إتلاف 636 لغماً وذخيرة غير منفجرة في المكلا ضمن جهود تأمين حضرموت    قراءة إسرائيلية لسيطرة الجولاني على حقول النفط في دير الزور: حدث ذو دلالة إقليمية عميقة    الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي تقيم مجلس عزاء في وفاة الرئيس الأسبق علي سالم البيض    عرض عسكري مهيب لقوات النجدة في ذكرى الشهيد القائد وتدشّن العام التدريبي    فيما وحدات الاحتياط العام بإب تحيي الذكرى السنوية لشهيد القرآن.. فعالية خطابية بالمنطقة العسكرية السابعة    مدير"الإبراهيمي":العدو الصهيوني بدأ بنزع صلاحيات إدارة المسجد    إتلاف مواد مخدرة وممنوعة في الوديعة بعد ضبطها أثناء محاولة تهريبها إلى السعودية    بيان صادر عن الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة حضرموت    في حفل تخريج دفعة «شهيد القرآن» بالمنطقة العسكرية الخامسة... محافظ الحديدة: البناء الثقافي والفكري يُمثّل ركيزةً أساسية في تعزيز الوعي الوطني ورفع مستوى الجاهزية المعنوية للمقاتلين    الفريق السامعي يطمئن على صحة الصحفي محمد عبدالعزيز    لقاء عسكري يناقش آلية إخراج المعسكرات من عدن    تشييع جثمان المناضل علي سالم البيض في أبوظبي    تطبيقات بنك الكريمي تعود للعمل بعد ثلاثة أيام من الأعطال    السعودية تحقق المرتبة الثانية عالميًا والأولى عربيًا في تقديم المساعدات الإنسانية بين الدول المانحة لعام 2025م    العلامة مفتاح يفتتح معرض السيارات والمحركات بصنعاء    شعب صنعاء يفوز على المكلا حضرموت بختام مباريات دوري الدرجة الثانية    توضيح حول اللقاء التشاوري الجنوبي الذي عُقد في الرياض    حرائر الطيال بصنعاء يسيرن قافلة دعمًا للقوة الصاروخية    الشعيبي يترأس اجتماعًا أمنيًا موسعًا لبحث مستجدات الوضع وتعزيز الأمن والاستقرار في عدن    المشروع القرآني .. من الصرخة في وجه المستكبرين إلى فجر التمكين    مرض الفشل الكلوي (37)    ندوة ثقافية حول قصيدة "الفخر الحِميرية" وتبرز إرث اليمن المائي والزراعي    توجيه حكومي بشأن المرتبات المتأخرة لموظفي القطاعين المدني والعسكري    بن حبتور والعيدروس يبعثان برقية عزاء في وفاة علي سالم البيض    الاتحاد اليمني يسحب قرعة الدوري ويؤجل بدء المباريات إلى ما بعد رمضان    الأرصاد: طقس بارد إلى شديد البرودة على المرتفعات والصحارى    عضو مجلس القيادة الرئاسي الخنبشي يدشن أول الرحلات الدولية لمطار الريان الدولي    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مقيل خارج العقل"    مناقشة الجوانب المتعلقة بالحفاظ على أراضي وعقارات الدولة في البيضاء    اجتماع طارئ للاتحاد الأوروبي بعد تهديد ترامب بزيادة الرسوم الجمركية    المغرب يسعى اليوم لتحقيق حلمه القاري    صحيفة أمريكية: لا يمكن لليمن أن يتحمل حرباً آخرى تفتل وتشوه وتشرد الأبرياء    30 مليار جبايات شهرية في عدن    بالرغم من مشاركته في بطولة الخليج.. تضامن حضرموت يسرح الجهاز الفني ولاعبيه الأجانب نتيجة ضائقه مالية    حصن عَرّان التاريخي.. معلم حضاري يستحق الاهتمام    لم يمت أبي فجأة..    مصر تخرج خالية الوفاض من كأس إفريقيا 2025    الفريق السامعي ينعي الرئيس علي سالم البيض ويصفه بمهندس الوحدة اليمنية    الرئاسة تنعى علي سالم البيض    الجيش السوري يعلن بسط سيطرته على مدينة دير حافر بالكامل    ريال مدريد يعود إلى سكة الانتصارات من بوابة ليفانتي    اكتشاف يفتح آفاقاً لعلاج السرطان بمستخلصات فطرية    اليمنية تعلن وجهات رحلاتها من مطار المخا بتعز وعدد الرحلات اسبوعيا    شكوى الأستاذ عبدالفتاح جمال قبل أربعين عامًا    عالميا.. ارتفاع طفيف لأسعار النفط    عدن.. البنك المركزي يوضح حول أنباء إصدار عملة جديدة    وفاة ثلاثة عمال اختناقًا بغاز سام في مجاري تعز    الأرصاد: طقس بارد إلى شديد البرودة على 7 محافظات وتوقعات بتشكل الصقيع    الإسراء والمعراج: رحلة اليقين ومنهاج التمكين في زمن الانكسار    دراسة: تغييرات بسيطة في نمط الحياة تطيل العمر    تفاصيل صغيرة    اليمن يحصد المركز الأول في مسابقة الجزائر الدولية لحفظ القرآن الكريم    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    الذكرى الثالثة لرحيل والدي... السفير عبدالله ناصر مثنى    المرتزقة.. أحذية تلهث وراء من ينتعلها    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    خلال 8 أشهر.. تسجيل أكثر من 7300 حالة إصابة بالكوليرا في القاعدة جنوب إب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ليالي الخريف الساحرة
انا والحياة سيرة ذاتية
نشر في الجمهورية يوم 10 - 02 - 2010

(إلى الأجيال المعاصرة والأجيال القادمة أهدي هذه السيرة الذاتية التي تعتبر ليست وقائع لحياة كاتبها فحسب، ولكن فيها وقائع من حياة شعبنا اليمني وصدى لبعض ما كان يجري من حولنا في أقطارنا العربية الشقيقة.
فإلى هؤلاء أقدِّم سيرتي الذاتية لعلهم يجدون فيها ما يفيدهم في حياتهم القادمة التي لاشك أنها ستكون أحسن من حياتنا الماضية)
دأبت بعض الأسر في مدينة غيل باوزير على قضاء فصل الصيف خارج المدينة، خاصة تلك الأسر التي تملك بساتين من النخيل تستدعي التواجد بقربها للإشراف عليها، ولكل فئة من هذه الأسر قريتها، وتقع هذه القرى على الجانب الغربي من المدينة وفي خط واحد لاتبعد القرية عن الأخرى إلا مسيرة عدة دقائق بالأرجل.. هذه القرى هي على الترتيب من خروجك من الغيل:” الدروع المخبية القرية الفرجة الديوان” وجميع هذه القرى تظل مهجورة بعد فصل الخريف، ما عدا قرية “المخبية” فهي الوحيدة التي تتواجد فيها بعض الأسر ولاتبارحها، أما بقية القرى الأخرى فتظل خاوية هامدة حتى إذا ما هل فصل الخريف وبدأ النخيل في طرح ثماره، حتى تسري فيها الحياة، فتمتلئ البيوت بساكنيها، وتنتشر بها المتاجر الصغيرة والمقاهي، وتغص المساجد بالمصلين، حتى إذا انتهى فصل الخريف وجمعت كل أسرة محصولها من التمرد وأودعته مخازنها بمدينة الغيل، هجرها أهلها وتركوها هياكل صامتة مثل ديكور لقرية انتهى العاملون من تصوير فيلم سينمائي بها، من هذه القرى الخمس كانت قرية “الديوان” هي التي نرحل إليها كل عام، ونسمي الرحيل بلهجتنا “الظعينة” وأصل الكلمة “ظعن” وهي كلمة عربية فصحى، وتعد هذه القرية أكبر القرى الخمس، وأبعدها عن المدينة وكنت في طفولتي الأولى وحتى ماقبل سن العاشرة أرحل عادة إلى بيت والدي الذي يقع بالقرب من “بستان الشجن” بكسر الشين والجيم، وهو بستان واسع يمتلئ بالنخيل وبعض الحبوب والبرسيم فيه ساقية كنا نذهب للاغتسال بها.. ولكن بعد مرض والدي توقف أهلي عن الخروج إلى الديوان واكتفوا بتأجير المنزل ولهذا فكنت أرحل مع أسرة جدي بصحبة والدتي، وكانت هذه السنوات الأخيرة التي كنت أقضيها في بيت جدي من أمتع وأجمل الأيام، حيث كنت حينها في سن يعي الأمور، كثير الحركة متشوقاً للعب وإنني لأذكر جيداً اليوم الأول الذي رحلت فيه مع أسرة جدي، ربما كنت حينها في العاشرة من العمر أو أقل وكان ذلك عام 1947م ففي الأسبوع الأول من شهر يونيه من ذلك العام وفي اليوم الذي حدده جدي للرحيل بدأ النشاط يدب في البيت منذ الفجر، حيث نشطت النساء في المطبخ وهن يقمن بإعداد وجبة الإفطار التي سنأخذها معنا إلى الديوان، تحركت أيدي البعض منهن على “المراهي” جمع مرهاه...وهي الحجر الذي تطحن عليه حبوب الذرة، بينما أخذت النساء الكبار في إعداد “التنور” وإشعال النار فيه ليتم إنضاج طحين الذرة عليه، وأخذ قسم آخر منهن يربط الصرر من الثياب التي سيأخذنها معهن وأخذ الرجال يجمعون الأثاث كالعقائد الخشبية والفرشان وأدوات البيت الأخرى الثقيلة وربطها في عدة حزم، وذلك لحملها على ظهور الجمال التي استأجرها جدي، فيما أخذ جدي يشرف بنفسه كما هي عادته في تجهيز مؤونة البيت من حبوب الذرة والدجرة والقهوة البن وغير ذلك، وما أن شارفت الساعة على الخامسة حتى نضجت أقراص الخبز الخمير وفاحت رائحته المعطرة برائحة الشمار لتصل إلى أنوفنا، وحينها انتقلت هذه الأقراص إلى عدة “قفف” وتوزعت على النساء لحملها.. وكذا تحرك طابور النساء بقففهن وصررهن ونحن الصغار الثلاثة ابن خالي سعيد أمين يصحبنا خالي المرحوم سالم عوض الذي يكبرني بأربع سنوات وذلك قبل سفره إلى السودان للدراسة وكنت أصغرهم جميعاً، تحركنا في أثرهم ومازلنا حتى خلفناهم وراءنا وقد اشتبكن في حديث ليصرفن عنهن عناء الطريق.
كنت حينها مفتوناً بما حولي من جمال، فقد كانت أضواء الشمس البرتقالية التي بدأت تفرش بساطها على الجبال تضفي على المكان جواً ساحراً ونسمات الصباح الباردة تنعشني في حين كانت الأرض من تحتي باردة ندية على أثر سقوط الندى عليها بالليل وما أن خلفنا وراءنا “بستان السلطان” حتى بدأت غابات النخيل تمتد أمام أبصارنا، وقد تدلت من على هاماتها عناقيد ثمارها الملونة التي أخذت بعض هذه الثمار تبدو لنا مثل عقود “الكهرمان” الأصفر و”العقيق” الأحمر، كما أخذت بعض هذه الثمار تطل علينا من خلف نقابها الأبيض المشبك الذي التف عليها والذي يمنع من تساقط الثمار اليانعة إلى الأرض.. والطيور من حولنا تزقزق في نشاط وحبور متغنية بالصباح الجديد لتشكل مع أصوات الطيور الأخرى “سيمفونية” رائعة تأسر القلوب، وتنشرح لها الصدور ومن آن لأخر يترنم طائر لا أدري ما اسمه بصوت شجي يردد نغمات ككورس لتلك الأناشيد الصباحية بنغم غريب كمن يقول “سيدي أبوبكر” وهكذا تمضي بنا الطريق من دهشة إلى أخرى وخيالنا يصور لنا الأيام المقبلة المليئة بالمرح واللعب، وبعد أن مررنا بالقرى الثلاث الدروع والمخبية والقرية حتى أعترضت سير طريقنا “معيان الطيب” وهي ساقية ماؤها عذب، وتعتبر مصدراً للمياه التي تشرب منها مدينة الغيل، انكفأنا باعناقنا عليها وجعلنا نشرب كما تشرب الإبل والخراف، وبعد أن ارتوينا واصلنا السير حتى إذا ما تركنا قرية “الفرجة” ارتقينا هضبة صغيرة التفت حولها أشجار النخيل في شبه غابة كثيفة، بعدها برزت لنا قرية الديوان ببيوتها البيضاء الصغيرة التي لاتزيد عن الطابقين والتي تتزاحم جنب بعض، تتراءى لنا من بعيد وكأنها طائر خرافي ماداً جناحيه ناحيتي الشرق والغرب حيث كانت البيوت تتزاحم في الوسط ثم يقل تزاحمها في الأطراف حتى يصل إلى بيت واحد، هكذا استقبلتنا الديوان مادة لنا ذراعيها من بعيد لتحضننا في شوق ولهفة.. نفس شعورنا نحوها بعد غياب طويل، كانت الديوان تقع خلف سهل واسع تمتد أمامها مئات الأمتار، مما جعلها عرضة للتيارات الهوائية الباردة التي تهب عليها من ذلك السهل البحري، خطونا نحوها والفرحة تملأ قلوبنا وأقدامنا الحافية تدوس على بعض شجيرات “الحمضاء” الهشة التي ربما أنها نبتت على إثر هطول الأمطار عليها طوال العام.
تتكون نصف بيوت الديوان من طابقين والنصف الآخر من طابق واحد.. وتبنى عادة من الحجر والطين وبعض الفقراء تتكون بيوتهم من أحجار دون أن يتخللها شيء من الطين وتسمى هذه الطريقة “ترجيش” حيث ترقى الاحجار واحدة فوق الأخرى.. أما هندسة البناء في الجميع فهو يحمل نفس ماتحمله بيوت الغيل تماماً لكن بالإضافة إلى حوش واسع ربما يفوق حجمه مساحة البيت كله في بيوت بعض الموسرين الذين يملكون بساتين كبيرة من أشجار النخيل.. هذه الأحواش هي مخصصة لتجفيف الرطب و”البسر” وهو ثمر النخيل الذي لم ينضج وبعد تعرضه لحرارة الشمس ينضج ليصبح رطباً وعندما يجف يصبح تمرأ، هذه الأحواش عندما تنثر على أرضها المفروشة بسعف النخيل الجاف هذه الثمار بألوانها الصفراء والحمراء القانية والخفيفة تتراءى للناظر وكأنه أمام حوض من الزهور.. كان هذا المنظر يملأ مخيلتي ونحن نقف أمام بيت جدي الذي يقع وسط القرية ويمثل السوق العام الذي تتجمع به المقاهي والمتاجر... بل وإن إحدى هذه المقاهي تقع أمام بيت جدي تماماً، وما أن وضعت جدتي المفتاح الخشبي على القفل للبوابة الكبيرة وفتح الباب على مصراعيه حتى هبت من ذلك السهل نسمات بحرية باردة جعلت تسابقنا في الدخول عبر تلك البوابة إلى الداخل، كان أمام تلك البوابة من الداخل مكان واسع في سعة غرفة واسعة كان يتخذها خالي المرحوم سعيد عوض باوزير غرفة له عند الظهيرة حيث تتميز تلك الغرفة دون سائر غرف البيت الأخرى بهوائها البارد.
بعد دخولنا البوابة الرئيسية اجتزنا حوشاً صغيراً تتفرع منه طريقان طريق يؤدي إلى الحوش الذي يجفف به الرطب وطريق آخر يؤدي إلى حوش آخر مخصص لنوم الأسرة ويقع أمام غرفة “المعيشة” وبعدها يأتي حوش ثالث به المطابخ وزير الماء والتنور ودكة الطحين.. وبعد أن وضعت النساء ما بأيديهن بأحد المخازن قمن بتنظيف البيت من الأتربة وإزالة ماثبت عليه من أشجار الحمضاء في حين أخذنا نساعدهن في حمل الأتربة إلى الخارج.. بعد أن تم تنظيف البيت أخلدن للراحة في حين خرجنا إلى “بستان الشجن” لكي نغتسل ونزيل عنا غبار الأتربة، تقع الساقية وسط ذلك البستان وكان ماؤها صافياً جارياً إلا أن مذاقه غير عذب مثل ماء “معيان الطيب” الذي مررنا عليه في طريقنا إلى الديوان، وبعد أن اغتسلنا تفرقنا وسط ذلك البستان الواسع الذي يبعد كثيراً عن بيت جدي نجمع مانجده تحت المخيل من الرطب ونقوم بقذف بعض تلك الأشجار لكي نحصل منها على ثمارها الناضجة ولما عدنا إلى البيت كانت الجماغل قد وصلت وأخذ الحمالون ينزلون ماعليها من الأثاث، قمنا بمساعدتهم وأخذنا ننقل إلى الداخل ماخف وزنه في حين اتجه أحد الرجال إلى البئر لتثبيت العجلة الخشبية عليها وربط الحبل بالدلو الجلدي وإنزاله إلى البئر، وبعد إفراغ المياه الراكدة منها دخلت النساء للغسلة ثم تم تركيب أبواب الطابق العلوي والحمامات.. حيث تنزع عادة هذه الأبواب عند مغادرتنا الديوان وتحفظ في غرفة محصنة وذلك مخافة من أن يسرقها بعض الناس عند خلو القرية من سكانها.. بعد أن تمت تصفية البيت وتوزيع الأثاث وكان ذلك في حوالي التاسعة اجتمعنا جميعاً للإفطار ووزعت علينا أقراص الخمير وأحتلت “كعدة” القهوة المر مكاناً بجانب جدتي التي أخذت في تصريفها بالفناجين، والكعدة هي إناء من الفخار في شكل دلة المعدن، وقد كان يوجد منها هنا في عدن في بعض المقاهي الشعبية وتسمى “جبنة”.
بعد الإفطار انطلقنا مع جدي وحماره العزيز وسائسه “سعد قصام” ولعل كلمة قصام هي لقبه لأن القصام جمع “قصم” هي الاسم الدارجي لسعف النخيل بعد أن يجف.. انطلقنا وسط الشمس التي بدأت حرارتها تشتد متجهين إلى بستان جدي المسمى “الكبيدة” وهي بالتأكيد تصغير لكلمة كبدة لربما أطلق جدي هذا الاسم عليه لمعزته عليه كما يقال عن الاولاد إنهم أكبادنا تمشي على الأرض ويقصدون بذلك معزة الأولاد عند آبائهم، وهذا التأويل مني والله أعلم، وبعد مضي عشر دقائق من اتجاهنا إلى جهة الجنوب، وفي الطريق التي تؤدي إلى “النقعة” وصلنا إلى بستان جدي وهو بستان كبير به بئر يرفع منها الماء بواسطة “السنارة” وهي طريقة متبعة بكل أنحاء حضرموت، حيث يتم رفع الماء بواسطة حبل يلتف حول خصر “لساني” وهو الرجل الذي يرفع الماء، ولكنه بدلاً من أن يمسك الحبل بيده لثقل الدلو فإنه يلجأ إلى هذه الطريقة التي تعد مريحة له فما إن ينزل الدلو إلى البئر ويمتلئ بالماء حتى يقوم الرجل بالتحرك إلى الخلف ساحباً معه الدلو وكلما رجع إلى الوراء كلما هبطت الأرض من خلفه لأن المكان الذي يسير عليه صمم على مستوى متدرج فيظل الرجل يهبط ويهبط حتى يصل إلى مستوى أدنى من الأرض وهذه المسافة هي طول عمق البئر وحينها يكون الدلو بذلك الحبل المربوط على ظهره فيتحول ماء الدلو إلى حوض بجانب البئر ليصب فيه الماء ومنه ينتقل إلى الحوض الكبير الذي يتجمع فيه الماء ليوزع بعد ذلك على أحواض النخيل، في هذه العملية بعض الناس يستخدم ثوراً أو جملاً بدلاً من الرجل، ويمتاز بستان جدي بنخيله الجيد الذي لم يبلغ إلا سنوات قليلة ولهذا فهو يعطي من الرطب أكثر من النخيل العجائز إلى جانب أن ارتفاعه لايبعد كثيراً عن سطح الأرض مما يمكن الرجل أن يتناول مايشاء من ثماره دون أن يلجأ إلى “المرقد” وهو أداة مصنوعة من الجلد تستخدم لطلوع النخل الطويل، ولثمر النخل أسماء عديدة نظراً لتنوع ألوانها وأشكالها وطعمها فلكل نوع من النخيل التمر الخاص به منها مايسمى السنكرة الزجاج السقطري المكي البقلة الحنكاسة الضريسي وهو أرداء الأنواع يعطي عادة كعلف للأغنام، وغير ذلك من الأسماء المعروفة لدى الجميع لكن هناك بعض الأسماء قد يطلقها صاحب البستان على نوع معين يعزه كإحدى الثمار التي كان يحبها خالي سعيد فسماها جدي “بقلة سعيد” وثمرة أخرى تتميز بطولها مع رقتها فأطلق عليها جدي “أصابع العروس”.
وبعد تطواف في ذلك البستان وبعد أن جمعنا كمية من الرطب الناضج وضعناه على الحمار وانطلقنا عائدين إلى الديوان.. وهناك عادة “الكعدة” تتوسط الجميع من جديد لتناول القهوة المر مع ذلك الرطب الذي أحضرناه من بستان جدي “الكبيدة” هذه الوجبة الثانية تتم عادة في الحادية عشرة وتسمى قهوة “الضحوية” أي الضحى وهي عادة تتم بين النساء والأطفال فقط، أما الرجال فلهم جلساتهم الخاصة مع هذه القهوة حيث يتم الاجتماع كل يوم عند شخص من الاصدقاء فيجتمع كل واحد مع أصحابه حيث يقدم المضيف أحسن ماعنده من أنواع الرطب ويتخلل هذه الجلسات الاستماع إلى الأغاني التي تنبعث من “الجرامفون” القديم الذي يدار باليد وكنت احضر مثل تلك الجلسات للاستماع إلى أغنيتي المفضلة “ياما أرق النسيم” لليلى مراد، أما وجبة الغداء لذلك اليوم فكان من الوجبات المفضلة في أيام الخريف، هي وجبة الدجرة مع زعانف اللخم التي يضاف إليها الخل بعد أن تنضج.. بعد تناولنا وجبة الغداء تلك أخلدنا للنوم حتى إذا ما حان وقت صلاة العصر قمنا وتحركنا للغسلة في ساقية “الشجن” وبعدها بدأت أول ليلة من ليالي الخريف الساحرة قبيل غروب الشمس بقليل بدأت الحركة تدب في الساحة التي تقع أمام بيت جدي حيث تنتشر المقاهي التي يتجمع بها الأهالي يجلسون على الأرض يشربون الشاي والنارجيلة ويلعبون لعبة “أكلة بأكلة” وهي تشبه لعبة الشطرنج ولكن بصورة بدائية ولها مربعات أحياناً تخط على الأرض وتمثل أحجار الجنود والقلاع في الشطرنج قطع من الحجارة الصغيرة الملونة وأمامهم حبوب “الحنظل” الذي يقال لها هنا “الزعقة” والفول السوداني في حين ينتشر الأطفال لجمع أعواد الحطب استعداداً لاستعمالها عندما يحل المساء ويظلم ذلك السهل الواسع حيث يبني كل طفل منا حوضاً من قطع الحجر نضعها حجراً فوق الأخرى ونملأها بالحطب ونشعل النار فيها وبنور الشعلات التي تنبعث منها نلعب على ضوئها، هذه الأحواض تمسى “ميفة” ولكن السمر الممتع يبدأ بعد التاسعة حيث تتحول الديوان بكاملها إلى مهرجان.. تجمعان هنا وهناك.. في الساحات والشوارع الجانبية وأمام البيوت، فيحتل الرجال الساحات الواسعة يفرشون عليها الفرش المصنوعة من سعف النخيل، بينما تتجمع النساء في الشوارع الخلفية ويحضرن معهن مدقات البن الخشبية أو النحاسية التي يسمع لرنينها صوت جميل مع هدوء الليل ويحضرن معهن أطباق “القلية” وهي الذرة الشامية المحمصة والحنظل والفول السوداني ونحن وسط ذلك السهل نجري ونتسابق حتو وقت متأخر من الليل.. وإلى جانب تجمعات السمر هذه هناك فعاليات أخرى تتم في نفس الوقت وفي الجزء الغربي من الديوان، في مكان يقال له “العريضة” بفتح العين وتسكين الراء يسكن فيه البدو الرحل الفقراء الذين يأتون أيام الخريف من كل عام من حول المدينة “شحير” وهي مدينة ساحلية تقع في الطريق بين مدينتي الغيل والمكلا، وهؤلاء البدو كانوا يأتون معهم ببعض السمك المملح الذي يقال له “المالح” وبثمن هذا المالح الذي يبيعونه لأهل الديوان كانوا يعيشون تلك الفترة في هذا المخيم من كل ليلة تقام حلقات الرقص البدوي وله رجاله من أهالي الديوان المغرمين بمثل هذه الرقصات التي يقال لها “شرح” ومايتخلله من مغازلات للبدويات الحسان اللاتي يستعرضن جمالهن في مثل تلك الرقصات، كما تقام إلى جانب هذه الرقصات بعض أعمال السحر وإن كنت لم أشاهد شيئاً منها على أيامي لكن جدتي تذكر أن شخصاً من شحير يقال له “ مزاحم” هذا الرجل له حلقة رقص خاصة به حيث كان يستعرض أمام الجميع بعضاً من الألعاب السحرية فقد كان وعندما يشتد الرقص يعمد إلى جنبيته ويغرسها أمام الجميع في الجزء الأسفل من بطنه عند الخصر حتى يقسم جسمه إلى قسمين دون أن تسيل منه قطرة دم واحدة، كل هذا وهو مستمر في الرقص، ويرى الناظر إليه أن شطري جسمه يتحركان في الحلبة هذا في طرف والآخر في الطرف الثاني والناس ينظرون في دهشة حتى إذا ما انتهى الرقص عاد الرجل إلى سابق وضعه وكأن شيئاً لم يكن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.