هناك من الساسة من لا يكون معنياً بالاتفاق مع الآخرين إلاّ وفقاً لشروطه وهم نوعان: الأول يتجاسر ويدخل في حوارات, وهو يعرف سلفاً استحالة قبول الآخر ومع ذلك يناور ويكابر دون كَلل لتحقيق أهدافٍ, يُوحي بأنها تلبي الشروط, متعمداً إيقاع الأخر في مطب مزدوج: أمل في الوعود الخسرانة وحسن النية, وإذا تمكن من تمرير إتفاق فأنه يكون قد صنع الفرق الذي يتحول إلى كارثة, يصعب على الأخر أن يجد منه فكاكا. أما الثاني فأنه يتمسك بشروطه المعلنة ولو على خراب مالطة (حبتي وإلاّ الديك) كما يقول المثل, وإن حاصره الزمن والموضوع أو الرفاق لإبداء مرونة, فإن تعليلاته تكون مجرد تبريراً للهروب إلى شروطه, والنموذجان لهذين النقيضين هما صالح والبيض على التوالي. كجنوبيين ابتلينا بالحقبة الزمنية التي جمعت هاتين الشخصيتين في قيادتي شطري اليمن, فبمكر وخداع صالح وسوء تقدير البيض, تم تدمير أمل الوحدة اليمنية ومن ثم سلخ الجنوب بسكين مثلومة, ونهب مقدراته بشراهة وهمجية منقطعتا النظير وسوء الطالع يضعنا اليوم على عتبة مرحلة جديدة من سوء ذات التقدير, الذي بدأ في نفق (جولد مور) وانتهى في سلطنة عمان. فما ان تهيأت الظروف في حدها الأدنى للحراك السلمي الجنوبي للملمة الصفوف, خروجاً من أتون المكر والخداع, حتى تفجر الخلاف على الموعد, بداءً حول الرمزية المواءمة بين الحاضر والماضي إلى الحد الذي جعل الماضي عبئاً زمنياً على الحاضر .. وحتى يكون مبرر المقاطعة بوجاهة عدم حضور البعض من الشخصيات الجنوبية الوازنة كان لا بد من استدعاء الدستور أولا, والدور الفاعل للشباب, ومشاركة المرأة ولا بأس من ديباجة فضفاضة عن الظروف الموضوعية غير المواتية.
ويتضح من متن المبرر لمقاطعة الرئيس البيض لإعمال المؤتمر الجنوبي الأول: ان تقدير ظروف الأمس لا تختلف عنه اليوم, مع قلب وجه المجن, فإصرار الأمس على طي الزمن وصولاً إلى الوحدة العام 90, هو ذات إصرار اليوم على مد الزمن, فإما لأن الرجل لم يحزم أمره بشكل نهائي, او إن هناك من المستجدات ما لم تكتمل عناصره ولا تستوجبه الإفصاح خلال المؤتمر. وتحديداً في موضوع العلاقة مع إيران الذي يتناوله الجميع عدى الرئيس البيض, التجنب هنا هو قرينة الوجود الوحيدة وكان المؤتمر فرصه ذهبية لإنصاف منطق الشفافية وإجلاء حقيقة الموضوع, والخروج إزاءه بموقف جنوبي واضح تبنياً أو رفضاً إن كانت مفاعيله تتجاوز مصلحة الفرد وتدخل في صميم مصالح الشعب في الجنوب, أما التهرب فقد أثمر انطباع عام داخلي وخارجي البَّس الحراك الجنوبي عِمَّة الملالي, وجعله في مرمى الإعلام, في زمن يتفوق فيه الدعم الإعلامي على الدعم المالي تأثيراً. هذه الربكة في التقدير, تأتي كون العمل ما زال فردياً ولم يرتق إلى مرحلة المؤسسية, مما أتاح الفرصة للتعلل بما يليق وما لا يليق الإفصاح عنه, وما يزيد الأمور إرتباكاً وقلقاً: أن التجارب لا تشجع على الإنقياد الأعمى, صحيح إن العطشان لا يسأل عن لون اليد التي تمدُ له كأس الماء إلاّ أن الأصح, ألاّ يكون الضما مبرراً لشرب الماء إن بدا ملوثا ولو بنسبة ضئيلة!. أما الغموض المعتِّم إن كان متعمداً فإنه دليل رغبة على فرض الوصاية, وإصرار على مصادرة رأي الآخرين, وفيه تكريساً للعبارة المخطوطة أسفل الصورة المرفوعة في بعض التظاهرات المسائية في عاصمة الجنوب عدن "انا معكم حتى أوصلكم عدن" (هوَّه إحنا فوق لوري يقوده فرد؟) دعونا من ال(انا) التي تتضخم بالنفاق, فالحق الوطني, قبل الحق الجنوبي او الثوري يحتم على الجميع رفع شعار: معآ حتى الوصول إلى الوطن. * خاص عدن الغد