية او جنده سادته لفقره وحاجته ،حتى يحمي مصالحهم الشخصية وسياستهم المادية ..فكل اناء بما فيه ينضح، وعند الله –عز وجل- تبعثر القبور ويحصّل المكنون ما في الصدور ، يوم تبلى السرائر ،ويلقى كل انسان عمله التليد والحاضر وقد نسخته الملائكة الكرام وضمّته الدفاتر خرج محمد منكسر القلب رات عيناه القتلى من رجال واطفال ونساء ففي حي السعادة – حي مهده وصباه- قتلت ثلاث نساء خلفن في ان واحد . والحزن والغضب والاساء فما وطئت قدماه الحي الجديد الذي نزح اليه –قرب جولة السفينة- الا وخرج يواصل الليل بالنهار ، ويقاتل باخلاص واصطبار ،ويسأل الله الشهادة او النصر والعزة الى ان كاد شهر رمضان ان يحل ختامه وتنخرم اخر لياليه وتسقط لألئ ايامه وبعد ابتهال المسلمين ودعاء المظلومين وغرق النازحين وعطش الظامئين ، بل افصح من السجع المقصود ، بعد السابع والعشرين من الشهر الميمون ، اصبح محمد يستأذن اباه وامه في الخروج مع المقاتلين المتطوعين لفتح خورمكسر وتحريرها من العدو الغاشم فتناول الاكلة المباركة وصلى الصلاة المشهودة دخل على ابيه وامه قائلا ((انني ذاهب إلى خور مكسر فادعيا لي بالشهادة )) فقال الاب : ((تذهب يا بني وترجع بالسلامة )) فخرج محمد الى خارج الدار ثم سرعان ما عاد واستأذن على ابويه بأذب ووقار واعاد طلبه ودعا له ابوه بالعودة بالسلامة ويخرج محمد ويعود ثالثة يا ابي (( ادع الله لي بالشهادة )) فيقول الأب : (يقبلك الله). فما غابت شمس ذلك اليوم الذي افطر فيه غالب المجاهدين الا القليل الصابرين ، ومحمد ورفقاؤه قد وصلوا خور مكسر وقد دحروا العدو ايّما دحر في يوم بلغت فرحته اقاصي البلاد، ووصلت الى تخوم قلوب العباد ، وباتت حديث المسلمين في كل ناد.. فما اعظمها من فرحة ، ختم بها الشهر المبارك بعد اليم الحزن ومرارة الفرقة. والناس ينسون الا من يجرعهم * * * مرارة الظلم ما للظلم نسيان قعد محمد امام بيته في حي السعادة وهتف الى ابيه يبشره بالنصر وهناك وضعت بين يدي الصائمين الخمسة التمرات ، وفتحت افواه القنينات ، بعد يوم صعب وحر قد اشتد في وسط الصيف الذي رمضت ايامه – وكادت تنجلي على اهل تلك الديار عدن- ماسيه واحزانه ، وحين صدح الاذان وكاد محمد ان يبلل شفتيه الضامرتين بعد ان مضغ تمرة تو تمرتين إذ انبعث شيطان رجيم طرده صوت التكبير من مخبأه فصوّب رشاشه على الخمسة الرفاق فتساقطوا جميعا على تلك المصطبة وهرب مذعورا بأتجاه زقاق من الازقة سحب ثلاثة من الجرحى انفسهم الى العمارة الخشبية في المكان التي احد منازلها محمد الجريح ن وبقي محمد على الارض ، حدثني رفيقه بقوله: (( لقد اخترقت جسدي ثلاث رصاصات فأغمي عليّ ففقت وكأني في حلم ،انظر الى محمد وهو يردد الشهادتين والدم يسيل من فيه ينبعث مع حروف تلك الكلمات . ثم اغمي عليّ مرة اخرى ، فلما فقت في المستشفى بعد ساعات قيل لي : ان محمد نال الشهادة .. يا محمد – هنيئا لك ما نلت ، ودعوة الوالد لولده مستجابة ، وقد استجاب الله –تبارك وتعالى – دعوة ابيك ،فلعل الله ان يجعلك شفيعا لوالديك يوم القيامة. يا محمد – ان قتلت ، فذرفت دموع رفقائك واهلك ووالديك وكاتب هذه النبذة الموجزة عنك والقرّاء لها ، وجميع محبيك ، فقد اسعدت يا محمد الملايين من المسلمين ، بذلك الفتح العظيم ، وفيك وفي امثالك يقال : قد مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس اموات