يمثل قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي بإعادة تنظيم جميع القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، لحظة فارقة في مسار استعادة الدولة وهيبتها، وبناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية لا تخضع لحزب أو جماعة، ولا تُدار وفق ولاءات ضيقة أو ارتباطات بأجندات خارجية. وتأتي الظروف الراهنة لتمنح هذا القرار أهمية استثنائية وفرصة ثمينة لتحويله إلى واقع عملي ملموس، طالما انتظره اليمنيون خلال سنوات الفوضى والانقسام، لما يمثله من خطوة جوهرية في ترتيب المشهد العسكري والأمني، وتوحيد الجهود تحت قيادة واحدة تُصدر القرار ويُنفذ دون عراقيل.
وتكمن الدلالات العميقة لهذا القرار في أبعاده السيادية والسياسية، إذ يشكل إعلانًا واضحًا عن دخول الدولة معركتها الحاسمة ضد فوضى السلاح وتعدد الجيوش ومراكز النفوذ، وهي الفوضى التي كانت على مدى سنوات أحد أبرز أسباب إضعاف مؤسسات الدولة، وتقويض سيادتها، وإرباك علاقتها بالمجتمع.
اختبار حاسم للدولة
وحول هذه النقطة، يقول الكاتب والباحث السياسي السعودي سليمان العقيلي "إن اليمن يقف اليوم أمام اختبار حاسم إما دولة بقرار واحد، أو شرعية مفككة تُدار بمنطق الفصائل وتعدد الولاءات"، لافتا "أن ما يجري داخل مجلس القيادة الرئاسي ليس خلافًا إجرائيًا، بل صراعًا صريحًا بين من يريد استعادة معنى الدولة، ومن اعتاد الاستثمار في هشاشتها".
أثبتت تجربة السنوات الماضية عندما تمددت المليشيات على حساب الدولة، أن لا قيمة لأي حديث عن استعادة الدولة أو فرض القانون ما لم يُحسم ملف السلاح، وتُستعاد السيطرة الحصرية لوزارتي الدفاع والداخلية على القوة المسلحة.
من منظور سياسي ودستوري، تقوم فكرة الدولة الحديثة على احتكار استخدام القوة، وحين يتوزع السلاح بين جماعات وتشكيلات وولاءات متعددة، يتحول الأمن من وظيفة عامة إلى أداة صراع، وتتحول القوة من وسيلة حماية إلى وسيلة ابتزاز، ويصبح القانون هشًا أمام منطق الغلبة.
وعلى هذه الخلفية، فإن إخضاع جميع القوات العسكرية والأمنية لوزارتي الدفاع والداخلية يعيد الاعتبار لجوهر الدولة بوصفها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة وفق الدستور والقانون، وبما يحفظ السيادة ويصون وحدة القرار الوطني.
هذا المعنى أكده رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن صغير حمود عزيز، عندما شدد على أن متطلبات المرحلة وثوابتها تقوم على علم واحد وقيادة واحدة وجيش واحد وحليف واحد، مؤكدًا أن العدو واحد ويتمثل في مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
قيادة وطنية واحدة
ويعني هذا الإعلان عمليًا، أن جميع التشكيلات العسكرية يفترض أن تخضع لقيادة واحدة، بما ينهي حالة التنازع في القرار العسكري ويعيد ترتيب مسرح العمليات وفق رؤية وطنية جامعة تستطيع تعيد ترتيب الأولويات الوطنية ويجعلها في موقف قوي كسلطة تنال ثقة الشعب في مساندتها.
وتنبع الأهمية الحقيقية لهذا القرار أيضًا من انعكاساته المباشرة على حياة المواطنين، الذين كانوا ولا يزالون الضحية الأولى لفوضى السلاح وتعدد السلطات الأمنية، فعلى مدى سنوات، عانى الناس من غياب المساءلة، وتكرار الانتهاكات، وتضارب الصلاحيات، وغياب الشعور بالأمان، في ظل وجود تشكيلات مسلحة لا تخضع لمنظومة قانونية واضحة.
ومن هنا، فإن توحيد القوات تحت قيادة رسمية واحدة يفتح الباب أمام إعادة تعريف الأمن بوصفه خدمة عامة هدفها حماية المواطن لا إخضاعه، وضمان حقوقه لا تقييدها، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة بعد سنوات من التآكل والانكشاف.
ومن زاوية أخرى، يضع هذا القرار حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على قاعدة وطنية جامعة، بعد أن كانت واحدة من أخطر نتائج الحرب هي تفكك العقيدة العسكرية، وتحول بعض التشكيلات إلى أدوات تخدم مشاريع ضيقة أو حسابات غير وطنية وبعضها تحولت مهدد لأهم أسس النضال الوطني.
هذا الخلل البنيوي لا يقل خطورة عن الانقسام العسكري نفسه لأنه يهدد وحدة القرار الوطني، ويُبقي البلاد رهينة لصراعات مفتوحة لا نهاية لها، ولذلك، فإن إعادة التنظيم تحت مظلتي الدفاع والداخلية تمثل فرصة لإعادة صياغة عقيدة عسكرية موحدة، قوامها الولاء للجمهورية، واحترام التسلسل القيادي، والالتزام الصارم بالقانون، والابتعاد عن التسييس والمناطقية.
استعادة الدولة ومسار السياسة
من الناحية السياسية، يشكل توحيد القوات مدخلًا لا غنى عنه لأي استقرار حقيقي أو مسار سياسي قابل للحياة، ذلك أن التجارب تؤكد أن أي عملية سياسية تفشل إذا لم تُبنَ على أرضية أمنية موحدة وخاضعة لسلطة الدولة، ومن هنا، فإن القرار لا يقتصر على كونه إجراءً أمنيًا، بل هو في جوهره خطوة سياسية تهدف إلى إعادة السياسة إلى أدواتها الطبيعية: الحوار، والتوافق، والمؤسسات، بدل الاحتكام إلى القوة والسلاح.
وفي هذا السياق، جاء موقف القوى السياسية الداعمة لمنطق الدولة واضحًا، إذ أكد الناطق الرسمي باسم حزب التجمع اليمني للإصلاح عدنان العديني تأييد الحزب الكامل لقرار إعادة تنظيم القوات، باعتباره خطوة ضرورية وإيجابية في مسار استعادة الدولة وترسيخ سيادتها.
وشدد متحدث الإصلاح إلى أن إخضاع السلاح لسلطة الدولة وإنهاء فوضى تعددية الجيوش والولاءات المتناقضة هو المدخل الحقيقي لبسط نفوذ القانون وحماية المواطن وبناء مؤسسة عسكرية وطنية بعقيدة واحدة، تعمل لخدمة اليمن لا لخدمة مشاريع ضيقة.
وفي المقابل، أن أي قوى أو أطراف تعرقل هذا المسار أو ترفض الانخراط فيه تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن استمرار حالة التفكك والفوضى، فبعد التجارب المريرة، لم يعد مقبولًا الجمع بين الادعاء بتمثيل الناس ورفع شعارات الدولة، وفي الوقت ذاته الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح خارج إطارها.
هذا التناقض -الذي أشار إليه متحدث الإصلاح- كان أحد أبرز أسباب انهيار الثقة بالشرعية المتمثلة بالرئاسة والحكومة، وجعل كثيرًا من اليمنيين ينظرون بعين الشك إلى المشاريع التي ترفع شعارات كبرى، لكنها ترفض الخضوع لمنطق الدولة.
ويرى كثير من المراقبين أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لفرض سيادة الدولة على السلاح، وبناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية، وهي فرصة لا ينبغي التفريط بها مهما كانت التحديات، لأنها قد تكون الأخيرة بناء على المعطيات الحالية، وإلا ستدخل البلاد في مرحلة جديدة من الفوضى.