عادت أيام الطفرة، وعدنا إلى مواجهة الضغوط نفسها التي عانيناها في العام 2008 وما قبله، فالشوارع مزدحمة، والغلاء قائم ويتضخم في العديد من القطاعات عن مستوياته المسجلة في العقد الماضي، على الرغم من الأرقام الرسمية من هنا وهناك، والحياة وتفاصيلها اليومية باتت أصعب، رغم كل ما تبذله الحكومة من جهود، وتطرحه من مبادرات . ضغوط التضخم من كل حدب وصوب، تأتيك من البيت ومستلزماته مرتفعة التكاليف، ومن المدارس التي تصر على أن قيمة التشغيل زادت، وأن الرسوم لا بد أن تزيد أيضاً، ومن العلاج الذي هو قصة ثانية لا تعرف حدوداً لميزانية الفرد الذي لا بد أن يتعالج لأن صحته أولوية، إلى الإيجارات التي ارتفع الطلب عليها فارتفعت بمعدلات تفوق نسبها أضعاف ما تجنيه من زيادات في الراتب والعمل الخاص . كل ذلك يمكن أن يكون مقبولاً ما دام الانتعاش عاد والأوضاع الاقتصادية طوت صفحة الماضي والأرباح ظهرت من جديد، لكن ما هو غير مقبول أن تعاني رغم كل المغالاة السعرية للحصول على خدمات بجودة أقل، وهو أمر لا يقتصر على مدينة أو إمارة بعينها، إنما أصبح ظاهرة عامة . فالوصول إلى مقعد دراسي في المراحل الأولى والمتوسطة يتطلب "واسطة"، وإلا عليك الانضمام إلى قائمة انتظار تمتد لأكثر من عامين، إن كنت محظوظاً، رغم أن تكاليف هذا المقعد تفوق تكلفة الدراسة في بريطانيا أو أمريكا . أما الحصول على موعد مع طبيب، أو مراجعة مستشفى خاص أو حكومي، لإجراء تحليل دوري، فالأمر ليس يسيراً، فهو يحتاج إلى أسابيع وليس أياماً، حتى إن الأمر ذاته ينطبق على سيارتك للاطمئنان عليها وعلى زيتها ومكابحها، ومهما كان سعرها وطرازها . أسعار السلع أيضاً "طارت" تحت بند تكاليف التشغيل المرتفعة أيضاً، فمراكز التسوق، وخاصة الكبيرة منها، لم تعد مجرد مؤجر فقط، إنها شريكة المتاجر في المبيعات وفي الأرباح، أما "الهايبر ماركت"، ومعها الجمعيات التعاونية التي قامت على أساس توفير بدائل لذوي الدخل المحدود، فأضحت أكبر المستفيدين من ارتفاع الطلب على السلع المباعة من عندها . أما إذا أردت الاستمتاع بخدمات الإمارات السياحية والترفيهية فهذه قصة ثانية وميزانياتها مختلفة، فأسعارها تفوق حدود ميزانيات محدودي الدخل، فعلى المواطن أو المقيم في الإمارات أن يتعايش مع الأوضاع اليومية وكأنه سائح يقضي بضعة أيام في البلاد ادخر لمدة عام لزيارته . معالجة ما تقدم وغيرها من ظواهر لا يمكن أن يتم عبر قرار حكومي، إنه يحتاج إلى وعي شامل ومسؤولية أكبر من الجميع، كل في موقعه في القطاع الخاص كما هو في الحكومة، إنها جهود مشتركة تتطلب تضافر جهود شرائح المجتمع كافة .