سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
مطار صنعاء الدولي.. ماذا اقترف العالم بحقنا في عقد من العزلة؟ Sana'a International Airport... What has the world done to us during a decade of isolation?
على مدى أكثر من عشر سنوات، لم تعد مدرجات مطار صنعاء الدولي مجرد مسارات لهبوط الطائرات وإقلاعها، بل تحولت إلى شاهد صامت على واحدة من أكثر صور العزل الإنساني قسوة في العصر الحديث. هنا لا نتحدث عن خلاف سياسي عابر، بل عن قضية تمس جوهر الحق في الحياة والتنقل والنجاة. إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم أمام المجتمع الدولي هو: ماذا اقترف العالم بصمته الطويل تجاه هذا الحصار؟ لقد أصبح المطار، الذي يُفترض أن يكون بوابة للحياة، رمزاً للاحتجاز الجماعي لملايين اليمنيين. أكثر من ثلاثين مليون إنسان وجدوا أنفسهم محرومين من منفذهم الجوي الرئيسي، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه عزل قسري لشعب كامل. وبينما ظلت المطارات في مناطق نزاع أخرى تعمل كشريان إنساني، تحول إغلاق مطار صنعاء إلى حالة استثنائية فريدة، أصبح فيها السفر للعلاج أو الدراسة رحلة معاناة قد تنتهي بالموت قبل الوصول. لقد اضطر آلاف المرضى، بمن فيهم المصابون بالسرطان والفشل الكلوي، إلى قطع مئات الكيلومترات عبر طرق جبلية وعرة في رحلات تستغرق 15 ساعة، بدلاً من دقائق معدودة كان يمكن أن تفصلهم عن فرصة النجاة عبر مطار صنعاء. هذه ليست مجرد آثار جانبية، بل هي "جناية" حوّلت الحق في العلاج إلى معركة خاسرة ضد الزمن، وصادرت حق المغتربين في وداع أحبائهم، وكبّدت الأسر مدخرات عمرها لتأمين رحلات علاجية عبر مطارات بعيدة. إن القانون الدولي الإنساني، واتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لا تعترف بشرعية تحويل المدنيين إلى رهائن للقيود السياسية. فمن فلسفة الطيران المدني أنه مرفق سيادي وإنساني لا يجوز استخدامه كأداة لمعاقبة الشعوب. ولهذا، فإن فتح مطار صنعاء – رغم ضرورته القصوى – لا يمثل نهاية القضية، بل هو مجرد بداية لاستحقاق أكبر وهو "جبر الضرر". إن سنوات الحصار لم تكن مجرد وقت ضائع، بل كانت خسائر بشرية واقتصادية ومؤسسية هائلة لا تسقط بالتقادم. وهنا نتساءل: مَن سيعوض العائلات عن ذويهم الذين قضوا في الطرق الوعرة أو بسبب تأخر الدواء؟ مَن سيعوض التاجر الذي أُفلس، والطالب الذي تحطم مستقبله، والمغترب الذي دفع أضعاف قدرته المالية للوصول إلى أسرته؟ مَن سيعوض قطاع الطيران المدني اليمني الذي تعرض لاستنزاف طويل أصاب بنيته التشغيلية ومكانته الإقليمية؟ إن جبر الضرر استحقاق قانوني وأخلاقي، والمجتمع الدولي والمنظمات الأممية مطالبون اليوم بتبني مشروع متكامل لإعادة الاعتبار، يشمل رفع الحصار بشكل كامل وشامل، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل البنية التحتية للمطار، ودعم تحديث قطاع الطيران كجزء من مسؤولية العدالة لا من باب المساعدات الطوعية. إن استمرار تقييد مطار صنعاء هو استمرار لجريمة إنسانية ممتدة. واليوم، لم يعد اليمنيون يطالبون فقط بفتح المطار، بل يطالبون العالم بالاعتراف بما اقترفه صمته، وتحمل تبعاته القانونية. إن جبر الضرر هو الاختبار الحقيقي لمصداقية العدالة الدولية.. فهل يملك العالم الشجاعة لإنصاف شعب حاصره في سجن كبير لعشر سنوات؟ افتحوا المطار.. وأنصفوا الضحايا، فالحقوق لا تموت بالتقادم.