عاش ولازال يعيش أبناء محافظة حجة مشاعر البؤس والحرمان والقهر منذ أن سيطرت ميليشيات التمرد علي زمام الأمر فيها، حتى أيام العيد التي تتبدد فيها الأحزان حولتها لبؤس عام في شتى مجالات الحياة.. مرت أيام عيد الفطر المبارك هذا العام على سكان المحافظة مليئة بالمآسي، مثقلة بالهموم، بعيدة عن الفرحة.. غيبت الميليشيات عنهم أي معنى للسعادة والسرور، حيث الجوع والفقر ينهش أرجائها، والأوبئة والأمراض تفتك بسكانها، ومئات الأسر مقهورة على فلذات أكبادها المختطفين خلف قضبان سجون الظلم والظلام.. "أخبار اليوم" طافت في أرجاء المحافظة لتنقل صورة مصغرة عن ألوان العبث بكرامة الإنسان، وكيف عاش سكانها أيام العيد، والعبث بمقدرات وأمن واستقرار المواطن فيها من قبل عصابات الشر الانقلابية التي لا تأبه لمآلات أعمالها الهمجية.. وهي رسالة الصحيفة لمن يهمه الأمر بأن هناك أكثر من مليوني إنسان شمال غرب اليمن يعيشون القهر والحرمان، ينتظرون بلهفة مخرجا من واقعهم الأليم.. إلى التفاصيل.. فرحة باهتة يستبشر المسلمون في كل بقاع الأرض بالأعياد الدينية، ويستعدون لها أيما استعداد، كما أنهم يقضون فيها أياما مليئة بالأفراح والمسرات.. غير أن مواطني محافظة حجة غابت هذا العام بشكل غير مسبوق معاني البهجة، فقد مر عيد الفطر عليهم كغيره من أيام السنة، بل أنه كان أكثر غصة ومرارة، تحولت فيه الفرحة إلى أحزان بفضل ممارسات الميليشيات الهمجية. عصابات الشر الانقلابية جعلت فرحة المواطن بالعيد (باهتة) إن لم تكن قد غيبتها تماما، فالفقر المتزايد بين أبنائها بعد انقطاع المرتبات وإيقاف الضمان الاجتماعي وتشريد مئات الآلاف.. والقائمة تطول في سرد منجزات المتمردين على مختلف الأصعدة، كل ذلك أثقل كاهل المواطن بالهموم، فلم يعد قادرا على توفير متطلبات العيش الأساسية حتى يفكر في شراء (جعالة العيد) أو ملابس لأطفاله أو يقوم بزيارات الأرحام والأقارب والجيران. فقد اضطر جمهور كبير من المواطنين للانكفاء على أنفسهم داخل منازلهم، خوفا من أن يدرك أحدهم ما آلت إليه أوضاعهم المادية وحفاظا على كرامتهم من السخرية أو الإحراجات التي قد يتعرض لها من المجتمع، ليصبح حبيس منزله، بعد أن غادرتهم الفرحة.. الكوليرا تجلب الأحزان ذكرت منظمة الصحة العالمية في آخر تقاريرها بأن محافظة حجة أكثر من تضرر بوباء الكوليرا الذي اجتاح اليمن منذ ما يقرب من العام.. وتابعت "أخبار اليوم" خلال الفترة الماضية ما خلفته هذه الجائحة من وفيات وإصابات تتزايد كل يوم. الكوليرا.. صديق الميليشيات، ومن أبرز ما أنتجته أياديها الخبيثة بفعل سياسات الفقر والحرمان، لم تترك أبناء حجة خلال أيام عيد الفطر المبارك، ولو باسم إجازة- إن جاز التعبير- حيث واصلت فتكها بالعشرات من المواطنين وأصابت الآلاف في أيام معدودة، جعلت المواطن يعيش في كابوس مرعب. فقد سجلت مصادر طبية في مديريات كشر والشاهل والمحابشة وافلح اليمن والشغادرة وبني العوام وفاة أكثر من 30 حالة خلال يومي العيد الأولى، من بين مئات الإصابات فيها. وبحسب تلك المصادر فقد توالت حالات الوفاة وانتشر الوباء كالنار في الهشيم بمختلف المديريات طيلة أيام الأسبوع الماضي، وسط تدخلات لا تكاد تذكر، وتساؤلات الأهالي: أين يذهب دعم الصحة العالمية والأشقاء في الخليج لمرضى الكوليرا؟، ولسان حالهم يقول لسلطات الأمر الواقع والمجتمع الدولي "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا". أسر تنتظر أبنائها المختطفين تعيش مئات الأسر في حجة في حالة من البؤس تنتظر عودة أكثر من ألف مختطف يقبعون خلف قضبان سجون التمرد التي غيبتهم في غياهب الظلم، فغابت بذلك فرحة أسرهم بأي مناسبة ومنها الأعياد الدينية، فعيدهم الحقيقي عندما يعود إليهم أبنائهم وأرباب أسرهم. عيديات تغيبها الميليشيات كانت مختلف مناطق المحافظة قبل الانقلاب المشؤوم تشهد عددا من الفعاليات المجتمعية الفرائحية في الأعياد، مثل ما يسمى بالعيديات التي يجتمع فيها الشباب لتبادل التهاني وتلاقح الأفكار وغيرها.. إلا أن تلك المناسبات غيبتها الميليشيات بأعمالها الهمجية، لدرجة أن المواطنين الذين يحملون الصحوة يخشون من إقامة مثل هذه الفعاليات، توجسا من الميليشيات التي ترى أنه لابد من أخذ الآن منها كي يعبر الناس عن فرحتهم. كما أن مضاعفة هموم المواطنين عبر سياسات الإفقار والتجويع حصرت تفكير وهم المجتمع في القضايا الأساسية للحياة، ولم تعد لديه أي اهتمامات أخرى، كنتيجة طبيعة لما آلت إليه أوضاعهم العامة.. فوضى اقتصادية وأسواق راكدة تعيش الحياة الاقتصادية للمجتمع في حالة من الفوضى، نتيجة تغييب دور الرقابة علي السلع من حيث الأسعار الجنونية وغير الموحدة، إلى جانب أن السلع لا يعرف المواطن مدى جودتها وصلاحية استهدافها من عدمه. في الوقت الذي تجد فيه قيادات الميليشيات لا هم لها سوى جمع اكبر قدر ممكن من الأموال بمسميات عديدة لتمويل حروبهم العبثية، عن طريق فرضها على التجار والذين لدورهم يضيفونها على أسعار سلعهم ويدفع ثمن ذلك المواطن المغلوب علي أمره. بصيص أمل مجتمعي ومع قتامة هذا المشهد المخيم على أبناء حجة خصوصا واليمنيين عموما، إلا أن هناك بصيص أمل في إحياء معاني التكافل الاجتماعي بين المواطنين في بعض المناطق، رغم الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها. ومن هذه الفعاليات ما شهدته منطقة (القد) بمديرية المحابشة وسط المحافظة نهاية رمضان ويوم العيد من فعاليات مجتمعية، خصصت لصالح نازحين وأيتام وفقراء، حيث تم توزيع كسوة العيد ل160 مستفيد.. كما أقام أبناء المنطقة مائدة إفطار جماعية للنازحين صبيحة يوم العيد، كان للفعاليتين أثرهما البالغ في نفوس المستهدفين، وإعادة الأمل للمجتمع في إحياء معاني الرحمة والتعاطف فيما بينهم. آلام وآمال ووسط هذه الآلام الممزوجة بكل جزئيات الحياة العامة للمواطنين، ومنغصات حياتهم المعيشية من فقر وجوع ومرض وتشرد وخوف، يأمل الأهالي أن تنقشع الغمة وتنتهي الأزمات المتلاحقة، ولا يفترون عن مد أياديهم إلى الله رب العالمين بأن يعجل بالفرج من عنده، بعد أن خابت آمالهم في النخب السياسية اليمنية التي عجزت عن إخراجهم من أتون هذه الحرب والوصول إلى بر الأمان. كما أن موجات الغضب من سياسات ميليشيات الانقلاب المسيطرة على المحافظة تتزايد يوما بعد آخر، بالمقابل توسعت حالة اليأس من حكومة الشرعية التي لم تلتفت إلى معاناة أبناء المحافظات القابعة تحت سيطرة المتمردين، خاصة بين موظفي الدولة الذين كانوا يأملون صرف مرتباتهم من لديها علي اعتبار أنهم حكومة الشعب قاطبة لا لمحافظات محدودة والتي خيبت آمالهم فيها. وبحسب مراقبون محليون فإن خطوة صرف المرتبات من حكومة بن دغر لموظفي الدولة بالمحافظة كانت ستسحب البساط من تحت الميليشيات وتسهل مهمة إسقاط الانقلاب ومعالجة كثير من معاناة السكان.. معتبرين تبريرات الشرعية بهذا الشأن بأنها غير موفقة، إلا أن الأمل لازال يحدو أبناء حجة في إنقاذهم من أوضاعهم السيئة..