ما إن أعلن رئيس الجمهورية عن وقف العمليات العسكرية في صعدة وتشكيل لجنة لتعويض المتضررين وبدء التنمية في المحافظة حتى صدمنا بالعمل الإرهابي الذي استهدف معسكراً للأمن في سيئون والذي أشارت بعض التقارير إلى أن القاعدة وراءه. وعلينا أن نكون حذرين في توجيه أصابع الاتهام وتحديد الخصم الجديد لأن ذلك سيصرفنا عن العدو الحقيقي وسيضعنا بعد ذلك في مأزق خاصة ونحن أمام تيارات سلفية تملأ الساحة وبصور مختلفة وجميعها تسترخص دماء الأهل والوطن ولطالما استرخصتها في سبيل التبشير بدين وهمي لا أساس له في الواقع، ولم يكن في يوم ما كذلك، وما يقلقنا فعلاً هو ظهور هذه الجماعات وتلقيها الدعم الداخلي والخارجي دون وجود قوى أخرى تقف حاجزاً بين هذه الجماعة وبين التطرف، فنحن بحاجة إلى تيار ليبرالي يكون صمام أمان يحول دون وقوع كارثة. ولعل تصريح الزنداني على هامش ملتقى الفضيلة فيه من الإشارة والإيعاز إلى استخدام القوة حين قال مبرراً مايحدث في جنوب الوطن: «إن مشكلة إخواننا في المحافظات الجنوبية أنهم لم يألفوا الظلم وإلا فهو موجود في المحافظات الشمالية» ولم يقل لنا الرجل ماهو الظلم ومن الذي يقوم به، وكيفية مواجهته، وهذه العبارات الملتبسة والتي انتقاها الرجل بعناية تفتح الباب على مصراعيه للتأويلات والقراءات المتعددة. والتدقيق في هذا القول يساعدنا على الاقتناع بأن الرجل يبحث عن أنصار لتقوية مشروعه واستغلال ماهو قائم وركوب الموجة مستغلاً عواطف الناس وإيهامهم بأنه مع خيار الاستحقاقات، فهو يوهم السلطة بأنه معها من خلال تصريحاته بأن التغيير في البلاد يقع على من ولاّه الله ولاية ومن تجاوز ذلك تعدى على ولاية الله وهو يشير هنا إلى نفسه وليس إلى القائمين على السلطة، لأن القائمين على السلطة ولاّهم الشعب ومنحهم الثقة وفق العقد المتفق عليه والمنصوص بالدستور، وقانون الانتخابات، بينما هو - والمضمر في الخطاب - يقود ولاية الله على الأرض وهذا ما تفهمه جماعته ويؤمن به أصحابه وأتباعه، وهنا يكون الخطاب مموهاً ومرحلياً يقودنا إلى محنة جديدة أمنياً وسياسياً واقتصادياً ونحن لا نتجنى على أحد وإنما نقوم بتحليل خطاب يزعم أنه يناصر ولي الأمر الذي ولاه الله وليس ولي الأمر الذي اختار الديمقراطية شرعة ومنهجاً. وهنا وباسم الفضيلة وتحت الفكر الذرائعي الذي تستر به هذه الفضيلة تكبل الحياة بقيود لا طاقة للبلاد في تحملها فهي تستهدف السياحة التي تمثل أحد الموارد المهمة في التنمية وتحرم العاملين في هذا القطاع من استمرار الحياة وتقود أكثر من نصف مليون عامل إلى طابور البطالة والدفع بالكثير منهم لأن يتحولوا إلى مجرمين وقطاع طرق ولصوص وإرهابيين ، حينها تستطيع الهيئة استقطابهم ليعملوا تحت إمرتها وتوجيههم نحو تنفيذ مشروعها وهذا يكشف عن مزاج القائمين على هذه الهيئة والتي تستعد للمواجهة القادمة. وما سمعناه من تصريحات من بعض قياديي هذه الجماعة تفاوتت هذه التصريحات بين سلفيين تقليديين أعلنوا رغبتهم في المواجهة مع الصحافة والسياحة وبين غاضبين وأصحاب نزوات مازالوا يتكئون على عصا السلطة. لقد توجهت الأنظار إلى الشيخ الزنداني والذارحي والحزمي ولكن الموقف يدرك أن الأول والثاني بينهما من التجانس الشيء الكثير بينما الثالث يطمح إلى الزعامة وربما انفصل عنهما قريباً ليكوّن جناحه الخاص به. ومن التجارب التي مرت بمثل هذه الجماعات وفي بلدان مختلفة نجدها تطمئن السلطة في البداية ، ثم تنتقل لتأسيس مجتمع رعب يحيط بها. استطيع القول: إن غياب الطرف الآخر المواجه لهؤلاء هو الذي منحهم القوة وإلا فهؤلاء ليسوا أكثر من وجهاء محليين لا يتمتعون بثقة الأجهزة الأمنية ولا ثقة مجموع الناس ، لكن ذلك لا يبرر عدم السكوت فهؤلاء يملكون المال والمال هو الذي يحسم التفاوض في آخر المطاف. هناك جماعات سلفية متعددة في أماكن مختلفة من اليمن مازالت محكومة بنسق اجتماعي يقيد من ارتباطها بتنظيم القاعدة لكن استمرار الوضع على ماهو عليه والسعي إلى العمل على انهيار المشروع الوطني يحول هؤلاء السلفيين إلى الانتقال والارتباط بالجماعات العنيفة. هيئة الفضيلة ستكون المارد الذي يخرج من رماد انهيار الأحزاب ومعاداتها للسلطة وإعاقة المشروع الديمقراطي ومقاطعة المعارضة المستمرة.. مازالت مواجهة التطرف ممكنة، مع اعتبارات مراجعة المعارضة لمواقفها.