على مر التاريخ كانت طريقة فرق تسد هي العصا السحرية التي يستخدمها الاستعمار مع الشعوب المستعمرة وذلك لإضعاف مقاومتها وكسر شوكة أبطالها فكان يضرب أبناء القطر الواحد ببعضهم البعض ويضرب كل دولة بجارتها لتشغل عن مقارعته في تصفية حسابات المستفيد الوحيد منها هو الاحتلال. ويبدو أن حكام العرب قد أحسنوا استخدام هذه الوصفة في علاقتهم بشعوبهم بعد أن ثبت نجاحها مع أساتذتهم وسادتهم من المحتلين فاخذ كل حاكم يزرع العداوات بين أفراد الوطن الواحد فتارة ينفخ في نيران الثارات وتارة يمد هؤلاء بما يستقوون به على من غضب عليه النظام.. وفي كل وقت يشعل المناكفات ويذكي روح الاختلاف العرقي والجهوي.. ليتفرغ هو بالبطش بأصحاب العقل والفكر الذين لا يزالون يقفون له بالمرصاد وليجد هو الراحة ليغرف من خيرات الوطن وثرواته ليضعها في حسابه الخاص ليتقوى سلطانه ويستطيع شراء المزيد من الذمم ويفرض هيمنته.
ونجحت الأنظمة وقادتها إلى حد كبير في إشغال الناس ببعضها البعض وظل الزعيم يقف متفرجا، لابسا زي الناصح تارة.. وأخرى يرتدي رداء المصلح وأخرى يلبس وجهه قناع الحزن والأسف على ما يحدث. وقد تعذر الشعوب في الماضي حين يناصب الأخ أخاه العداء ويظل في صراع معه.. ليخدموا بذلك عدوهم الأكبر ويقدمون خدمة كبرى للحاكم الجائر، وعذرنا لهم من الجهل المتعمد والتضليل الذي كان محيطا بهم، كون الحاكم هو الجهة الوحيدة للمعلومة على طريقة "ما أريكم إلا ما أرى".
لكن الآن ومع اتساع أفق العلم.. وسهولة الحصول على المعلومة وتعدد مصادرها.. لا عذر للشعوب أن تظل في عداء وحروب مع بعضها. نعم هناك اختلافات رأي.. وتباين مصالح.. وتعدد رؤى سياسية وسيادية لكنها يجب ألا تدمر العلاقات الأقوى سواء أخوة الدين أو الاشتراك والتجاور في الأرض فما يجمع الشعوب من مقومات واحتياجات أكثر واكبر من مسوغات الخلافات ومناصبة العداء.
فإن فرقتنا السياسة والمصالح يجب أن نغلب عليها منطق (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية).. وليعلم الجميع أن إهدار الوقت وتشتيت الجهد في عداوات وحروب سواء حرب السيف أو حرب الكلمات بين أفراد الشعوب ما هو إلا استنزاف للطاقات وإهدار لقوة كان يجب أن نعمر بها الأرض ونبني بها الأوطان. ولنختلف فيما نراه وما نؤمن به، وشئنا أم أبينا سنشترك مع بعض في كثير من الأمور منها الدين والحدود المشتركة.. أليس خيرا للجار أن يأمن غدر جاره؟!.. أليس من مقتضيات الجوار أن يحمي أحدهما ظهر الآخر؟!. إذن من المستفيد من العداء المستميت بين الشعوب سوى أصحاب مشروع استعماري أو حاكم يريد ابتلاع الأخضر واليابس ولم يكتف بل هل من مزيد!.
فلذا لابد من تحكيم العقل والمنطق والنظر للأمور بعين ثاقبة كعين زرقاء اليمامة وإدراك وحس يدرك ما وراء الأكمة ما يجعلنا نتجنب العديد من المخاطر والمنزلقات. والله أسأل التوفيق والسداد والنصر المبين!.