| كمال علي الخرس | «قيمة الفضة أقل من قيمة الذهب، وقيمة الذهب أقل من قيمة الفضيلة». هوراس (العقد الأول ق.م). في معركة منع الاختلاط في الجامعة في التسعينات من القرن الماضي كان الهدف المعلن من الاطراف المختلفة هو الدفاع عن التعليم وعن الفضيلة، ولكن الفضيلة او التعليم كانتا الضحيتين الأكبر لهذا الصراع. جاء قانون منع الاختلاط بعد حراك تشريعي قوي من التيارات الدينية الإسلامية، وكانت الدعوة هي الحفاظ على الاخلاق والقيم الاسلامية. لقد نظر اصحاب تشريع المنع إلى الجانب القانوني والتشريعي للموضوع، وقاموا بعزل الطلاب عن الطالبات للحفاظ على القيم، لكنهم لم يعيروا انتباها اكبر للجوانب التقنية للموضوع، كتأثيره على عدد المقررات والقدرة الاستيعابية للشعب الدراسية، ولم يراعوا بشكل مناسب تأثير القرار على التحصيل العلمي في ظل التزام المؤسسة الاكاديمية بالتعليم المنفصل. كذلك كان في طرح موضوع منع الاختلاط بالطريقة التي تمت إلى نوع من التشكيك في نوايا الطلبة ومس في كراماتهم، خاصة ان الاختلاط في الجامعة كان امرا واقعا. لقد كان الاجدى أن يتم التعامل مع القضايا الاخلاقية في المؤسسات التعليمية الاكاديمية تعاملا تربويا في اطار الجامعة دون ادخال اليد التشريعية لتفصل بالموضوع، وكان الاجدى أيضا للتيارات الاسلامية التي قامت بطرح الموضوع اتباع طرق ارشادية لتحقيق اهدافها بطريقة تعزز القيم التي تدعو اليها وتنهض في الوقت نفسه بالتحصيل العلمي الاكاديمي الذي يعاني مشاكل وعوائق كثيرة أصلا. لقد تم مواجهة هذه القوة التشريعية الكاسحة من قبل اصحاب ما يسمون بذوي الاتجاه الليبرالي، الذين ارادوا ان يمنعوا قانون منع الاختلاط، ليهدموا بنيان معوج مائل لليمين ويبنوا اخر معوجا نحو اليسار. وقام هؤلاء بالدفاع عن الاختلاط وذكر فوائده وذكر مضار العزل، وقاموا بالتركيز على الجوانب التقنية للموضوع وتجاهلوا القيم الأخلاقية وكأنما كان ذلك عنادا ونكاية بالتيارات السياسية الاسلامية. الآن يأتي المشرعون الجدد ويقوموا بإثارة الموضوع مرة اخرى مرتكبين اخطاء من سبقوهم، فلم يقوموا بالتركيز على اصلاح التعليم وتطويره، وبالخصوص التعليم الاكاديمي وهو بيت القصيد هنا، لكنهم عادوا إلى موضوع السماح بالاختلاط بدل منعه، وبرروا ذلك كما فعل معارضو المنع من قبل بذكر اضرار تقنية بسبب منع الاختلاط. المشرعون في المجلس الحالي احبوا ان يظهروا بدور المنصف في الموضوع، فأضافوا مقولة ان التنشئة الفاضلة هي التي تحقق الغايات المطلوبة وليس منع الاختلاط، لان الاختلاط موجود في الاسواق وأماكن العمل وغيرها. صحيح ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح لمقدمي الاقتراح، أليس من الأولى تدعيم الاقتراح بمقترحات عملية فعلية تنمي الأخلاق الفاضلة بجانب التعليم المختلط؟ ألم يكن ممكنا لمقدمي الاقتراح أن يستفيدوا من الجدل الذي دار سابقا حول الموضوع بين مؤيد ومعارض، ويقوموا بطرح مقترح وسط يحقق الرقي الأكاديمي وتطوير التحصيل العلمي وجعله ميسورا غير معسر للطلبة، بجانب التركيز ايضا على تعزيز القيم الاخلاقية في الحرم الاكاديمي. ان حقيقة الامر والتي لا لبس فيها هو ان التعليم الاكاديمي في الكويت يشكو القصور ويحتاج إلى تطوير والى رعاية اكبر، والحقيقة الأخرى التي لا لبس فيها أن الاخلاق الاسلامية الفاضلة حاجة أكيدة ايضا ينبغي تعزيزها والحفاظ عليها وهي العش الآمن الرفيع للمجتمع المسلم، هذا المجتمع الذي تباعد بعض الشيء عن قيمه الاسلامية في ظل اجواء انفتاح غير مضبوطة وتحت وطئت الصراعات السياسية وظهور اشكال من التطرف ترتدي حلة دينية، فأصبح البعض يلتجئ من حر رمضاء التطرف إلى حر نار التحرر من الالتزامات الدينية. لقد أدى دخول القوة التشريعية للحرم الاكاديمي بشكل فضولي إلى منع الاختلاط بالشكل الذي هو مطبق حاليا، والآن ان كان هناك فضول تشريعي للتدخل مرة أخرى في حرم الجامعات وإلغاء قانون منع الاختلاط، فليتفضل المشرعون بوضع ضوابط وقوانين وتقديم مقترحات تشريعية تراعي الجوانب الأخلاقية وتقوم بتعزيز الفضيلة، والاحتشام في اللباس واحترام الثقافة والتعليمات الاسلامية من الفضائل التي يجب تأكيدها والحفاظ عليها. [email protected]