مني العالم الأسبوع الماضي بخسارتين كبيرتين، إحداهما عالمية برحيل السياسي المناضل ورئيس جنوب إفريقيا سابقًا “نيلسون مانديلا”، عن عمر يناهز ال95. والأخرى عربيًّا برحيل الشاعر الشعبي المعارض المصري أحمد فؤاد نجم عن عمر يناهز ال84 . كل الذين تحدثوا عن مانديلا بعد وفاته كانوا يعبِّرون عنه بحب وإعجاب وفخر دون أن تطغى المشاعر الحزينة، وفي الغرب تقاس حياة الانسان بما قدمه وأحدثه من تأثير أكثر من شيء آخر. صحيح أن لعامل السن دورًا في شدة الحزن أو ضعفه إلا أن ذلك عامل ثانوي. في المقابل يبرز شعورنا العاطفي المبالغ فيه لدى فقد حبيب أو صديق أو رمز وطني في مجاله، وكثير ممن تحدث عن أحمد فؤاد نجم كان يبكي أثناء الحديث عنه، أو كان حزينًا بشدة. قرأت مقالاً جميلاً لمنظِّر الجماعات الإسلامية المصرية -ناجح إبراهيم- عن نيلسون مانديلا كتبه عام 2011 بعد الثورة على مبارك، ذكر فيه: (إن مانديلا عفا وتسامح عن كل من أساءوا إليه وإلى أعوانه في السجن.. وتسامى على آلامه، وكان متسامحًا معهم، ولم يستخدم سلطته كرئيس للدولة في البطش بهم، بل وحَّد بين السود والبيض، ليعيشوا سويًّا تحت عدله ورحمته. ثم رفض المكث في الحكم بعد فترة ولاية واحدة؛ ليعطي نموذجًا فذًّا للإيثار، وعدم الرغبة في السلطة، وإعطاء الفرصة للآخرين. ومنذ عدة أيام وجَّه الزعيم المتربع على قلوب الملايين مانديلا نداءً إلى الشعبين المصرى والتونسى.. يقول فيه: تذكروا نداء نبيكم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».. يا الله.. مانديلا يذكرنا بالنبى (صلى الله عليه وسلم)، ويذكرنا بتسامحه بعد النصر والغلبة. مانديلا يقول لنا: لا أريد أن أتدخل في شؤونكم، ولكنى أذكركم أن الانتقام سيهدم الدولة بعد الثورة، ويقول لنا: أذكركم بكلمة نبيكم الكريم «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ويقول لنا: «إن الانتقام يحرق الأوطان». ويقول لنا: “إننا لو عملنا بمبدأ الانتقام ممن أساءوا إلينا؛ لما توحدت وتقدمت واستقرت جنوب إفريقيا” إن بوادر الانتقام والانقسام والاستقطاب الحاد في المجتمع المصرى بدت الآن واضحة للعيان، وها هم شباب الثورة يتوزعون على مئات الائتلافات والتجمعات، وكلٌّ يخُوِّن الآخر، وكلٌّ في صراع مع الآخر، حتى إن المجتمع المصرى بعد الثورة يموج بالتخوين والرغبة فى إقصاء الآخر تمامًا..). الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم لا شك أن مانديلا أسطورة حقيقية في زمن انقرضت فيه الأساطير، وإذا كانت العرب تقول: إن المستحيلات ثلاثة، هي: الغول والعنقاء والخل الوفي، فإنها أربعة بعد رحيل مانديلا؛ فهو شخص لا يتكرر .
بالمقابل كان أحمد فؤاد نجم -المعارض الدائم لكل الحكومات المصرية- ظريفًا على المستوى الشخصي، وانعكس ذلك على شعره الشعبي، وفي إحدى قصائده اللاذعة هجا الفنانة الكبيرة الراحلة أم كلثوم؛ بسبب كلبها، وأسماه الشاعر بفوكس، حيث وصف أحد الغلابة العاطلين عن العمل بأنه يتجول بالشارع الذي تقيم أم كلثوم بمنزل به، وهاجمه كلبها ونهشه وكاد أن يقتله لولا تدخل المارة. نجم وظَّف القصيدة ساخرًا من الوضع المأساوي لإسماعيل وهو الضحية مقارنة بالكلب الذي يقوم ستة على خدمته. ورغمًا عن أنه غادر دنيانا وهو في الثمانينات إلا أنه غادرها دون أن يريق كرامته أو سمعته بحثًا عن غنى أو صيت زائل، مع أن بإمكانه ذلك؛ فكثير كانوا مستعدين لتدجينه بالترغيب أو بالترهيب. إن سجنه في عهد الرئيس جمال عبدالناصر مرتين، -إحداهما لمدة ثلاث سنوات مع الشيخ الكفيف إمام عيسى الذي كان يشدو ويصدح بقصائد نجم (رغمًا عن حبه الشخصي وتأييده لعبد الناصر ورثائه له بعد مماته)، ثم سجنه في عهد الرئيس أنور السادات مع رفيق دربه إمام- لم يثنيه عن الاستمرار في خطه المعارض الصريح، وبقي نصيرًا للطبقة الكادحة في عهد الرئيس حسني مبارك، وهاجم الفساد في عهده، وكتب قصيدة: نجم عريس الدولة.. عندما انتشرت إشاعات قوية عن نية حسني مبارك توريث السلطة لابنه جمال. الطريف أنه بعد الثورة على مبارك قال في مقابلة تلفزيونية: (أنا حالف ما أموت قبل ما مبارك يرحل). ورحل مبارك ولكنه صدم بفترة محمد مرسي، وأعاد قسمه مرة أخرى بأنه لن يموت قبل أن يرحل مرسي، وتحقق مراده. *من أحمد الحناكي