لعل من أفضل المزايا التي تتمتع بها المملكة التركيبة السكانية الشابة التي قد تغبطنا عليها الكثير من الأمم التي تعاني انخفاضا كبيرا في معدلات الخصوبة، حيث إن الخصائص الديموغرافية للسكان السعوديين، وفقا للدكتور عبدالله دحلان أمام منتدى جدة الاقتصادي أمس الأول، أظهرت أن 48،3 في المئة من إجمالي السعوديين هم من فئة عمرية تقع بين 15 44 سنة، ونسبة الذكور السعوديين لنفس الفئة العمرية تبلغ 48،2 في المئة، والإناث 48،4 في المئة لذات الفئة العمرية.وبقدر ما يعتبر ارتفاع نسبة الشباب عاملا مهما من عوامل التنمية، فهو أيضا يمكن أن يكون عبئا كبيرا إذا لم يتم توظيفه بشكل جيد، وهو أمر متوقع نظرا للطاقة الهائلة التي تميز هذه الفئة العمرية، وتزايد متطلباتها مقارنة بالشرائح الأخرى. وقد نكون مخطئين إذا ما استمررنا في تجاهل مطالب الشباب التي لم تعد خافية على مختلف مسؤولي الحكومة بعد نجاح الشباب في التعبير عنها بشكل واضح في السنوات القليلة الماضية، عبر وسائط الإعلام الجديد، ويكفي تصفح سريع لليوتيوب من أجل معرفة حجم المطالب ومقدار الشعور المرير بالإحباط.ومن المؤكد فإن مطالب الشباب السعوديين لا تختلف كثيرا عن مطالب أقرانهم في معظم دول العالم، إلا أن مايجعلها متميزة هو إدراكهم للمكانة الاستثنائية التي تشغلها بلادنا في الاقتصاد العالمي، بحكم الموارد النفطية التي قد لا يلمس الكثير من الشباب تأثيرا مباشرا لها على حياتهم، فحتما هم يتطلعون لتعليم نوعي يواكب احتياجات سوق العمل، ويفتح أمام الكثيرين منهم أبوابا مغلقة للتوظيف، ومفاتيحها لدى المسؤولين عن التعليم بشقيه الأولي والعالي.أيضا، فإن أولئك الشباب بحاجة إلى بدائل كثيرة لامتصاص أوقات فراغهم وطاقاتهم الكبيرة التي توجه الكثير منها لممارسات وسلوكيات ضارة والبعض منها خطير، وما ذاك إلا لمحدودية أو انعدام البدائل المتاحة أمام وجوه الكثيرين منهم ممن لا يمكن إقناعهم بأن افتتاح صالات سينما عائلية على سبيل المثال هو أمر محرم دينيا في الوقت الذي يشاهدون فيه إعلامهم الرسمي والموازي، أي الذي يتم تمويله برساميل وطنيه وهو يعرض صباح مساء ما قيل لهم بأنه حرام.أما إذا تجاوزنا الجزئية السابقة نظرا لحساسيتها فإن مما يؤرق شبابنا هو حلم الحصول على وظيفة بعد التخرج تتناسب مع مؤهلاتهم، وذات دخل معقول يتيح لهم بدء حياة أسرية بدون أن تكبلها ديون البنوك، والتزامات بطاقات الإئتمان، وقروض الأصدقاء. ومن نفس منطق عشم شبابنا في بلادهم، فإن الكثيرين منهم يتساءلون بحيرة شديدة عن أسباب عدم استطاعة آبائهم تملك مساكن مناسبة بأقساط غير مرهقة، في بلد ليس فيها شيء يوازي اتساع المساحة سوى وفرة النفط، وارتفاع حجم الاحتياطيات المالية بفضل الله عاما بعد عام. ما تقدم لا يعكس سوى جانب من مطالب الشباب لأن نسبة كبيرة منهم يستعصي عليها قبول ما يراه من تواضع مستوى الكثير من الخدمات العامة، كمحدودية الطاقة الاستيعابية للمرافق الصحية، وعجزها الواضح عن مواكبة الاحتياجات، وكذلك رداءة الكثير من الطرقات والشوارع سواء داخل المدن أو بين المناطق ، والارتفاع المستمر وغير المبرر في الأسعار، هذا فضلا عن معاندة بعض البرامج الحكومية المستمرة لهم وفي مقدمتها (نظام حافز، ونظام ساهر). وثمة موضوع خطير ويعتبر أحد العوامل الرئيسية لزيادة إحباط الشباب هو البطء الملحوظ على كشف ومعاقبة الفاسدين الذين يقرأ الشباب عنهم ليل نهار ثم لا يلمسون مواقف جادة نحو الكشف عن شخصياتهم، واسترجاع الأموال التي استولوا عليها من مال الوطن بدون وجه حق.وفي الختام فقد يكون غريبا أن بلدا يمثل الشباب من الجنسين، الغالبية العظمى من سكانها، ومع ذلك فليس هناك وزارة خاصة بهم، تهتم بشؤونهم، وتدافع عن مصالحهم، وتعمل على زيادة مكتسباتهم، وعلى توسيع الخيارات المطروحة أمامهم سواء في الجوانب الدراسية أو المعيشية أو حتى الترفيهية، ترى هل مطالب شبابنا تتسم بالموضوعية أم تراهم يبالغون ؟!. تويتر: gbadkook@