أتصور أن لا وجود لقرار دولي بإشعال حرب أهلية في لبنان رغم أن ذلك قد يكون خيارا لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وليس بالإمكان التحديد المسبق لمن ستكون الغلبة بين الإرادتين الدولية وتلك الإقليمية، ومع ذلك لاتزال المراهنات على وطنية مختلف الأطراف السياسية اللبنانية قائمة بما يجعلها قادرة على امتلاك القرار وعدم الانجرار وراء قرارات خارجية لا تضع أي اعتبار لوضع لبنان أو مستقبله. ربما لم يعش اللبنانيون على أعصابهم منذ انتهاء الحرب الأهلية السابقة مثلما حدث يوم الخميس قبل الماضي عندما اندلعت المواجهات العنيفة بين أنصار المعارضة وأنصار الحكومة في منطقة جامعة بيروت العربية، في وقت كان “مؤتمر باريس 3” للمانحين منعقدا بحضور دولي رفيع أسفر عن منح لبنان أكثر من سبعة مليارات ونصف المليار دولار لدعم الاقتصاد اللبناني في المرحلة القادمة... فكل شيء في ذلك اليوم كان يوحي بإمكانية انفلات الأوضاع وإشعال المزيد من الفتائل التي تجعل من الصعب السيطرة عليها. في ضوء هذا التصعيد السياسي المتزايد باستمرار على الساحة اللبنانية يصبح من حقنا أن نسأل: هل هذا البلد ذاهب إلى حرب أهلية مجددا؟ وهل هو مهيأ لمثل هذه الحرب؟ والحقيقة كما يبدو تشير إلى أن اللبنانيين لا يرغبون في خوض حرب أهلية جديدة لكن سياسييهم لا يبالون كما يظهر بالأمر وإن كان الثمن الذي سيدفعونه هم أيضا لا يقل فداحة عن شعبهم باعتبارهم أهدافا مطلوبة ومباشرة في صراعات كهذه، وقد رأينا بالفعل كم عدد السياسيين الذين ذهبوا غيلة منذ صيف عام 2004 وحتى اغتيال الوزير بيار الجميل أواخر العام الماضي، فكيف سيكون الحال في ظل حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس ولا تميز بين صغير وكبير؟ وأتصور كذلك أن لا وجود لقرار دولي بإشعال حرب أهلية في لبنان رغم أن ذلك قد يكون خيارا لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وليس بالإمكان التحديد المسبق لمن ستكون الغلبة بين الإرادتين الدولية وتلك الإقليمية، ومع ذلك لاتزال المراهنات على وطنية مختلف الأطراف السياسية اللبنانية قائمة بما يجعلها قادرة على امتلاك القرار وعدم الانجرار وراء قرارات خارجية لا تضع أي اعتبار لوضع لبنان أو مستقبله. وحتى الذين كانوا يعتبرون لبنان أفضل نموذج للتقسيم القائم على أسس دينية ومذهبية وطائفية خلال الحرب الأهلية السابقة التي استمرت خمسة عشر عاما، نسوا أن تلك الحرب نفسها هي التي أثبتت أن التنوع الديني والمذهبي والطائفي في لبنان كان ولايزال سببا أساسيا لتماسك هذا البلد ووحدته الوطنية وخروجه من مأزق الحرب إلى رحاب السلام والاستقرار والبناء. فالاختلاط الموجود فيه بين كل تلك الحساسيات والاتجاهات فريد من نوعه بالنسبة للمنطقة وأثبت أن وعي المواطن اللبناني وبتحويله إلى أداة إيجابية لتعزيز الوحدة وعي فريد من نوعه. ومع ذلك فلا ينبغي مهما كان الإحساس بالأمان على الوحدة الوطنية اللبنانية أن يتفرج عقلاء وحكماء الشعب اللبناني والدول العربية كذلك على ما يجري حاليا في هذا البلد من مؤشرات فتنة أهلية، فاستمرار الاحتقان والتعبئة الخاطئة لن يؤدي إلى عواقب سليمة، والهدف في النهاية يكمن في حماية أطراف خارجية وداخلية من وهم الاستهداف الدولي. وأخطر ما يجري حاليا يكمن في تجاوز العملية الديمقراطية ونتائج الانتخابات إلى مبدأ التوافق السياسي الذي لا يؤدي إلى شلل الحياة السياسية فحسب، بل إلى تدمير العملية الديمقراطية نهائيا وتفريغها من مضمونها بحيث لا يعود لها حاجة نهائيا، فالحديث اليوم عن حكومة الوحدة الوطنية يمضي في اتجاه تجاوز الديمقراطية، وذلك يوصل الحياة السياسية إلى طريق مسدود ويفتح خيارات العنف بشكل أو بآخر، كما أن اللجوء إلى الشارع لإثبات من هو صاحب الأغلبية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الفوضى، لأن الانتخابات هي الآلية التي تعارف عليها العصر الحالي لتحديد من صاحب الأغلبية، فالجميع يستطيعون الحشد في الشارع بلاشك لكنهم لا يستطيعون إقناع ناخب بإعطاء صوته لمن هو ليس مقتنعا به! وعلى افتراض إجراء انتخابات نيابية جديدة فإنها لابد أن تسفر عن أغلبية لهذا الطرف أو ذاك، فهل يعني ذلك عودة الأمور إلى نقطة الصفر من جديد؟ أظن أن قادة لبنان يعلمون جيدا أن استقلالية قرارهم السياسي هي المدخل الأساسي لاستقرار بلادهم وأمنها، أما غير ذلك فسيظل سببا في النزاع والخلاف. والمعارضة اللبنانية تعرف جيدا أن الحكومة مهما كانت أغلبيتها فإنها لن تتجاوز الخطوط الحمر التي تعارف عليها الجميع منذ الاستقلال، وما يؤكد ذلك أن المعارضة اليوم تضم كل أطياف التركيبة الاجتماعية اللبنانية تماما كما هو حال الأغلبية النيابية التي تضم في صفوفها نفس التنوع، إذاً فنحن أمام مجموعتين وطنيتين في تركيبتهما السياسية بغض النظر عن مدى وطنية أهداف كل طرف منهما، بل وبغض النظر عن مصداقية كل تحالف منهما. ومع ذلك لن ينجح اللبنانيون في تجنيب بلادهم المزيد من الأزمات والاختناقات إلا بتقديم كل طرف شيئا من التنازلات للطرف الآخر، ومن هنا يمكن لمبادرة فتح أبواب التواصل مجددا بين كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة أن تنجح في حلحلة الجمود والأزمة القائمة إذا ما وجدت التجاوب، خاصة أن الشهرين الماضيين أثبتا أن كل طرف يمتلك من مفاتيح القوة ما يجعله قادرا على المزيد من تأزيم الموقف من دون تحقيق أهدافه. * الخليج الإماراتية