قد يبدو للبعض أن الحملة الجوية السعودية على القوات الجنوبية، وما رافقها من مساعٍ لحلّ المجلس الانتقالي و تفكيك البنى العسكرية والمدنية، كفيلة باعادة قضية الجنوب إلى نقطة البدء، إلى أول السطر... تلك قراءة ثأرية متسرعة توحي بأن ما تحقق قد تبخر وأن الصفحة طويت لتُفتح من جديد. لكن التاريخ لا يُكتب بهذه البساطة، ولا تتحرك قضايا الشعوب بمنطق مسطرة الخارج.
فالجنوب ليس طارئاً في الجغرافيا ولا عابراً في التاريخ. هو شعب تشكل وعيه عبر الأزمنة الصعبة، ونخبٌ راكمت خبرة المراحل، وجنود خبروا الميدان، وهوية لا تجرحها عثرة أو تصادرها صفقات أو تعدلها "توجيهات". وحتى حين تشتد الضبابية السياسية وتتقلب الموازين، ويغرق الناس في الإعلام الرديء، فإن مسار التاريخ لا يعود إلى نقطة الصفر، بل يمضي مثقلاً بالدروس والتجارب.
لقد عرف الجنوب ما هو أشد قسوة: في الحروب، وفي زمن الحراك السلمي، ومع استخدام القوة المفرطة، والإعدامات الميدانية، والقمع والسجون، والتفكيك المنهجي، وتفريخ المكوّنات والمسميات، وتوظيف الهويات المناطقية كأدوات إنهاك سياسي... ومع ذلك، تبخّرت المشاريع تلك، وسقطت التصنيفات المؤقتة، وبقي الشعب. بقي أصلب عوداً، وأشد وعياً، وأعمق اتصالاً بقضيته. ما يحدث اليوم ليس إلا طوراً عابراً في مسار تراكمي طويل تعثر مؤقتاً بحائط صدّ خارجي يسعى إلى كبح الطموح المشروع وتهيئة المسرح، بذهنية الوصاية، لإنتاج واقع سياسي مختلف. وذلك، لو تعلمون، تكرار لوصفات سقطت كلما أعيد تدويرها. فالقضية الجنوبية غدت أشدّ عوداً، وأكثر حضوراً داخلياً وخارجياً، وأعلى مكانة مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة. أما التباينات الداخلية، فهي ظاهرة ملازمة للحظات التحول، لا نذير سقوط.
الإشكالية الراهنة لا تكمن في الضعف، وإنما في طبيعة المواجهة غير المتوقعة التي أعقبت صدمة التدخل ومحاولات إعادة هندسة المشهد، حتى أن خصوم القضية ظنوا أنهم احتموا بجدار خارجي صلب، متناسين أن التجارب علمتنا أن الجدران كثيراً ما تكون أوهاماً مؤقتة، فلو كانت تجدي نفعاً لعادت الشرعية صنعاء منذ سنوات. التجارب القريبة تؤكد أن الإرادة هي التي تُسنِد، وأن الفعل هو ما يُراكم، وأن التضحيات وحدها تصنع المعنى.
الجنوب لا يفتقر إلى الطاقة ولا إلى روح التضحية. قوى حاضرة على الأرض، و نخب وقيادات، على تباينها، تنتمي في جوهرها إلى السياق ذاته. والخلاف، في اللحظات التاريخية، ليس انقساماً ثابتاً، بل قابل للترميم حين تتكشف النوايا وتبهت الخطابات المنفعلة و تتقدم غاية الوطن على أي شيء آخر.
إنها أيضاً لحظة مراجعة: تهدئة الانفعال، تبريد اللغة، والاعتراف بالأخطاء التي رافقت التجربة، بوصفه فضيلة سياسية لا ضعفاً. فالنقد الموضوعي ليس ترفاً، بل شرط النضج. والشعوب التي لا تتعلم من دروسها تُعيد أخطاءها بعناوين جديدة.
وهكذا يتعين على المجلس الانتقالي أن يعمل بديناميات تواكب التحوّل وأن يعزز هياكله ويجدد دماءه ويعمل بوعي مرحلة لا تدار بعُدّة قديمة أو بنماذج مكررة، فالسياسات التي لا تتجدد تتآكل. ليست عودة إلى أول السطر، بل المضيّ بوعي حتى آخره. أحمدع