بالأمس تحدثنا عن المأثرة الموريتانية التي ألهمت القيادة العسكرية الموريتانية موقفاً أخلاقياً وسياسياً متسقاً مع الوعود الكبيرة، وكان الرئيس السابق «أعلي ولد فال» النموذج الساطع لذلك الذي ارتضى طواعيةً السير على درب الكلمة الوعد، والتخلِّي الحُر عن مغريات الكرسي الرئاسي غير المريح، بل والشروع مع معاونيه في تنفيذ برنامج الانتقال السياسي، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الناجزة، وبهذا القدر من الاتساق مع نواميس التاريخ كانت موريتانيا سبَّاقة للتغيير، ولكن دونما دماء وقلاقل وفوضى شاملة. هذا ما فعلته موريتانيا قبل سنين من عاصفة المتغير الزلزالي في المنطقة العربية، وهكذا أثبتت أن بوسعنا القيام بالإصلاح الضروري إذا ما سادت الحكمة والرويَّة وحسن الطويَّة، والتخلَّي عن ثقافة الاستئثار القاتل بالسلطة والثروة، واعتبار الوظيفة العامة مغرماً لا مغنماً، والقبض على جمرة الحقيقة الأزلية القائلة بأن نظاماً لا يخدم شعبه لا يمكنه البقاء، مهما تدثَّر بأدوات الترغيب والترهيب. الربيع الموريتاني كان ومازال بهياً بحق، وقد أثبت للمُتشككين النمطيين أن جواب المستقبل العربي قد يأتينا من حيث لا نحتسب ونتوقَّع، وقد رأينا أن المغرب العربي بجملته يمثل حالة رشد ظاهر، ولكي نتلمَّس هذه الحقيقة يمكننا قراءة التطورات الإيجابية في موريتانيا التي أسلفنا الإشارة إلى منظومة الإصلاح فيها، ثم الجزائر التي تمكَّنت من تنفيس الاحتقان المجتمعي الذي اقترن بالقتل والدماء، من خلال برنامج مصالحة وطنية بعيدة المدى، والتماس درب العدالة الانتقالية وجبر الضرر، عبر تشريعات قانونية تساعد على ذلك. [email protected]