يتعمّد البعض كسر كأس اللبن كي يمارس رغبته في البكاء على اللبن المسكوب. فإذا كانت أوطاننا هي الكأس المكسور، وانتماؤنا هو اللبن المسكوب.. فكم مرة كسر الكأس برمية غادرة استقرت داخل هذا الوطن..؟ وكم من مرة هزّ الانكسار أركان قلوبنا ألماً عندما انسكب اللبن، فنُصاب بالذهول ويصعب علينا استيعاب الموقف..؟ فلا نحن تظاهرنا بالغباء عند كسرهم الكأس.. ولا نحن من ارتدى قناع الثعالب لنتأقلم مع بكائهم.. ولا نحن من استطاع الابتسامة في وجوه من يرتدي الأقنعة.. ولا نحن من يدير لهم ظهره بعد أن لمحنا خناجر الغدر في أيديهم.. ولا نحن من يسارع في التصفيق لمجموعة مهرجين يرقصون على قيمهم ومبادئهم.. ولا نحن من يتمسك بشعارات ميتة نتنة تسمم أشياء كثيرة في داخلنا وتميتنا ببطء.. ولا نحن من ينطلق من قاعدة إن لم تكن ذئباً.. أكلتك الذئاب.. فنضطر إلى التنازل عن إنسانيتنا لنُحسب على فصيلة الذئاب.. ولا نحن من الذين ينقسمون عند المحن إلى ثلاثة أقسام: قسم أنا ومن بعدي الطوفان..! وقسم أنا ومن بعدي الطوفان..! وقسم أنا ومن بعدي الطوفان..! ليمتد جسر الخذلان منهم إلى مالا حدود.. فآه وآه وآه لا شيء يؤلم ك"سقوط" من نحبهم ونحترمهم فينكسروا أمام أعيننا..!! لذا لا تستعجبوا حين نحس بخذلانهم لأوطانهم..!! نختار الصمت.. فحين نصمت.. نصمت احتراماً للصورة القديمة فقط وفوق ذلك وذاك تجِدُنا نحبهم.. فأصبحت كل التفاصيل التي نعيشها لهذه الفترة صامتة.. ومُفجعة..!! وكل الكتابات التي نكتبها ونقرأها بصمت.. مُفجعة..!! وكل الحكايات التي تسرد وتنشر بصمت.. مُفجعة..!! وكل التساؤلات والاستفسارات التي تطرح بصمت.. مُفجعة..!! وكل البيوت التي ندخلها وتغلق علينا أبواب غرفها بصمت.. مُفجعة..!! وكل السيارات التي نستقلّها والباصات التي نترجلها بصمت.. مُفجعة..!! وكل الشركات والمؤسسات التي نعوّل عليها مردوداً اقتصادياً للبلد تعمل بصمت.. مُفجع..!! وكل الطرقات التي تخطو بها زهراتنا إلى مدارسها بتوجس وصمت.. مُفجعة..!! وكل المساءات التي نتجمع بها على نشرة الأخبار بصمت.. مُفجعة..!! وكل الأشرطة التي تحمل الأهازيج والأغاني الصامتة.. مُفجعة..!! وكل الأحاسيس التي تسيطر علينا بصمت.. مُفجعة..!! أتدرون لماذ..!!؟ لوجود أيدٍ خفية تعمل بصمت.. تريد لنا وطناً مفجعاً غير آمن..!! فاصلة تُقرأ بلهجة المؤنث تارة.. وبلهجة المُذكر تارة أخرى الحب لعبة.. البعض يلعبها معك. والبعض يلعبها عليك. والبعض يلعبها بك. الذي يلعبها معك يستأذنك..!! والذي يلعبها عليك يستغفلك..!! والذي يلعبها بك يكسرك. *بقلم "شهرزاد"