"إنهم لا يعرفون المعاناة، نحن من تسحقنا الحياة، هؤلاء تجري من تحتهم الأنهار، يسرحون ويمرحون مع خدمهم، كل شيء يأتي إليهم ولا يسيرون إليه، نحن الكادحون المتعبون الذين نحسن التعبير عن همومنا وآلامنا بالثقافة والشعر" . هذه العبارات يرددها بعض اليائسين الذين يسلمون أنفسهم لانكسارات الحياة، ويصبحون ملكاً للمصائب والمتاعب والهموم والأوجاع، ويحصرون نظرتهم للآخرين في قول الشاعر: وإذا رأتْ يوماً غنياً مقبلاً خضعت إليه وحركت أذنابها وهنا يحق لنا التساؤل، هل المعاناة حكراً على الفقراء؟ وهل المترفون منزهون عنها ولا تقترب منهم؟ وهل أصبح هذا الترف للمعاناة كالمرض الجلدي المعدي الذي تهرب منه وتتبرأ من وجوده؟ . حين هربت ميسون بنت بحدل من قصور الشام، وعادت إلى الصحراء والخيام في بيئتها الأصلية التي قدمت منها، لم يلتفت البعض إلى أنها رفضت الترف لأنه معاناة، ولأنها عايشت معاناة الكبار، هذا الهروب الذي قررته ميسون هو رسالة لكل من يتمعن في قصتها في أن المعاناة غير مقتصرة على فئة دون فئة، لكن ترجمة هذه المعاناة قد لا تظهر لمن يتلمسون القشور، ويكتفون بالوقوف بجانب الجدران مندهشين من تصاميمها الفارهة، والوصول إلى معرفة حجم المعاناة ومدى الدمار النفسي أو العاطفي أو غيره التي تحتضنها تلك البيوت، يحتاج إلى عبور تلك الحواجز الاسمنتية، والاقتراب من تلك النفوس بحب، لمعرفة ما تحمله من معاناة دفعت البعض منهم للخروج من حجبهم ليقولوا للآخرين: نحن بشر مثلكم، نعاني مما تعانون منه ولا نختلف عنكم في شيء، وليس الترف هو من يملكنا السعادة الأبدية الخالية من الكدر والكآبة والرتابة . امرؤ القيس أمير وابن ملك، لكن معاناته كانت مع الترف الذي خنق حريته، فهرب منه إلى لهوه وحريته التي اختارها وأصبحت لباسه، وهام عشقاً في الصحراء ليسطر لنا رواية معاناة حقيقية، واتضحت معاناته الحقيقية في بيت من معلقته الطويلة، حين ناجى الليل الذي طال عليه في رجاء أمل مقبل في الصباح الذي يراه أيضاً كالليل لا يحمل إلا مثل ما حمل: ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي بصُبْحٍ وما الإصْباح مِنك بأمثَلِ ولم تكن المعاناة بعيدة عن أبي فراس الحمداني الأمير وابن أخ سيف الدولة الحمداني، فقد أطلق صرخة اعتراف مدوية عن النار التي بين جوانحه، وسجلها شعراً خالداً يبين أن المعاناة تشمل الكبار أيضاً: تكاد تضيء النار بين جوانحي إذا هي أذكتها الصبابة والفكرُ ونماذج المعاناة لا تقتصر على شعراء الفصيح، فمثلها توجد نماذج كثيرة تصحح الفهم الخاطئ لشعور ومعاناة أصحاب الوجاهة، فالأمير بدر بن عبدالمحسن صحح هذا الفهم في قصيدته التي عنونها "رسالة من بدوي" وكانت أيضاً عنواناً لمجموعة شعرية، وصور تلك المعاناة في لغة رقيقة تعبر عن قساوة عالية: يا بنت أنا للشمس في جلدي احروق وعلى سموم القيظ تزهر حياتي ويتجلى حجم المعاناة وقسوتها من خلال البيت الذي يصور فيه مشهد العطش الشديد الناتج عن حر الصحراء، لدرجة أن اللسان جف ولم يجد ريقاً يبل جفافه فجرح لهاته وهو يطارد السراب بلا جدوى: أطرد سراب اللال في مرتع النوق ومن الظما يجرح لساني لهاتي كما أن الأمير عبدالرحمن بن مساعد، هذا المركب المتعب بحب الناس، صور لنا من خلال "شبيه الريح" تلك المعاناة التي أسهمت في عملية الخلق والابتكار في الشعر: عيوني يَمْ وقلبي المركب المتعب وإنت الريح مجاديفي عذاب وهم وزاد الهم والتجريح إذن فإن معاناة الكبار صنعت لنا إرثاً غنياً، وثراء شعرياً راقياً .