قبل أكثر من شهرين رعت وزارة الأوقاف مؤتمراً للعلماء والوعاظ والمرشدين كرّس لمراجعة الخطاب الديني والنأي بالمساجد عن الصراعات الحزبية والمذهبية، وإعادة منابر المساجد إلى مسارها الصحيح في الهداية والوعظ ولم صف المسلمين وجمع كلمتهم على بيّنة من الكتاب والسنّة. تمخّض عن هذا المؤتمر ميثاق شرف إرشادي يؤكد ترشيد الخطاب الديني والابتعاد عن الغلو والتطرُّف وإثارة الحقد والكراهية، كما أكد نشر قيم التسامح والإخاء والمحبّة في أوساط المجتمع. مثّل ميثاق الشرف الإرشادي ضرورة دينية ووطنية ملحّة لاسيما بعد أن حادت المساجد عن دورها التوجيهي والإرشادي، وتحوّلت إلى ساحات للصراع وإثارة الفتن والكراهية، واعتبرناه في حينه خطوة مهمّة ستسهم في تجديد الخطاب الديني وإبعاده عن كل أشكال وصور الصراعات. منذ ذلك الحين ما الذي تغيّر على أرض الواقع، وهل تم التفاعل مع هذا الميثاق الدعوي والإرشادي من قبل كل خطباء وأئمة المساجد، وهل لمسنا تغيُّراً في الخطاب الديني، وما الدور الذي قامت به وزارة الأوقاف والإرشاد لتفعيل ما تم التوافق عليه من قبل العلماء..؟!. المتتبّع للخطاب الديني في كثير من المساجد وخصوصاً التي تخضع لهيمنة بعض الأحزاب؛ يجد أن الخطاب الديني لم يتغّير بل زاد حدّة على ما كان عليه، كما يجد إصراراً عجيباً من قبل خطباء تلك المساجد على مواصلة استغلال المنابر لأغراض حزبية ومذهبية، وفي المقابل هناك قلّة من الخطباء نراهم ملتزمين بالخطاب الديني الدعوي ومتمسّكين بالرسالة الحقيقية التي يجب أن يقدّمها المسجد.. لا نقول إن بعض الخطباء الملتزمين برسالة المسجد البعيدة عن الاستغلال الحزبي هو نتاج تقيُّدهم بما تضمّنه ميثاق الشرف الإرشادي، وإنما نتيجة لقناعة بضرورة النأي بالمساجد عن أي مناكفات أو صراعات مهما كان شكلها، وغالباً ما يكون هؤلاء غير منتمين إلى أحزاب. لاتزال الكثير من المساجد مصادرة ويتم استغلالها من قبل جماعات وأحزاب، وإن بقيت خاضعة شكلياً لوزارة الأوقاف إلا أن خطابها الديني لا يخضع لأي تقنين أو رقابة من قبل الوزارة، بقدر ما يخضع لرغبات القائمين عليها وتوجهاتهم الحزبية والمذهبية، وهو ما يبرّر بقاء الخطاب الديني مسخّراً لخدمة أهداف هذا الحزب أو تلك الجماعة.. ونحن عندما نتحدّث مراراً وتكراراً عن الخطاب الديني والإرشادي وضرورة ترشيده؛ فإننا ندرك أن رسالة المسجد لها دور كبير في التأثير على المجتمع سلباً أو إيجاباً، كما ندرك أنه كلما كان الخطاب الديني متطرّفاً أدّى إلى بروز الكثير من أشكال التطرُّف وإن اختلفت المسميات، وما نراه اليوم من حقد وكراهية هو نتاج أساس لهذه الرسالة المتطرّفة والأفكار المشوّهة التي يسهم في ظهورها هؤلاء الخطباء الذين وجدوا في الدين الإسلامي الحنيف وسيلة للتلاعب بمشاعر الناس عموماً.. كنا نتمنّى أن يجد ميثاق الشرف الإرشادي طريقه إلى أرضية الواقع، ويكون لوزارة الأوقاف دور في تفعيله لمواجهة كل أشكال التطرُّف؛ إلا أن واقع الخطاب الديني اليوم بقي على ما هو عليه، وكل “خطيب بما فيه ينضح” ولم يكن ميثاق الشرف سوى حبر على ورق وكفى..!! [email protected]