انحنى الرئيس عبدربه منصور هادي أمام جماعة الحوثيين التي مضى مسلحوها في الزحف على حكمه فشرع في مقاسمتهم السلطة. فقد عين الرئيس محافظين لسبع محافظات, اثنان منهم على الأقل من اختيار الحوثيين. والمحافظون الجدد الذين صدر بهم قرار رئاسي يوم الثلاثاء هم عبدالعزيز بن حبتور محافظاً لعدن وعادل محمد باحميد لحضرموت ومحمد علي ياسر للمهرة وحسين العجي العواضي للجوف ومحمد جابر الرازحي لصعدة وحمود عباد لذمار وحسن أحمد الهيج للحديدة. والمحافظان الأخيران نصبهما الحوثيون بعدما أزاحوا محافظ الحديدة السابق صخر الوجيه وفرضوا الهيج القيادي في المؤتمر الشعبي بديلاً له, وكذلك نصبوا الرازحي بديلاً لتاجر السلاح المعروف فارس مناع الذي كانوا فرضوه محافظاً لصعدة خلال اشهر الثورة السلمية عام 2011. وتبدو أسماء المحافظين الجدد قسمة توفيقية بين هادي والحوثيين. والثلاثاء, عين الرئيس خالد حسين اليماني مندوباً لليمن في الأممالمتحدة ووزير الدفاع السابق محمد ناصر أحمد إضافة إلى محافظ حضرموت السابق خالد سعيد الديني والقيادي المؤتمري في عدن عبدالكريم شائف سفراء في وزارة الخارجية. كذلك, عين هادي رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية للتبغ نبيل حسن الفقيه رئيساً للهيئة العامة والأرصاد خلفاً لحامد أحمد فرج الذي قضى أكثر من عقد رئيساً للهيئة. في السياق, أسند وزير النفط إدارة شركة صافر النفطية إلى أمين زبارة الموالي لجماعة الحوثيين خلفاً للمدير السابق أحمد كليب الذي أزاحه الحوثيون بعدما اقتحموا مقر الشركة في العاصمة الأسبوع الماضي. وصافر هي الشركة الوطنية الأولى في تموين السوق المحلية بالغاز المنزلي والمحروقات. الأحد الماضي, كان عشرات من مسلحي الجماعة اقتحموا مستشفى ذمار الحكومي واقصوا نائب رئيس هيئة المستشفى ليعينوا خلفاً له يدعى جمال الشامي وهو أحد أعضاء الجماعة. وانخفضت حدة التوتر الذي كان مخيماً على العاصمة صنعاء خلال الأسبوع الماضي حين انتشر المسلحون الحوثيون في محيط وزارة الدفاع وفرضوا رقابة على الحركة إليها بعدما رفض وزير الدفاع انتشار المسلحين داخل مقر الوزارة بدعوى مكافحة الفساد. لكن تفاهمات بين قيادة الوزارة والجماعة خفضت مستوى التوتر وطبعت الموقف تدريجياً, كما عكست الموقف الكلي بين جهاز الدولة برئاسة هادي وأنصار الله الذين بدا أنهم روضوا الموقف الرئاسي وأخذوا يقتسمون السلطة مقابل الإبقاء على مركز الرئيس بسلطات محدودة. وجاءت هذه الانفراجة الجزئية بين الرئاسة والحوثيين بعد أيام قليلة, تداعت خلالها العلاقة بين الطرفين إلى نقطة اللاعودة بعد أن بدأ مقاتلو الجماعة في تنفيذ وعيد أطلقه زعيمهم عبدالملك بدر الدين الحوثي بانتزاع حق جماعته بالمشاركة في الحكم. في ظل هذا الاهتزاز السياسي وطغيان حالة اللايقين, ازداد الوضع الأمني سوءاً وعمت حوادث الاغتيال والهجمات الإرهابية محافظات البلاد. فقد أفاقت العاصمة صباح الثلاثاء على دوي خمسة انفجارات هزت المدينة القديمة وأمكن سماعها إلى أنحاء بعيدة في العاصمة التي سيطر عليها المقاتلون الحوثيون يوم 21 سبتمبر الماضي وتولوا إدارة الأمن فيها. ووقعت التفجيرات الناجمة عن عبوات ناسفة في أحياء بستان السلطان وقبة المهدي وسوق عنقاد وقرب سوق لبيع الذهب في التحرير. وتمكن شاب ينشط في الجماعة الحوثية من تفكيك ثلاث عبوات أخرى قبل أن تنفجر عبوة رابعة وتقتله خلال محاولته تفكيكها, فيما أصيب أشخاص وتضررت واجهات مباني وسيارات جراء الانفجارات الستة. وبين العبوات التي جرى إبطال مفعولها واحدة كانت مزروعة أمام سور مدرسة للفتيات, وأخرى زُرعت جوار منزل الأستاذ في جامعة صنعاء إسماعيل الوزير الذي سبق أن أصيب في محاولة لاغتياله بالرصاص في وقت سابق من هذا العام. يحمل هذا النوع من التفجيرات سمات الهجمات التي يشنها تنظيم القاعدة في أنحاء البلاد وضاعف عددها منذ سيطرة مقاتلي أنصار الله الحوثيين على العاصمة وعواصم محافظات رئيسة. ومع مرور الوقت, يتضح الطابع الطائفي أكثر للقتال بين المقاتلين الحوثيين ومقاتلي القاعدة الذين وجدوا ذريعة وهدفاً واضحين بعدما سيطر خصومهم الأساسيون على المدن وباتوا يوجهون القرار السياسي والإدارة التنفيذية. والثلاثاء, اغتال مسلحان من تنظيم القاعدة في صنعاء شيخاً قبلياً شاباً زعم التنظيم أنه قيادي في «اللجان الشعبية» التي يدير بها الحوثيون الأمن في المدن التي يسيطرون عليها. وقال تقرير للتنظيم الإرهابي إن اثنين من مقاتليه رصدا تحركات الشيخ فيصل الشريف قبل أن يطلقا عليه النار ويردياه قتيلاً في حي بالقرب من جامعة صنعاء. كان مسلحو «القاعدة» قد قتلوا يوم الأحد رئيس قسم تحريات البحث الجنائي في محافظة إب العقيد علي حمود الحكمي. وأوضح التنظيم في تقرير نشره على حساب يستخدمه في موقع تويتر أن مسلحيه أطلقوا النار على العقيد علي الحكمي حين كان يستقل سيارته في شارع كلية الهندسة وأردوه قتيلاً. والحكمي هو أرفع مسؤول أمني يلقى حتفه برصاص التنظيم المصنف في صدارة المنظمات الإرهابية في العالم منذ بدأ هجماته في محافظة إب. إضافة إلى ذلك, واصل مقاتلو القاعدة في إب ورداع شن هجمات مختلفة على مواقع أنصار الله, وادعى التنظيم أنه قتل عشرات المسلحين الحوثيين في المدينتين بتفجير عبوات ناسفة وإطلاق رصاص وقذائف صاروخية. وفي الحديدة, نفذ انتحاريان يقودان سيارتين ملغومتين هجوماً بسيارتيهما على منزل يتخذه مسلحون حوثيون مقراً لهم وكان مملوكاً للواء علي محسن الأحمر. وكان التنظيم هاجم شركة الغاز الطبيعي المسال في بلحاف بشبوة بصاروخين من نوع كاتيوشا نهاية الأسبوع الماضي, كما فجر عبوة ناسفة في سيارة لقوات الجيش مما أدى إلى مقتل جندي وإصابة أربعة. في موازاة ضراوة الهجمات الإرهابية, تراجع الدور الرسمي على نحو ملحوظ في مواجهة الإرهاب نتيجة الهشاشة التي انتهت إليها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وفقدان المبادرة في المعركة مع الإرهاب. من جهة أخرى, أخلى المسلحون الحوثيون مقر المنطقة العسكرية السادسة الذي كان مقراً للفرقة المدرعة الأولى بعد ثلاثة أشهر من السيطرة عليه إثر مواجهات مع قوات محدودة في الجيش قادها اللواء علي محسن الأحمر قبل أن يتغلب عليه المسلحون القادمون من صعدة وعمران ويفر إلى المملكة العربية السعودية. لكن الحوثيين لم يخلوا المقر العسكري الذي سيتحول إلى حديقة عامة إلا بعدما سلبوا كل ما فيه من الأثاث والتجهيزات التي كانت في مبانيه بما فيها النوافذ والأبواب. وظل مصير الحديقة الموعودة معلقاً برغبات الجهات المسيطرة على مساحة الأرض الشاسعة التي كانت تابعة للفرقة المدرعة منذ صدر قرار رئاسي مطلع 2013 بتحويلها على حديقة عامة باسم 21 مارس 2011 وهو اليوم الذي أعلن فيه قائد الفرقة حينذاك علي محسن الانشقاق عن نظام علي عبدالله صالح وإعلان ولائه للثورة الشعبية. لكن محسن اتخذ المقر ورقة للمساومة وماطل في تسليمه حتى سيطرة الحوثيين عليه. من جهتهم, اشترط الحوثيون تسمية الحديقة المقرر إنشاؤها بحديقة 21 سبتمبر وهو اليوم الذي سيطر فيه مقاتلوهم على العاصمة صنعاء. جاء قرار الحوثيين بإخلاء المقر عقب تظاهرة نظمها نشطاء للمطالبة بتسليم الموقع المخصص للحديقة إلى الحكومة, لكن التظاهرة قوبلت بقمع من مسلحي الجماعة الذين أطلقوا النار في الهواء واحتجزوا ناشطاً, اتضح لاحقاً أنهم عذبوه. وكشفت أسرة الناشط شادي محسن خصروف أن ابنها تعرض لضرب مبرح وعض بأسنان محتجزيه خلال ساعات احتجازه يوم السبت. وكتب محسن خصروف في حسابه على موقع فيسبوك «أنصار الله ضربوا أبني شادي، الناشط السياسي المسالم غير المسلح ضرباً مبرحاً، مارسوا أشكالاً مختلفة من العنف، أصابوا فقرات رقبته، عينه، أذنه، سواعده، ثم لم يكتفِ المعذبون بذلك فكانوا يعضونه بأسنانهم وكانوا يضربونه بسيخ حديد مستهدفين رأسه فكان يصدها بيده، علامات الضرب واضحة، هل في هذا شيء من الوطنية أو الإنسانية أو الدين". وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتنديد النشطاء والإعلاميين بالواقعة خصوصاً بعدما نُشرت صور لكتف شادي وساعده الأيمن وبدت عليهما آثار العض واضحة ودامية. في هذا الإطار, أفاد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنه أحصى 4531 انتهاكاً للحوثيين وقوات الجيش منذ بدء القتال في صنعاء يوم 16 سبتمبر الماضي حتى العاشر من أكتوبر. وطبقاً لتقرير «الأورومتوسطي» سقط نحو 733 قتيلاً منذ بدء القتال بينهم 652 قُتلوا خلال أسبوع فقط من القتال بين المسلحين الحوثيين وقوات الجيش التي كان يقودها علي محسن صالح ووصل عدد المصابين إلى قرابة 930. وقال التقرير إن القتال حاصر سكاناً في منازلهم ولم يظهر أي من الطرفين الاستعداد للمساعدة في إخلاء المدنيين إلى أماكن آمنة. وأحصى التقرير أكثر من 100 حالة خطف طالت حقوقيين وإعلاميين, أبدوا آراء مناهضة لسيطرة الجماعة الحوثية على صنعاء, كما قدم الأهالي 215 شكوى بشأن اختفاء أبنائهم. وقال «الأورومتوسطي» في تقريره الذي نشره هذا الأسبوع إنه وثق أكثر من 50 حالة اعتداء بحق المؤسسات والممتلكات العامة التي ما يزال مسلحو جماعة الحوثي يسيطرون عليها. وأضاف أنه رصد 66 حالة انتهاك بحق الإعلام المحلي والدولي و 22 انتهاكاً ضد المنظمات المدنية وتلقى شكاوى من 37 صحفياً تعرضوا للاعتداء الجسدي, إضافة إلى 439 انتهاكاً لحقت بمنازل ومنشآت خاصة, مشيراً إلى اقتحام الحوثيين 33 مقراً حزبياً في العاصمة منها 33 لحزب الإصلاح وواحد للاشتراكي. كما اعتقلت السلطات أشخاصاً بسبب خلفياتهم السياسية وتعرضوا للتعذيب داخل السجون وفقاً للتقرير الذي استدل بمقتل الناشط في الحراك الجنوبي خالد الجنيدي.