"متحدث الصحة السعودية" يكشف عن مراحل إعادة الحياة لطبيعتها.. ويوضح مدى بقاء القيود المفروضة    وكيل وزارة الكهرباء يواصل زيارته العيدية للعديد من المحطات ومواقع العمل    هيئة الطيران المدني السعودي تعلن استئناف الرحلات الجوية داخل المملكة ابتداء من هذا الموعد    هاميلز ..... بايرن يقترب من حسم لقب الدوري    مدير مكتب الصحة جيشان يعزي في وفاة مدير مكتب صحة مودية    منظمة سام تكشف معلومات خطيرة حول انتشار كورونا في صنعاء    تصفية المصابين .. وزير يمني يقول ان المعلومات الواردة من صنعاء حول عدد الوفيات بفيروس كورونا تحمل مؤشر كارثي    ارتفاع الإصابات والوفيات في اليمن .. التحديث اليومي لتفشّي كورونا عربياً    تسجيل 16 حالة اصابة بفيروس كورونا في 4 محافظات اليوم    بشرى سارة لليمنيين العالقين في الأردن (وثيقة)    مليشيا الحوثي تستكمل استعداداتها للهجوم على "آل عواض"    المنظمة اليمنية للأسرى والمختطفين تؤكد تعرض العشرات في سجون الحوثي لوباء كورونا    السعودية : اخيرا السماح ل اهل مكة بالخروج والدخول -فيديو    وفاة مغترب يمني من أبناء مديرية شرعب السلام في السعودية بسبب فيروس كورونا:    الأمم المتحدة تصدر تحذيرا جديدا بشأن الوضع في اليمن    وزير الدفاع يطلع على سير المعارك في "الجوف" ويشيد بالالتفاف القبلي حول الجيش    اشتراكي عبس يعزي الأمين العام بوفاة شقيقته    طالب بالكهرباء واعتقلوه....!    الحزب الاشتراكي اليمني ينعي الرفيق المناضل قائد محمد قائد    شركة العزاني سكاي تقدم دعم هو الثاني خلال أسبوع لمستشفيات ردفان    حسن الشرفي.. مات هاشمياً دونه اليمن!!    حضرموت: جموع غفيرة في تشييع الداعية الاسلامي الكبير، الحبيب علي المشهور سالم بن حفيظ:    اليمن وكورنا من يهزم الآخر    تحذير عاجل من المركز الوطني للأرصاد للمواطنين من صعدة حتى لحج    "مهران القباطي" في تسجيل صوتي له يعترف باصابته ويؤكد انه لازال في الجبهة لدحر مليشيات الانتقالي    استمرار تراجع الريال اليمني امام العملات الاجنبية مساء اليوم الثلاثاء...آخر التحديثات    السعودية تحدد ضوابط رفع إيقاف الصلاة بالمساجد    تسجيل صوتي لفنانة شهيرة تكشف عن معاناتها مع فيروس كورونا (فيديو)    مقتل 7 مسلحين قبليين في مواجهات غرب حضرموت    «الفاطميات».. تشكيل حوثي جديد لاستقطاب اليمنيات إلى صفوف الجماعة    الحكومة: هذا ما قد يحدث إذا انهارت ناقلة صافر النفطية في الحديدة    نادي إي.سي ميلان يعلن إصابة أهم لاعبيه    فلكي يكشف عن زلزال يضرب شرق خليج عدن    حفلة في اليمن تنكرية!    مدير أمن الوادي والصحراء ينعي رئيس مجلس الافتاء بتريم    تقديم موعد حظر التجوال في الغيضة واستمراره لمدة 48 ساعة    من يكون "الصيد الثمين" الذي وقع بقبضة قوات الجيش الليبي    ألكمار يعترض على منح أياكس بطاقة التأهل المباشر للأبطال    ليون يرفض قرار إلغاء الموسم.. ويخاطب رئيس الوزراء    منة عبد العزيز تكذب نفسها: مازن لم يغتصبنى وكنت زعلانة منه شوية    دبي تعلن استئناف الحركة الاقتصادية 17 ساعة يوميا    الذهب مستقر وسط توترات أمريكية صينية وآمال التعافي الاقتصادي    أحكام صيام «الست من شوال»    أسعار النفط تصعد مع توقعات عودة التوازن للأسواق    حصري- التوقيع على اتفاقية تزود بالوقود بين مؤسسة كهرباء عدن وقيادة التحالف    5 أفلام عرض أول... خريطة القنوات التليفزيونية في أول أيام عيد الفطر    إتحاد الطلاب اليمنيين بإسنطبول يصدر العدد الأول من مجلة دروب    أهمية الشبكة العنكبوتية    منظمة إغاثية بولندية تنظم برنامج للتبرع للنساء الحوامل في اليمن    فضيحة مدوية في الدوري الانجليزي لكرة القدم    بدعم الأزهر الشريف و"الإيسيسكو" و "اليونيسكو".. كازاخستان تنظم 50 حدثاً عالمياً تقديراً ل"لفارابي"    التجارة الرابحة!!    في عرس جماهيري بهيج..شباب الحصن يتوج نفسه بطل لكرة القدم الخماسية في أحور    ريال مدريد يُعلن وفاة أسطورة المنتخب الإسباني    يدعو المجتمع الدولي الى تدخل عاجل .. مسؤول حكومي يحذر من أكبر كارثة في تاريخ العالم قد تسبب بارتفاع اسعار الوقود ثمانية اضعاف    السعودية تدشن «خطوة» متقدمة يترقبها ملايين «اليمنيين»    في رثاء صديق بحجم الوطن..هل كتب علينا ان نفقد كل يوم عزيزاً ؟!    كيفية صلاة عيد الفطر فى البيت,وحكمها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«الرقص مع العجوز» لعمار النجَّار
جمالية الومضة في ديوان
نشر في الجمهورية يوم 22 - 08 - 2013

للومضة الشعرية تجربة خاصة ومنظور خاص في الشعر اليمني , كون المهتمين بهذا الشأن من الشعراء قلة , ولا يأتي النضج إلا من بعد مخاض في قصيدة النثر والتفعيلة , وكثيرة هي الخصائص الإبداعية التي تتميز بها قصيدة الومضة من حيث ظهورها وانحسارها بين لمسات القصيد.
قصيدة الومضة هي تحسس في الظلمة والضوء معاً , نظرة للحياة بتعدد ومغاير, لذا عُرفت بأنها إحساس أوشعور يخطر في ذهن الشاعر فيمرر صوره وعباراته تجلياً مع إدراك وعمق.
وإذا تتبعنا خصائص هذا الشكل الشعري في ديوان الرقص مع العجوز للشاعر عمار النجار الذي يكتب قصيدة النثر ومن ثم الومضة ,وهو من شعراء جيل التسعينيات , وهي المرحلة التي شهدت النضوج الحقيقي للشعر الجديد والأجد بتعبير الدكتور المقالح في اليمن من أجل أن نقترب عن كثب من ممكنات هذا الشكل الشعري الوليد في اليمن , وكيف كانت تجربة الشاعر مستوعبة لمعطيات الومضة وثرائها العميق في الاختزال والتكثيف والقدرة على الإدهاش والخلق الفني.
العنوان المثير الرقص مع العجوز , يدفعنا إلى إقامة العديد من التساؤلات والخيارات أمام معطى العجوز التي ترقص , والرقص الممكن معها , هل هي أنثى؟ هي بالفعل أنثى ,ولكنها من نوع آخر من الإناث ,إنها إطار عام يحيط بهذا العالم , إنها وجود إنساني وحياة مثيرة للشك والقلق والتساؤل , إنها علاقة تربط فرداً بعالم متسع وغريب ومليء بالدهشة والحيرة, وهذه العلاقة أشبه بالرقص ولكن مع عجوز, هذه العتبة المهمة تفتح أفقاً أمام القارئ يمكّنه من العطاء في قراءة النصوص وتناولها .
والعتبة الشعرية الأخرى هي عنوان الومضات, التي ربما تكون أحياناً هي النص بكامله ولولاها لفقد النص قيمته هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى جعلها إشارات وإيحاءات تمد جزئية من النص, لكن الأهم أنه لم يباشرها بقدر مامنحها مفارقة وانزياحاً يضيء للقصيدة طريقها.
لا بد أن نعرف أن الزمان والمكان في شعر الومضة يأخذا هيئات غير معتادة ومسافات أكبر يتحول فيه الزمان والمكان إلى قوارب وأدوات للتناول كون الإطار الفني والفلسفي لهذا الشكل يتطلب ذلك , ولا غرابة في عدم اعتداد الشاعر بخصوصيتهما.
إن أهم اعتماد ينطلق منه شعر الومضة, المفارقة والسخرية التي تعطي الصور أبعاداً وطرافة, لكن الأجمل هو الربط بين المعنى والصورة الشعرية القائمة على المفارقة والقدرة على تجاوز الخلل أوالشلل الذي يهبط بجوهر الموقف الفني:
أدخن ضلوعي
واحداً واحداً
ولا أبلغ حواء من رئتي
خرجت سحابة
ثم أمطرت
في بلد مجاورة
أو قوله:
مهما ركضت في مخيلة السلحفاة
فإنك لن تصل قلبها
الارتباط اللفظي والوحدة العضوية مكون من مكونات الصورة الأدبية وطرافتها:
يلجأون للدواء ليقاوموا النهاية
رغم أن الأدوية كلها
تحمل تاريخ انتهاء.
فحين تلج رهافة المعنى على الصورة, ينخدع الشاعر بمشاهد متشابكة ,كالسلسلة المتتابعة , وكثيراً ماتأتي قصيدة الومضة نقلاً لمشهد متحرك يبدأ وينتهي وكأنها صور فوتوغرافية متحركة كما في قوله:
في الحديقة
كانت تلوح لرجل يجلس بجواري
ظننتها تلوّح لي
فرددت التحية على فتاة تجلس بجوارها
تظن فتاة ثالثة بجوارها
إني ألوّح لها
فتتجاهل رجلاً ثالثاً
يجلس بجوارها.
أو كقوله:
وحدها القيثارة
نجت من غرق السفينة
حين لمستها أصابعي
أنتِ النوارس
في المرافئ البعيدة.
وبما أن الشاعر حاول فك شفرات نفسه لكن في لمسات مختزلة جداً ,اختزال لكينونة قصيرة حتمية الوقوع نافذة المعنى, ففي ومضة بعنوان تمنع:
الفتاة التي هربت مني
تركت ظلها يهرب إليَّ
قد يكون للتأمل والوقوف أمام تساؤلات عدة في الحياة نصيب في ومضات عمار النجار, حيث يغلق أحياناً الومضة وفي أخرى يجعلها مفتوحة للتأويل:
من البعيد أتوا
أشد إصراراً من فأس انطلقوا
أكثر تعجّلاً من شجرة تهوي ساروا
أنصع لمعاناً من قطرة عرق لاحوا
في جبين الحطاب.
أو كقوله :
منذ ألقيت حجر الشمس
في الجدار
ما فتئت
حلقاتُ الضوءِ تتموج.
أو في المغني الأعمى:
الذين نبشوا قبره
لم يجدوا إلا عينيه.
إذا ما تعمقت قليلاً في قصيدة الومضة, لوجدت مدى التساؤل الذي يقيمه هذا الشكل الشعري ومدى الغرابة والنظر بكثب لوجه الحياة المغاير القائم على التعدد والمعتمد على فلسفة ما, في إقامة المشهد الفني الذي حاول أن يزيح صورة جامدة منه, ويقدم صورة مدهشة ومثيرة في نفس الوقت , فمثلاً لو قرأت هذه الومضة لوجدت أنه يعكس المنظور الهائل الذي يصعب أن تصفه مثل (الحضارة) وكيف أنه التقطه في صورة مدهشة:
داخل القفص الصغير عجلة
لا تتوقف عن الدوران
لأن بداخلها فأراً يركض بدأب
ليشاهده الناس ويشعروا بالاسترخاء
كلما زاد لهاؤه
زاد استرخاؤهم.
وكثيراً ماتكون النصوص في الومضة, أشبه ببرق خاطف يستوعب حالة شعورية أو تأملية أومعرفية, لكن الاعتماد على التركيز والتكثيف في وعي شعري عميق وهذا ما نجده عند عمار النجار كما في قوله:
أغادر
غرفتي المعتمة
وأنا أتساءلُ:
أما زال العالم موجوداً بالخارج؟
يصدم يعسوبٌ
بهواجسي
فأكف عن القلق.
هنا تراه كيف يصوِّر لنا الوجود, وحال الفرد الذي تعتريه حيرة وتوجس تجاهه من خلال الغرفة المعتمة, التي تمثِّل العالم الكئيب والعالم الذي خارج الغرفة يمثِّل الوجود أو العكس ولماذا اليعسوب؟ وكيف نقل لنا المشهد ثانية من خلال اليعسوب والهواجس؟ فتح شهية للتساؤل والتعمق في أمر كهذا , لذا الومضة تساؤل باستمرار في جوهر الحياة.
كما في قوله:
كنت لا أرى وجهي إلا في الحيطان
بعد انقشاع السقف
صارت السماء وجهي
في هذه الومضة فلسفة خاصة ليس في الرؤيا فحسب ولكن في الوعي والتفكير, في الحصر والقيد في الانتماء والنفي فيها إشارات عديدة , هنا يكون الإدهاش بارزاً كما في هذه الومضة الكثيفة المغزى والعميقة الرؤيا , تختزل فلسفات وانثيالات نفسية مختلفة.
وحتى إن كانت الومضة تصويراً لموقف ما, لكن ما أبدعها إن كانت لشعور, إن كانت العاطفة تزين مخملها وتدغدغ جوهرها ,في ومضة (صبية) أول قصيدة في الديوان , حس إنساني مرهف, أمل طويل ورغبة في الوصول ,نضال من أجل الأمنية يقين من أجل الحب:
ستكبرين لا محالة
وتبلغين أحضاني ذات يوم
لن يهرم صدري
لن تشيخ أغنيتي
ستظل طرية
حتى تجيدي
الرقص..
وأخيراً يمكن القول: إن اللغة الشعرية عنده حية وخالية من الألفاظ الوعرة والميتة, لغة خدمت الفكرة والصورة، فيها شفافية، فيها تمرد ورفض وذاتية, ولذا فاللغة ولَّدت إيقاعاً خاصاً تحسُّه من خلالها ألفاظاً وتراكيب وسياقاً , تجربة عمار النجار تجربة مهمة وثرية وغنية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.