حين تغيب السياسة وتحدياتها، فان ما يبرز فيها هو التنظير، فالسياسة فعل من يملك الادراك والفهم والقدرة على التنفيذ، وهذا مفهوم وطني لها لانها اولاً واخيراً يجب ان تهدف الى بناء الوطن، وحينما يضيع الادراك ويتعطل الفهم فستمتلئ الساحة بالفراغ، وهنا يحضر التنظير الديني الديني، والديني العلماني، وتتناقض الآراء من دون الوصول الى نقطة اتفاق يستوعبها المتخلفون، ينطلقون بعدها الى آفاق العمل السياسي لمواجهة تحدياتهم وتحقيق غاياتهم. ولدينا في الكويت منطقان يتصادمان مع بعضهما، يحضر الاول ويغيب الثاني حين تغيب السياسة بفهمها وادراكها ووطنيتها، والمنطق الاول هو منطق المسجد، الذي يتصور ان الدين هو نقطة الارتكاز، التي ترتكز عليها المجالات وتقاس بالعلاقات، ولكونه منطق المسجد فله برغم ابوابه المفتوحة لكل المؤمنين هويتان سنية وشيعية بحكم طبيعة اختلاف المذاهب اللامنتهي، لذلك فهو يقلب الوطن الى مسجد واسع بمساحته، وضيق برحابته، يتحول فيه المواطنون الى اخوة مؤمنين، فالمواطنة وفق هذا المنطق يتم تجاهلها او استبعادها، فتبدأ تلقائياً مأساة التفرقة مشوارها، وتبدأ بعدها علامات نفي التعصب على الدين ذاته، وهي علامات لم يكن لها ما يبررها لو لم يتحكم اساسا منطق المسجد ويستحكم، ومثال ذلك على مستوى الامة كلها، ينطق امام الجميع حين انفجرت احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، هرول العرب جماعات وافراداً يتبرأون ويستنكرون ما حدث، ناسين ان كثيراً منهم انساق، بصرف النظر عن حقيقة من قام بالاحداث، في سنوات ما يسمى بالصحوة الاسلامية لمنطق المسجد نكاية في مصلحة عامة ورغبة في مصالح خاصة، ولا يبدو ان البعض الى الآن يرغب في التعلم من قراءة التاريخ، فيضع حدا لهذا الانسياق والمصلحة العامة، كونها عامة، تتطلب سيادة لمنطق الوطن الذي يقف امامه الناس كمواطنين وليس كأخوة مؤمنين، فالوطن هو الذي يحتوي المسجد، وهو الذي بغيابه تغيب السياسة ويحل التنظير، ويتشوه كل معنى نتصوره لوجودنا، وتتضاءل كل قيمة نظنها لانفسنا، وربما يقول قائل ان الحكومات، وهي التي تمتلك السياسات هي التي استبدلت منطق الوطن بمنطق المسجد، وأجد نفسي لا اختلف مع هذا القول فسياسات حكومية، وهنا اتحدث عن الكويت، شجعت هذا الاستبدال بعدما رأت ان منطق الوطن يعارض نهجاً اتخذته لنفسها ولمصلحتها، ومنطق المسجد لم تخلقه السياسة الحكومية، بل استغلته بعد ان وجدته مختزلاً في بعض النفوس، ومكمن الخطورة ان يتم فرضه على كل النفوس بموافقة النهج الحكومي، كما حدث ولا يزال يحدث في منع التعليم المشترك في جامعة حملت منارة البلد واسمه، لذلك فان اقتراح الغاء المنع يعيد الامور الى نصابها او كثير منه، فكيف يمكن الحديث عن تنمية عمرانية او اقتصادية لا يسبقها تلاق حضاري بين شباب البلد وشاباته في حرم جامعتها؟ كيف يمكن الحديث عن منع الانقسام في المجتمع بكل اشكاله ومجتمع العقول الشابة المثقفة مقسوم ومشكك في اخلاقه؟ كيف يمكن الحديث عن اسلام جامع مستنير ما لم يكن هو اسلام دستور 62 الذي كفل حرية العبادات وصان الاختلافات في الدين، بعدم جعل الشريعة المصدر الوحيد للتشريع؟ كيف يمكن ان نتحدث عن قيم من اي نوع ما لم تكن للوطن قيم وطنية ينبغي التثقف والتمسك بها؟ فهل يصح ان يجيب منطق المسجد عن هذه الاسئلة وغيرها كثير؟ واذا لم يتم ادراك منطق الوطن كيف يمكن ادراك معنى السياسة؟! ناصر العطار