أنور سلطان تتمثل عدالة القضية الجنوبية في انها قضية مظلومية . والله العدل جل فى علاه مع المظلوم على الظالم . وطبيعة المظلومية هى انها مظلومية شعب بكامله بكل افراده وفئاته وشرائحه. مظلومية وطن وشعب فى وطنه ، وهى اشد انواع الظلم . فالظلم فيها ظلم طاغ عام يشمل كل الافراد دون استثناء، حيث اصبح الكل تحت رحمة المحتل ، وهو عدوان شامل على الانفس والاعراض والارزاق والثروات . إنها مظلومية طبيعتها عدوان على الوجود ذاته . ان الدين يأمر بإقامة العدل وينهى عن العدوان والبغى ، وهى امور يقررها العصر واوضاعه ، ولا ينفصل العدل والحق عن واقع العصر السياسى والاقتصادى والاجتماعى اطلاقا باى حال من الاحوال . ولان العصر اليوم يحتم قيام الدولة الوطنية لكل شعب التى اصبح وجودها حيويا لوجود اى شعب وحفظ مصالحه ، ولان الدولة الوطنية اليوم تمثل مصلحة وجود قبل كل شئ ، وهى اعلى مصلحة يمكن تصورها ، فهى لذلك تمثل اكبر حق بدونه تسقط كل الحقوق والحرمات ، والدين ما جاء الا لاقامة العدل ، وما العدل الا حفظ الحق وتمكين صاحبه منه وصيانته من اى عدوان بمنعه او رده . وبالتالى فالعدوان اليوم على شعب فى وطنه من دولة من الدول ليس الا عدوان يحرمه الدين والعقل والمنطق وكل الشرائع السماوية والوضعية . من طبيعة الدولة الوطنية انها دولة لشعبها وحده . فعلى ارضه قامت ومنه تستمد وجودها وشرعيتها . وبدولته يحفظ الشعب وجوده ، والا اصبح نهابا مباحا للدول القائمة . والدولة الوطنية لها شرعية كدولة بغض النظر عن شرعية النظام الداخلية وبقائه وتغيره . ووجودها من وجود شعبها ذلك ان وجودها انعكاس لوجود شعبها ، فمن افراده تتشكل مؤسساتها وادراتها السيادية وعلى راسها الجيش والاستخبارات والامن والقضاء ، وتتشكل مؤسساتها ومرافقها الخدمية . انها مكتفية وجوديا ، وبالتالى عندما تغزو دولةٌ دولةً اخرى انما تلغى شعب الدولة التى غزتها فى التو واللحظة بالغائها سلطة دولته المستمدة منه وله ، والتى تحفظ وجوده وحقوقه ، وتضع سلطة الاحتلال نفسها مقابل هذا الشعب الغريب عنها والغريبة عنه ، انها تلغى الشعب فى التو واللحظة ولا تراه الا عبئا عليها ، ويصبح وجود الشعب معرض للخطر الفعلى ، لا سيما اذا كان هدف الغزو الارض والثروة . واول ما تفلعه الدولة الغازية من استهداف للشعب هو حل مؤسساته السيادية مكتفية بمؤسساتها السيادية المجلوبة التى تغزو بها ارض الشعب المغلوب فيصبح فى مهب الريح ومصيره معلق بيد الغازى (حيث هناك وجود متبادل بين الشعب ودولته ، فعندما تندثر يصبح الشعب معرضا للاندثار)، وتعمل على إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة ، حيث تغزوها بموظفيها المجلوبين من ابنائها ، كما غزت الارض بمؤسساتها العسكرية ، فتمرضها فلا تعود تخدم الشعب صاحبها الاصلى بل تجيرها لخدمة وجودها ووتجعلها اداة للسيطرة على الشعب مثل الشرطة والاحوال المدنية ، او تشلها مثل الصحة ، او تضعف دروها مثل التعليم . عندما تسقط سلطة الدولة الوطنية بفعل غزو دولة اخرى تسقط السلطة الاجتماعية تبعا لها ، نظرا لوجود سلطة غازية غريبة عن المجتمع ، تفرغ السلطة الاجتماعية من مضمونها باخضاعها لها . ومن طرق الاخضاع ، تنصيب اعيان موالين وتنحية المخلصين او التضييق عليهم ان لم يطالهم القتل والاغتيال ، فيفقد المجتمع سلطته على افراده ، وتصبح سلطة الاحتلال المعادية بطبيعتها ، الغريبة قيما واخلاقا ، هى المرجعية مباشرة او بشكل غير مباشر عبر اعيان خاضعين . عندئذ تسقط ادوات الضبط الاجتماعى فتتعرض قيم المجتمع واخلاقه للضعف وخطر الزوال . وعند ضعف ادوات الضبط الاجتماعى او سقوطها وحدوث التغير الحتمى فى القيم ، يحدث التفكك الاجتماعى الذى يتسع يوما بعد يوم . ومالم يستشعر المجتمع الخطر ويدركه ويهب لمواجهته فالنتجية الحتمية هى الاندثار والزوال كمجتمع . وما المجتمع الا سلطة ضبط وتنشئة وقيم وعادات وتقاليد واعراف تحكم العلاقات الاجتماعية ، وسلطة سياسية تمثل النسيج الضام والدرع الواقى الذى يحيط بالكل ويشده الى بعض ويحميه . وسقوط كل هذه السلطات يستتبعه فى المطاف الاخير سقوط الروابط الاجتماعية وعلى راسها الاخلاق مما يدفع بالمجتمع لخطر الزوال . وباختصار ، ان الوطن فى هذه العصر واستقلاله وسيادته يقول بها فقه الواقع ويحتمها ، وكل ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بمصالح الشعوب واعلى هذه المصالح وجودها ، والتى بدورها لا تعنى الا وجود افراد المجتمع بكل فئاته وشرائحه ، وتمس وجودهم مباشرة . واخذ المصلحة فى الاعتبار من صميم الدين ، واقامة العدل من ركائزه . واستباحة وطن شعب من الشعوب وغزوه انما هو عمل قمة فى الاجرام والعدوان مناف للدين وجوهر الدين وطبيعته الذى هو الحق ، حيث لم تنزل الاديان الا لاحقاق الحق ؛ من حق الله الى حق ادنى شئ فى الوجود . وبالتالى لا يمثل احتلال ( ج ع ى ) الا اسقاط للحق ، اسقاط للعدل وهدم للمصلحة الحيوية للشعب كشعب وافراده كبشر ، هو استباحة مباشرة للانسان ، جماعة وفردا ، وكل ما يتعلق به ، وهذه الاستباحة ما هى استباحة لاحكام الدين ، وتعد لحدود الله . عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) رواه الترمذي ( 1421 ) والنسائي ( 4095 ) وأبو داود ( 4772 ) وصححه الألباني في " إرواء الغليل " ( 708 ) . رابط الحديث : http://islamqa.info/ar/ref/78978 هذا الفرد يقاتل دون مظلمته ، فما بالك اذا استهدف شعب ووطن بأكمله . لا فرق بين الدفاع عن الدين وعن الحقوق الاخرى فهى سواء، وهى من بعض. وما نزلت الاديان ولا ارسلت الرسل الا لحفظ الحقوق ومنها حفظ الاعراض والانفس والاموال ومن باب اولى الاوطان؛ فلا كرامة ولا عرض ولا مال ولا حياة ولا مستقبل بل ولا وجود اذا استبح وطن قوم وارضهم من قوة غازية . فقد حرم الله ان ياخذ اخ نعجة اخيه {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ (24)} [ص : 23 - 24] فما بالك بمن يدعى فى وطن بأكمله ويغتصبه عنوة ، ويهدر دماء ابنائه عن بكرة ابيهم ، فحاشا لله العدل ان يبيح لهم بغيهم واستحلالهم كل محرم من الدماء والاموال والاعراض ، وحاشا لله ان يجعل شعبا اهون من نعجة ، ووطنا ارخص من قيد حمار .