محافظة حجة تشهد وقفات حاشدة تأكيدًا على التمسك بالمشروع القرآني    ازمة الغاز تشل مدينة مأرب لليوم الخامس    وقفات حاشدة في مأرب تأكيداً على التمسك بالمشروع القرآني والبراءة من الأعداء    اليويفا يُوقف بريستياني لاعب بنفيكا 3 مباريات    هيئة الآثار تنشر القائمة ال32 بالآثار اليمنية المنهوبة    الصحفيون في زمن المليشيا.. بين القمع والمنفى والتجويع    صنعاء ترفض اي تصنيف امريكي بحق الاصلاح    قطاع الصحة وجنايات الحوثيِّ عليه    في ذكرى تحرير المكلا.. الحالمي يشيد ببطولات النخبة الحضرمية ودور الدعم الإماراتي في دحر الإرهاب    الإمارات في ذكرى تحرير المكلا... شراكة الحسم وبناء نموذج الأمن المستدام    بعد مكاسب شهر.. الذهب والفضة يسجلان انخفاضاً ملحوظاً    لإيران القوة... وللعرب التنافر والتحليل    شرط واشنطن لمشاركة إيران في كأس العالم    مطار صنعاء الدولي.. ماذا اقترف العالم بحقنا في عقد من العزلة؟ Sana'a International Airport... What has the world done to us during a decade of isolation?    ضبط متهم بارتكاب جريمة قتل شخص وإصابة أخيه في إب    نفط برنت يرتفع 5 دولارات بعد تفعيل الدفاعات الجوية بطهران    صراع البقاء فوق أنقاض "الجمود الاستراتيجي"    مقتل 17 مهاجرا صوماليا إثر انقلاب قاربهم قبالة السواحل الجزائرية    تصنيف "الإصلاح" إرهابياً... هل يربك شرعية الحكومة أم يكشف عمق الاختراق؟    الجوف... سقوط الجغرافيا وانكشاف الإستراتيجية    الرئيس الزُبيدي يعزي محمد باتيس في وفاة شقيقته    4 أطعمة طبيعية تمنحك نوماً عميقاً وتكافح الأرق    مقترح أمريكي باستبدال إيران في بطولة كأس العالم المقبلة    تدشين مشاريع التمكين الاقتصادي لأسر الشهداء بمحافظة البيضاء    إصابة عضلية تبعد لامين يامال عن الملاعب حتى نهاية الموسم الجاري    الوزير الأشول: الانضمام لاتفاقية التحكيم خطوة لتحسين بيئة الأعمال    عدن.. المساحة الجيولوجية تحذر من استمرار تنفيذ طريق جبلي في يافع دون الاستعانة بالخبرات الجيولوجية    الأرصاد: استمرار هطول الأمطار الرعدية على مناطق واسعة من البلاد    الصحفي والناشط الثقافي والأدبي محمد الصهباني    ذكرى 4 مايو وأهمية تجديد التفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس الزبيدي    دعوة لحضور ندوة ثقافية تناقش واقع الكتاب وحقوق الملكية الفكرية    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإيقاف التعامل مع شركة صرافة    تدشين دمج قوات النخبة الحضرمية في الأجهزة الأمنية بوادي وصحراء حضرموت    الإعلان عن مواعيد انطلاق تصفيات ودوري الدرجة الثانية والثالثة وبطولتي الناشئين والشباب    خلال أسبوعين.. وفاة وإصابة 153 شخصا بحوادث مرورية بالمحافظات المحررة    انحياز يمليه فقه الضرورة    "مريم المنصوري.. حين تكتب المرأة الإماراتية تاريخها في ميادين القتال"    تعز.. عرس في جبل صبر يتحول إلى أعمال تخريب تحت يافطة العادات والتقاليد    الإعلان عن قائمة المنتخب الوطني للناشئين للمعسكر الخارجي في السعودية    الشرجبي: ماضون في تنفيذ سياسات تعزيز الإدارة المستدامة للمياه وحماية البيئة    لماذا تعاني بعض النساء من تقيؤ شديد أثناء الحمل؟ العلم يكشف "المتهم الرئيسي"    برشلونة يقرر وضع صورة مطربة أمريكية على القميص في " الكلاسيكو " ضد ريال مدريد    تحولات المجتمع بين الأمس واليوم: هل العيب في الزمان أم فينا؟    أزمة سيولة "صادمة" تكشف تمردًا داخل الشرعية.. من يعطّل البنك المركزي في عدن؟    تعز تشكل لجنة لمراجعة أسعار الكهرباء التجارية    علماء روس يطورون مستشعرا ورقيا يكشف السكري عبر هواء الزفير    تسجيل أكثر من 7 آلاف إصابة بالحصبة بينها 36 حالة وفاة منذ بداية العام    وفاة الفنانة الكويتية حياة الفهد    الإسلام .. ودعوات "صهر الأديان" وأجندات التذويب الثقافي    اتحاد كرة القدم يكشف عن معسكر خارجي في السعودية لمنتخب الناشئين استعدادا لنهائيات آسيا    سلطنة عمان تمنح جنسيتها لجيولوجي يمني وأسرته    في البدء كان الزجاج    ظاهرة الانتحار.. وقفة مع النفس والإيمان..! هل يملك المرءُ حقّ الرحيل؟    عودة فتح الدكاكين    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    الكتابةُ في زمنِ الضجيج.    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصحفيون في زمن المليشيا.. بين القمع والمنفى والتجويع
نشر في الصحوة نت يوم 24 - 04 - 2026

منذ لحظة اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، لم يكن الانقلاب الحوثي مجرد تحرك عسكري للسيطرة على مفاصل الدولة، بل كان إعلاناً صريحاً عن حرب شاملة استهدفت الوعي العام، وكان الصحفي هو العدو الأول في هذه المعركة، حيث تحولت اليمن التي كانت تعيش حراكاً ديمقراطياً واعداً بعد ثورة 2011، إلى ثقب أسود للمعلومات، حيث استبدلت المليشيا التعددية الإعلامية بصوت واحد، ولغة واحدة، ورواية قسرية لا تقبل القسمة على اثنين.
ولم يقتصر الانتهاك على إغلاق القنوات أو مصادرة الصحف، بل امتد ليشمل تصفية الجسد والروح، وتحويل حياة المئات من حراس الحقيقة إلى جحيم بين المعتقلات المظلمة والمنافي القسرية، وتحول القلم في صنعاء إلى جريمة تستوجب الإعدام، وتم تجريف المشهد الإعلامي اليمني بشكل ممنهج، ليصبح الصحفي اليمني اليوم بين خيارات أحلاها مر، إما الصمت المطبق، أو السجن والتعذيب، أو الشتات خلف الحدود.
سقوط منبر الدولة
وقد كانت ليلة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 نقطة تحول مأساوية في تاريخ الإعلام اليمني، حينما وجهت مليشيا الحوثي فوهات دباباتها نحو تلة التلفزيون في صنعاء، فلم يكن الهدف تدمير الحجر، بل إسكات "صوت الدولة" الرسمي، حيث حوصر مئات الموظفين والصحفيين داخل مبنى قناة "اليمن" الفضائية تحت قصف جنوني، في مشهد سريالي يوثق كيف تسقط الشرعية الإعلامية تحت وطأة السلاح، ليتم بعد السيطرة على المبنى عملية "تطهير" وظيفي واسعة، حيث تم طرد الكوادر المهنية واستبدالهم بمشرفين عقائديين لا يملكون من الصحافة سوى الولاء المطلق للمشروع الطائفي، وتحولت الشاشة التي كانت تمثل كل اليمنيين بشتى أطيافهم في فترة انتقالية سبقت الانقلاب، لتتحول إلى منبر للتعبئة الحربية وبث خطابات التحريض والكراهية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم استخدام أرشيف الدولة الإعلامي الذي يمثل ذاكرة الوطن للابتزاز والتشويه.
ولم تكن سيطرة الحوثيين على الإعلام الرسمي مجرد استحواذ على مبانٍ، بل كانت عملية "إعدام معنوي" لمؤسسات بنيت بجهد أجيال، لتتحول في ليلة وضحاها إلى أدوات لتزييف الوعي وبرمجة الرأي العام بما يخدم أجندة المليشيا، مما جعل العاصمة صنعاء تعيش حالة من العزلة الإعلامية التامة عن محيطها الوطني والدولي.
أحكام موت جائرة
وفي واحدة من أبشع فصول الانتهاكات ضد الصحافة في التاريخ الحديث، برزت قضية الصحفيين الأربعة (عبد الخالق عمران، أكرم الوليدي، حارث حميد، وتوفيق المنصوري) كواحدة من القصص الأكثر بشاعة في تاريخ الصحافة اليمنية. هؤلاء الذين قضوا ثماني سنوات خلف القضبان، لم تكن جريمتهم سوى ممارسة العمل الصحفي ونقل الحقيقة من قلب صنعاء، فقد خضع هؤلاء لمحاكمات هزلية تفتقر لأدنى معايير العدالة، حيث أصدرت محكمة تسيطر عليها المليشيا أحكاماً بالإعدام بتهمة "التخابر" وإعانة ما تصفه ب"العدوان"، فكانت هذه الأحكام سيفاً مسلطاً ليس فقط على رقاب هؤلاء الأربعة، بل على كل من يفكر في حمل القلم داخل مناطق سيطرة المليشيا.
ولا يكمن الجانب المأساوي للقصة فقط في طبيعة الحكم الجائر الذي أصدرته المليشيا، بل في تفاصيل "الموت البطيء" الذي عاشه هؤلاء الصحفيون، إذ تروي التقارير الحقوقية وشهادات الصحفيين بعد تحررهم في صفقة تبادل بين المليشيا والجانب الحكومي في شهر أبريل من العام 2023، كيف تعرضوا لصنوف من التعذيب الوحشي، منها الضرب بالكابلات الكهربائية، والحرمان من الضوء والماء، ومنع الزيارات العائلية لسنوات.
وفي نموذج واحد من نماذج التعذيب والانتهاكات بحق الصحفيين، تؤكد التقارير الحقوقية أن الصحفي توفيق المنصوري عانى من تدهور حاد في صحته كاد يودي بحياته داخل السجن، بينما كانت المليشيا ترفض نقله للمشفى دون مقابل تنازلات سياسية. وخلال فترة سجنه تُوفي والده منتصف 2020، ومُنعت أسرته من زيارته في أكثر من مناسبة، بحسب رواية شقيقه.
ويضيف: "في إحدى المرات، طالبنا الحوثيين بالسماح لنا بأن ندخل طعاما له ورفاقه في يوم العيد، وبعد توسل ورجاء من أمي قبلوا الأمر، وحين جاء العيد ووصلت أمي بالطعام إلى باب السجن، ألقوه على الأرض أمام عينيها".
وكان المنصوري أكثر الصحفيين تعرضا للتعذيب، وقال رفيقه الصحفي هشام طرموم الذي أُفرج عنه عام 2020: "شاهدت بعيني اليوم آثار الجرح على رأس زميلنا توفيق، وهذا كان نتيجة الضرب الذي تلقاه مباشرة من رئيس لجنة الأسرى الحوثي عبد القادر المرتضى".
ويضيف: "كانوا من قبل يعذبوننا وهم ملثمو الوجوه، أما مؤخرا كان الأمر إمعانا في الإذلال".
وبحسب ناشطين فإن استخدام الصحفيين كرهائن في صفقات التبادل العسكري يعكس مدى استرخاص المليشيا لحياة الإنسان، وإقحام الصحفيين في الحروب، وتحويل القضاء إلى أداة تصفية حسابات سياسية، إذ أصبح الصحفي في نظرهم ليس ناقلاً للخبر، بل "عدواً حربياً" يجب استئصاله أو مقايضته بالمقاتلين، مما أوجد حالة من الرعب الدائم في الوسط الصحفي اليمني.
وأد تعددية الآراء
وقد كانت صنعاء قبل العام 2014 تضج بعشرات الصحف الورقية والقنوات الفضائية والمواقع الإخبارية التي تمثل مختلف التيارات السياسية والمدنية، وبمجرد إتمام الانقلاب، شرعت مليشيا الحوثي في عملية "تجريف" شاملة لكل ما لا يتفق معها، فقد تم اقتحام مقار صحف "أخبار اليوم" و"المصدر" و"الصحوة" وغيرها، وصودرت مطابعها وأجهزتها، وتحولت مبانيها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لتجمعات المليشيا، ولم يكن الأمر مجرد إغلاق إداري، بل كان تدميراً كاملاً للبنية التحتية للإعلام المستقل والحزبي في اليمن، مما أدى إلى فقدان الآلاف من العاملين في هذا القطاع لمصادر دخلهم الوحيدة.
الصورة المأساوية في هذا الجانب الإنساني والأكثر إيلاماً هي تحول محرري الأخبار وكبار الكُتاب إلى باعة متجولين أو عمال بناء في شوارع صنعاء ليوفروا لقمة العيش لأطفالهم، وهناك قصص موثقة لصحفيين مرموقين شوهدوا وهم يبيعون في سوق الخضروات أو يعملون في مهن أخرى بعد أن نهبت المليشيا مؤسساتهم وأوقفت رواتبهم.
هذا "الإفقار المتعمد" كان سياسة ممنهجة لتركيع النخبة المثقفة وإجبارها على الصمت أو العمل لصالح الماكنة الإعلامية الحوثية. فقد نجحت المليشيا في تحويل الخارطة الإعلامية في صنعاء إلى صحراء قاحلة لا ينمو فيها سوى "صرختهم"، مما قتل روح المنافسة المهنية وألغى حق المواطن في الحصول على معلومات من مصادر متعددة، ليصبح الوعي الجمعي محاصراً داخل صندوق أسود مليء بالشائعات والفبركات والأكاذيب، تديره قيادات أمنية متطرفة ترفض الآخر جملة وتفصيلاً.
زنازين الموت البطيء
ولا يمكن الحديث عن انتهاكات الحوثي دون التطرق إلى ملف "الدروع البشرية"، وهي الجريمة التي هزت الضمير العالمي في مايو 2015، بعد أن قامت المليشيا باختطاف الصحفيين الشابين عبد الله قابل ويوسف العيزري، واحتجزتهما في موقع عسكري في "جبل هران" بذمار، رغم علمها أن الموقع مستهدف من قبل طيران التحالف، وكان الهدف من وضعهما هناك هو استخدام أجساد الصحفيين كحائط صد، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية، وبالفعل فقد وقعت الغارة واستشهد الصحفيان تحت الأنقاض، في مأساة توضح مدى دموية التعامل الحوثي مع الكوادر الإعلامية.
وفي داخل السجون وثق ناجون شهادات تقشعر لها الأبدان عن غرف التعذيب في قبو "الأمن القومي"، حيث يحكي الصحفيون عن "التعليق" لساعات كثيرة، والمنع من استخدام المرحاض، واستخدام الصعق بالكهرباء في مناطق حساسة من الجسد لانتزاع اعترافات وهمية، وهو ما أكده وزير الإعلام معمر الإرياني في تصريح له في وقت سابق أن "المعلومات تؤكد قيام مليشيا الحوثي بنقل الصحفيين الأربعة إلى زنازين انفرادية وتعريضهم للتعذيب بطرق وحشية من تعليق وضرب بالعصي الحديدية والأسلاك الكهربائية في مناطق حساسة".
خنق أثير الحرية
في اليمن تظل الإذاعات المحلية هي الوسيلة الأكثر تأثيراً وقرباً من المواطن البسيط، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، لهذا أدرك الحوثيون خطورة هذا "الأثير"، فشنوا حملة شعواء لإغلاق الإذاعات المجتمعية التي لا تروج لخطابهم الحربي.
ففي العام 2022 شهدت صنعاء حملة اقتحام طالت ست إذاعات، أبرزها إذاعة "صوت اليمن" وإذاعة "جراند إف إم". لم تكن هذه الإذاعات سياسية بالضرورة، بل كانت تقدم محتوى ترفيهياً وتوعوياً، غير أن مجرد استقلاليتها كان كافياً لتصنيفها كهدف مشروع للمصادرة والنهب.
القصة الأكثر تأثيراً هي قصة الصحفي "مجلي الصمدي"، مدير إذاعة "صوت اليمن"، والذي لم يكتفِ الحوثيون بإغلاق إذاعته ونهب معداتها فقط، بل تعرض للاعتداء الجسدي العنيف أمام منزله في صنعاء من قبل عصابة ملثمة تابعة للمليشيا، بسبب مطالبته المتكررة بفتح إذاعته وقضايا الرواتب.
وتعكس قصة الصمدي صمود الصحفي اليمني في وجه غطرسة القوة؛ فرغم الضرب والتهديد والملاحقة القضائية المستمرة ظل متمسكاً بحقه، مما كشف وجه القمع القبيح الذي لا يطيق حتى الكلمة العابرة في الراديو، فاستهداف الإذاعات هو محاولة لفرض "صمت مطبق" على الشارع اليمني، ومنع أي صوت يحاول ملامسة هموم الناس اليومية بعيداً عن الشعارات السياسية والعسكرية المكررة، مما حول الفضاء السمعي إلى بوق وحيد يكرر ذات الأهازيج الحربية (الزوامل) المصبوغة بالدم، والخطابات التعبوية المزعجة طوال ساعات اليوم.
استهداف صحفيات اليمن
المرأة الصحفية في اليمن هي الأخرى لم تنجُ من آلة القمع الحوثية، بل واجهت انتهاكات مركبة تستغل "العيب المجتمعي" للضغط عليها وتشويه سمعتها، فقد تعرضت عشرات الصحفيات للملاحقة والتهديد بالاختطاف، بل وتم اعتقال بعضهن في سجون سرية تديرها تشكيلات نسائية مسلحة تُعرف ب"الزينبيات".
هذه المليشيات النسائية تقوم بمداهمة منازل الصحفيات وتفتيش هواتفهن وابتزازهن بصورهن وعلاقاتهن العائلية، في سابقة لم يعرفها المجتمع اليمني المحافظ من قبل، مما أجبر كثيرا منهن على ترك المهنة نهائياً أو النزوح إلى مناطق أخرى.
ويؤكد الإرياني أن الإحصائيات التي وثقتها منظمات حقوقية متخصصة تفيد بأن عدد النساء المختطفات في معتقلات مليشيا الحوثي منذ الانقلاب بلغ نحو 1700 امرأة، بينهن حقوقيات وإعلاميات وصحفيات وناشطات.
ولفت وزير الإعلام إلى أن المليشيا الحوثية شكلت فصيلاً أمنياً خاصاً من عناصرها النسائية «العقائدية» تحت مسمى «الزينبيات» على غرار وحدة الأمن النسائية في إيران (فراجا)، وأوكلت للفصيل مهام قمع الاحتجاجات النسائية ومداهمة المنازل واختطاف المنخرطات في المجالات السياسية والإعلام والمجتمع المدني، والتجسس على الجلسات النسائية، والمشاركة في التحقيقات والتعذيب الذي تتعرض له المعتقلات في السجون السرية، وحشد الطلاب والطالبات من المدارس وغسل عقولهم بالأفكار الإرهابية.
وتؤكد صحفية (فضلت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية) تعرضها لحملة تشهير شرسة على منصات التواصل الاجتماعي من قبل مطابخ إلكترونية حوثية، اتهمتها بالخيانة والعمالة لمجرد كتابة منشور ينتقد تردي الخدمات.
لم يتوقف الأمر عند التشويه، بل تم الضغط على عائلتها للتبرؤ منها، مما جعلها تعيش في عزلة اجتماعية ونفسية قاسية.
جدار العزل الرقمي
ولم يغفل الحوثيون في عصر المعلومات عن السيطرة على "الفضاء السيبراني"، فباعتبارهم يسيطرون على مؤسسة الاتصالات المركزية (يمن نت) في صنعاء، فقد قاموا بفرض حصار رقمي شامل على اليمنيين، وتم حجب مئات المواقع الإخبارية المحلية والعربية والدولية، لدرجة أن المواطن في صنعاء يحتاج إلى برامج كسر الحجب (VPN) للوصول إلى أبسط الأخبار. فلم يكن هذا الحجب تقنياً فقط، بل تحول إلى أداة أمنية؛ حيث يتم تفتيش هواتف المواطنين في النقاط العسكرية بحثاً عن تطبيقات إخبارية أو روابط لمواقع محظورة، ومن يوجد في هاتفه "جرم إخباري" قد يساق إلى السجن بتهمة "خلخلة الجبهة الداخلية".
القصة المؤثرة هنا تتجلى في "حرب الروابط"، حيث يحاول الصحفيون المستقلون داخل صنعاء إرسال تقاريرهم عبر قنوات مشفرة وبأسماء مستعارة، مخاطرين بحياتهم في كل رسالة "واتساب" يرسلونها، فقد حول الحوثيون الإنترنت من وسيلة اتصال إلى أداة تجسس، حيث يتم تعقب الناشطين والصحفيين عبر هوياتهم الرقمية، كما قامت المليشيا بإنشاء جيوش إلكترونية (ذباب إلكتروني) مهمتها الوحيدة هي مهاجمة أي صوت حر على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) أو فيسبوك، وتقديم بلاغات كاذبة لإغلاق صفحاتهم، هذا العزل الرقمي الممنهج يهدف إلى عزل المواطن اليمني عن العالم، وجعله حبيساً لرواية واحدة يتم ضخها عبر قنواتهم فقط، مما يكرس حالة "التجهيل العام" ويقطع أوصال التواصل بين اليمنيين في الداخل والخارج، ويجعل من الحصول على معلومة صحيحة ومستقلة مغامرة غير مأمونة العواقب.
مرارة عيش المنفى
وقد أجبرت ممارسات الحوثيين مئات الصحفيين على الفرار بجلودهم خارج الوطن، حيث يتوزع الجسم الصحفي اليمني في منافٍ قسرية عديدة بين القاهرة وإسطنبول والرياض وعمان. ورغم أنهم نجوا من السجون، إلا أنهم سقطوا في فخ "الموت المهني" والاحتياج المادي، فالكثير منهم وجدوا أنفسهم بلا عمل، وبلا هوية قانونية واضحة في بلدان الاغتراب، يكافحون من أجل دفع إيجار السكن وتوفير مصاريف الدراسة لأطفالهم، بينما تظل قلوبهم معلقة بمكاتبهم المنهوبة في صنعاء.
ما يحز في نفوس البعض من الصحفيين الكبار ويدمي قلوبهم أنهم قضوا عقوداً في بناء مؤسساتهم أو بناء أنفسهم، يجدون أنفسهم اليوم مضطرين للعمل في وظائف بعيدة تماماً عن تخصصاتهم، أو يعيشون على مساعدات المنظمات الدولية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
كما أن البعد عن الأرض أضعف القدرة على نقل التفاصيل الدقيقة لما يحدث في الداخل، مما خلق فجوة بين الصحفي وجمهوره.
إن "المنفى" ليس مجرد مسافة جغرافية، بل هو شعور بالعجز والقهر وهم يشاهدون وطنهم يتم تجريفه وتاريخهم يتم تزويره، دون أن يمتلكوا سوى صرخة في فضاء إلكتروني بعيد، فقد نجح الحوثي في تفريغ اليمن من كفاءاته الإعلامية، مما أدى إلى "تصحر ثقافي" مخيف، وترك الساحة لخطاب الكراهية الذي يقتات على غياب العقول المستنيرة التي أجبرت على الرحيل أو الصمت في غيابات المنافي.
انتهاكات جسيمة
وفي سياق الانتهاكات المتصاعدة بحق الإعلاميين، برزت قضية الصحفي طه المعمري كنموذج يعكس تداخل القمع الأمني بالاقتصادي والقضائي في آنٍ واحد، فقد أعلنت نقابة الصحفيين اليمنيين، في بيان صادر بتاريخ 20 أبريل 2026، رفضها لما وصفته بسلسلة انتهاكات جسيمة تعرض لها المعمري، مالك شركتي "يمن ديجتال ميديا" و"يمن لايف"، داعية إلى وقف الإجراءات التي تمس حقوقه الأساسية وضمان محاكمة عادلة.
وبحسب الشكوى التي تلقتها النقابة، شملت الانتهاكات الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات خاصة في صنعاء، وإزالة معالمها، إلى جانب مصادرة أمواله وتجميد أرصدته البنكية، فضلاً عن مصادرة منزله دون سند قانوني، كما طالت الإجراءات مؤسسته الإعلامية، حيث تم الاستحواذ على محطات البث والأرشيف والمعدات، والتصرف بها وتأجيرها للغير، مع حرمانه من إدارتها.
وأشارت النقابة إلى صدور حكم غيابي بالإعدام ومصادرة الأموال، في إجراءات قالت إنها تفتقر لمعايير العدالة، مطالبة بوقف الانتهاكات وضمان المساءلة.
*الإصلاح نت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.