مختار مقطري ----------------- في حي السيلة بالشيخ عثمان، يشتغل حميد في الحمالة، شاب وسيم وجهه حلو، له جسد قوي ومتناسق، صدره عريض وعضلات ذراعيه منتفخة وقوية، لا يرتدي القميص، لا في النهار ولا في الليل، فهو كثير الشغل، فيكتفي بالفانلة على فوطة متسخة بالاسمنت، ولا يمكن معرفة اللون الحقيقي للفانلة. يشتغل مع معظم المحلات التجارية التي تبيع مواد البناء، يحمل اكياس الاسمنت والمرابيع والابلكش، من السيارة النقل، الى مستودع المحل التجاري، يعاونه اربعة او خمسة عمال، يتغيرون دائما، لانهم لا يشتغلون نهارا وليلا مثله، كما ان اصحاب المحلات التجارية، يفضلونه على الحمالين الآخرين، فهو قوي ونشيط، ويشتغل بهمة كبيرة ووتيرة اعلى، دون شكوى من التعب او طلبا للراحة، ويحبونه لحبه للضحك والمزاح ونكاته الجنسية اليذيئة، وحبه للغناء وهو يشتغل. حميد يغني وهو يشتغل، وكأنه لا يشعر بالتعب والألم في ظهره وكتفيه، يغني اغاني القرية، واغاني ايوب طارش، فهو مولع بالاستماع لاغانيه، وكل الاغاني التي يهمهم بها عاطفية، لانه يحب وردة، الفتاة التي قرر، قبل عامين ، ان يتزوجها، فخطبها من ابيها، لكن المهر كثير، مليوني ريال، فكان عليه ان يضاعف جهده في الحمالة، وقد نجح فعلا ان بجمع المبلغ، وبعد اسبوع سيسافر حميد لقريته الواقعة بين إبوتعز ، ليدفع المهر، ويتزوج وردة. ووردة ابوها من إب وأمها من تعز، عمرها لا يزيد عن اثنتي عشرة عاما، رآها قبل المغيب، تغادر (الطين) وعلى رأسها (حزمة قصب)، وكأنه لم يرها من قبل، كم هي جميلة، كأنها وردة، عيناها لهما لون السماء، وخداها بلون التفاح، وفمها الصغير كخاتم سليمان، كأنه من عنب، ورغم (حزمة القصب) على رأسها، كانت تمشي بخطى واثقة. ابتسمت له فابتسم لها، ورأى في عينيها نظرة ذات مغزى، لكنه شعر ان قلبها يخفق مثل قلبه، فصار الكلام معها فعلا محرجا وذا شجون، ولم يكن كذلك امس، أيقن أنه الحب، فعاد مسرعا الى البيت. كان ابوه في خلوته يقرأ القرآن، فاقتحم عليه الخلوة، وجلس قبالته، سأله ابوه متعجبا وهو ينظر اليه من فوق زجاج نظارته الحجر: - خير..؟ وبلا مقدمات او تمهيد قال بصوت واثق: - قررت الزواج: ضحك ابوه ساخرا، وقال: - اشتغل اولا لتجمع المهر. اجاب بهدوء: -خطبة فقط، وباسافر الى عدن واشتغل. احس ابوه ان ولده عاشق، فسأله ابوه متلهفا: - بنت من؟ - وردة بنت علي حمود. - رجل طماع.. عطف ذراعه على صدره، متباهيا بقوة عضلاتها، وقال: -انظر يا ابي لهذي الذراع، حتى لو دككت جبال عدن دكا. - ورد ابوه باقتضاب: - سنزوره غدا. مرت دقيقتان وهما يجلسان امام علي حمود في الديوان، ثم عرض ابوه الموضوع بإيجاز، فأجاب علب حمود بغرور: - البنت قدها حق زواج، وانت عادك مش جاهز. لكن المفاوضات لم تطل، طلب علي حمود مليوني ريال مهرا، وطلب هو مهلة عامين، وتدخل ابوه بأن المهر كثير ، ورد علي حمود وهو يحرك كرة القات داخل فمه الكبير بإبهام يده اليمنى: - وكل شي قد غلا ومابوش مطر، ومهلة عامين كثير، ولو مارجعش البنت بتكون عانس. وعاد يحرك كرة القات الكبيرة، ثم قال وقد بدأ يضحك بهدوء؛ - بعد عامين انا في حل من وعدي لك. غادرا هو وابوه بيت علي حمود، وكان حميد قد بدأ يغني من وقتها. في هذا المساء، كان يشتغل بنشاط وانبساط، فلم يمر عام ونصف منذ مجيئه الى عدن، الا وكان قد جمع اكثر من مليوني ريال، وبعد اسبوع سيعود للبلاد ويتزوج، مشتاق جدا لوردة.. لكن زواجه منها اقترب ان يكون واقعا وحقيقة، اتصل بوالده واخبره انه راجع بعد اسبوع ليخبر علي حمود، ستفرح وردة، فهي تحبه وتتمنى هذا اليوم، ولاشك ان الجميع يستعد الآن للزواج. كان وهو وزملاؤه من الحمالين، قد افرغوا نصف حمولة اكياس الاسمنت، وحملوها الى المستودع، كان يغني اغنية ايوب طارش(ارجع لحولك..كم دعاك تسقيه)، وجاء دوره الآن، وقف امام سيارة النقل، واحنى ظهره العريض، فوضع حمالان اثنان كيس اسمنت فوق ظهره، سمع صوت انكسار عظم اسفل ظهره، وشعر كأن حوضه قد افتك من مكانه، وبعموده الفقري يلتوي، صاح من الم شديد، وفلتت ساقاه، وقبل ان يغيب عن الوعي، تراءى له وجه وردة الجميل امام عينيه يبتسم، انتبه ليجد نفسه ملقى على الارض، وهو يشعر بألم في حوضه، كأنه كل الالم في الدنيا. رقد في المستشفى شهرا، وغادرها متوكئا على عصا وعلى ذراع والده، ثم بعد ان ازالوا الجبس، عرف انه صار عاجزا عن الزواج وعن الغناء. اكتوبر 2018