قبل فترة ليست بالبعيدة استوقفني إعلان قصير في إحدى الصحف اليومية الكبرى في بلد عربي مغاربي تطلب فيه الصحيفة من مختصين في الحقوق والأدب”شعبة اللغة” تحديداً التقدم لشغل وظيفة “صحفي” ضمن طاقم الصحيفة العامل. واللافت للنظر أنها لم تشترط أياً من خريجي معهد الصحافة الشديد العراقة في هذا القطر الشقيق، فتبادر إلى ذهني سؤال حينها هو لماذا لا يعطى الخبز لخبازه ويوظف الصحفي في المؤسسات الإعلامية التي تأهل أساساً للعمل فيها ؟ ويصبح تساؤلي في النموذج اليمني أكثر إلحاحاً لحداثة التأهيل الجامعي الممثل في كلية الإعلام جديدة النشأة وللتنامي المفرط في مهن الإعلام الجديدة والحالية، التي لم تجد لها من يوفر لها المورد البشري المتناسب مع نموها منذ قيام الوحدة حتى اليوم؟. وبصرف النظر عن الإجابات المحتملة لهذه التساؤلات الشائكة فإن للموضوع زاوية نظر أخرى، فهذا الأمر يكشف في حقيقته أن لدينا اليوم قضيتين أساسيتين للنقاش مازالتا تثيران علامات استفهام متعددة هما: قضية تأهيل كوادر إعلامية واتصالية مازال الجدل يدور حول أفضل الطرق والمناهج والأساليب لتحقيق جودة التأهيل المقدم لها. أما القضية الثانية فهي قضية توظيف خريجي أقسام ومعاهد وكليات الإعلام والاتصال كقضية تثير اهتمام الدارسين والمسؤولين على حد سواء. وفي واقع الأمر أصبح الاتصال والإعلام من القطاعات الهامة والإستراتيجية في المجتمعات الحديثة، وما فتئت نسبة العاملين في القطاع في تزايد مستمر، كما زاد الطلب على الكوادر الإعلامية والاتصالية سواء في القطاع العام أو الخاص وذلك في مجال الصحافة بأشكالها المختلفة أو الاتصال في المؤسسات العامة أو الخاصة أو الإعلان أو مهنيي تكنولوجيا الاتصال الحديثة بأنواعها. فلا يمكن على سبيل المثال لرجل الأعمال اليوم بخاصة أن يستغني عن وسائل الإعلام في عمله، ورجل السياسة كذلك وغيرهم أي أن الإعلام كاختصاص أصبح جذراً مشتركاً وطبيعياً بين هذه المهن، وبات مطلوباً بشدة في النشاطات الخاصة والعامة. إننا في حاجة ماسة إلى أن تلبي كل مصادر التأهيل الإعلامي في الجامعات اليمنية وغيرها خارج الجامعة هذا الطلب المتزايد على كفاءات إعلامية قادرة على التعامل بجدارة مع مختلف المهن الإعلامية الناشئة وبخاصة في مجال الدعاية والإعلان والتسويق الإعلامي والسياسي وشراء المساحات الإعلانية والعلاقات العامة، بشكل أكثر حرفية واحترافياً للنهوض بواقع هذا القطاع الواعد على يد أبنائه من المختصين المؤهلين، فالرهان على التميز والجودة بات ملحاً في كل يوم تشرق فيه الشمس على مهنة جديدة من مهن الإعلام المعاصرة، وليصبح شعار كل إعلامي وإعلامية مطالبة بتأهيل نفسها في هذا المجال. وإن لم نفعل، فلن نستغرب على الإطلاق أن تبدأ الصحف والمؤسسات الإعلامية اليمنية بالبحث عن صحفيين من كل التخصصات المعرفية لتوظيفهم ، إلا أن يكونوا من خريجي كليات الإعلام، ولن ينفعنا حينها نحن خريجي هذه الكليات الأسى والحسرة وأن “نبك على صحافة ضيعناها، لم نحافظ عليها مثل الرجال .. ومثل النساء أيضاً ”.