أتعبنا هذا المعلم كما أتعب نفسه، وبالرغم من ذكائه الشديد في مجال استقراء الأعمال وما ينجح منها وما يفشل، إلا أنه متعب لكل من حوله، ولم نعرف يوماً ما، أن هذا المعلم محبوب من شخص ما.. ولم نعرف أن المعلم حكشة ملتزم دينياً، فقد وجدناه دائماً يبدو ملتزماً، وفي الواقع هو بعيد كل البعد عن أي وازع يمنعه عن أي شيء، بل إنه كثيراً ما يتفاخر بالفجر والفسوق. والمقصود بالمعلم حكشة هو أنه معلم وحكشة في نفس الوقت، وكما في اللهجة العامية المصرية واللبنانية والسورية وبعض البلدان الأخرى، فإن لفظ المعلم تعني صاحب العمل مع خلاف أن في لبنان وسوريا كل صاحب عمل هو معلم، أما في مصر فالمقصود بالمعلم هو صاحب الوكالة أو الورشة أو التجارة في شركة ليس لديها أي نظم إدارية، وإنما المعلم هو المتحكم الأوحد فيها. وعادة ما يكون المعلم حكشة غير متعلم، أو متعلم جزئياً، أو حتى متعلم أحياناً ولكنه لا يلتزم بتطبيق ما تعلمه على خلفية أنه فوق العلم والمتعلمين، ولديه موظفون متعلمون ومحترفون في مجالاتهم لإيمانه الداخلي أن العمل لن يتم بدون هؤلاء، فهو يتباهى أمام الآخرين بأن لديه هؤلاء النخبة الذين يدفع لهم مبالغ طائلة، ويشعر كذلك بالسعادة وتحقيق الذات المفقودة لديه من خلال توجيه الأوامر لكل هؤلاء، وقد يستلزم ذلك أحياناً تعيين بعض الموظفين الذين يشعرونه بذلك حتى وإن لم يقوموا بأية أعمال مفيدة للشركة. أما كلمة حكشة فتعني هنا جهل الشخص وأمّيته العلمية وفشله في إدارة أعماله. أما الوكالة في مصر فكانت تعني وجود مخزن لقطع الغيار على سبيل المثال، ولديه بعض العاملين، وقد يكون لديه محاسب في بعض الأحيان، أما المعلم فكان يجلس على باب الوكالة، والشيشة دائماً في يده، وعلى الطاولة بجانبه كوب من الشاي، وكوب آخر من الماء البارد. المعلم على دراية بكل شيء داخل الوكالة، وصاحب ذاكرة حديدية، ويستطيع أن يحسب التكلفة والمكسب ويحدد سعر البيع وهو جالس في مكانه دون اللجوء للمحاسب، وهو في هذه الحالة شخصية معروفة ومحترمة ويقدرها الجميع، وهو ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزاً في مقامنا هذا المعلم التقليدي. هذه الشخصية مع بداية عصر الانفتاح انفتحت على كافة المجالات، وأصبح المعلم حكشة في كل مكان، فضاعت هيبة الشخصية، وفسد مجتمع المال والأعمال، فقد كان المعلم حكشة سابقاً معروفة مجالاته، أما مع بداية عصر الانفتاح، فقد وجدنا المعلم حكشة انتشر كالجراد، أصبح في كل مكان، بل أصبح صاحب الشركات الكبرى، وأصبح المتعلمون بكافة المستويات حتى حملة الماجستير والدكتوراه موظفين لدى المعلم حكشة، حتى المناصب العليا نتيجة سطوة المال كانت تحت أمر ترشيحات المعلم في بعض الأحيان. ومن يجرؤ على رفض طلب للمعلم وقد مدت يده سابقاً لتحمل من عطاياه، ولم يبخل المعلم في هذا المجال، فهو يعرف جيداً كيف يوقِع زبائنه تحت سيطرته، والمعلم حكشة لا يقف في طريق رزق أحد، إلا إذا تمرّد عليه وخاصة إذا اختار أن يعمل لدى منافسيه، فلديه الاستعداد في هذه الحالة أن يقيم الدنيا ولا يقعدها حتى أنه يعتبرها مسألة كرامة وعدم احترام. والذي دفعني أن أكتب عن المعلم حكشة أسباب استفزازية كثيرة منها: أولاً: أنني عملت وتعاملت مع كثير منهم وعانيت كثيراً من تعاملهم ولكني أيضاً تعلمت منهم بعض الأشياء، وبغضت الكثير من فلسفاتهم في العمل. ثانياً: هذه ظاهرة تستحق الدراسة، فالمعلم حكشة موجود في كل مكان، ومسيطر على قطاعات كبيرة، والمسألة نسبية، فمن قد يقاس على أنه مؤهل بشكل مناسب لمكان ما، قد يكون حكشة في مكان آخر. ثالثاً: نحن نريد أن نتعلّم من المعلم حكشة أسرار نجاحه، كما نريد أن يتعلم منّا ما يساعده على أن يكون أكثر نجاحاً، أو على الأقل إذا استطعنا أن نقوم بتطوير معلم حكشة جديد أكثر تفتحاً على أساليب الإدارة الحديثة، بحيث ندمجه في المجتمع دون التأثيرات السلبية له على الآخرين، وفي نهاية هذه المقدمة أترحم على جميع معلمي الحكشة الذين توفّاهم الله، وآمل خيرًا في المنتشرين أن يرحمونا ويرحموا أنفسهم.