دأبت منذ سنوات غير قليلة على قراءة السير الذاتية للكتّاب والشعراء والفنانين، لا لما تمتلكه من قيمة سردية وجمالية فحسب، بل لأنها تتيح للقارئ متعة الوقوف على الحيوات الغامضة وغير المعروفة لأولئك الممسوسين بنار الإبداع والمنذورين لرفع منسوب الجمال على الأرض . ومع أن كثيرين يعتقدون ألا حاجة بنا لمعرفة الحياة الشخصية للكتّاب والفنانين وأن ما يهم في النهاية هو نتاجهم الإبداعي، إلا أن اطلاعنا على سير هؤلاء ومذكراتهم لا يهدف أبداً إلى تسويغ ما يتركونه خلفهم من أعمال، أو إيجاد أسباب تخفيفية للرديئين منهم، ولكننا نستطيع مع ذلك أن نتفهم الظروف التي أحاطت بولادة أعمالهم ونشبع فضولنا الملح لمشاطرتهم الفرح والحزن والمتعة والمكابدة . فضلاً عن أن الشعراء والرسامين وسائر الفنانين يبدون حين يكتبون سيرهم الكثير من المهارة، وينافسون في ما يكتبونه كبار الروائيين، لأن حاجة الأنا إلى تأكيد نفسها تمنحهم قدرة فائقة على السرد وملامسة التفاصيل وإضاءة عوالم الداخل . وهو ما يبدو جلياً في السيرة الرائعة التي كتبتها بابلو نيرودا تحت عنوان "أعترف أنني قد عشت"، أو في السيرة التي كتبتها فرانسواز بيلو بعنوان "حياتي مع بيكاسو"، أو في كتاب "المنشق" لإيليني كازانتزاكي، أو في السير التي تركها الروائيون أنفسهم، مثل سيرة ماركيز "عشت لأروي" . قبل أسابيع قليلة وقع بين يدي كتاب الفنان التشكيلي اللبناني مصطفى فرّوخ "طريقي إلى الفن" إثر تعرفي مصادفة إلى ابنه هاني الذي شاء أن يطلعني على التجربة الريادية اللافتة لوالده الراحل من خلال السيرة التي كتبها الوالد بنفسه وضمنها محطات رئيسية في مسيرته الحياتية والتشكيلية . وقد لفتني أن الكتاب القيم الذي قدم له وأشرف على إعداده، قريب الفنان الراحل الدكتور عمر فرّوخ قد صدر في طبعته الأولى قبل أكثر من ربع قرن، دون أن يصدر في طبعة ثانية أو يجد طريقه إلى ا لانتشار أو التناول النقدي، رغم أن صاحبه يعتبر إلى جانب صليبا الدويهي وعمر الأنسي وشارل قرم وقيصر الجميل وقلة آخرين أحد الأعمدة الكبار للفن التشكيلي اللبناني . وحسناً فعل فرّوخ بإهدائه إلى الأجيال اللاحقة ذلك الكنز الحقيقي من الاعترافات الصادقة والمكابدات المضنية التي انعكست في سيرته عبر سرد ممتع ولغة سهلة وبعيدة عن التكلف والافتعال . لا يفرد مصطفى فرّوخ الذي أبصر النور في مطالع القرن الفائت الكثير من الصفحات لنشأته في بيروت، بل يكتفي بالإشارة إلى الرؤية السلبية التي يحملها مجتمع ذلك الزمان إزاء الفن وأهله، والتي يعود بعضها إلى منشأ ديني يجافي كل ما يتصل بالتصوير، وبعضها الآخر إلى التخلف والجهل واقتصار العلم والثقافة على نخب ضئيلة العدد . وهذه النخب لم يعنها من موهبة فرّوخ أي شيء يذكر سوى إجادته فن البورتريه وقدرته على رسم وجوهها السادرة في الصلف والخيلاء . ليس غريباً تبعاً لذلك أن تحتل إقامة مصطفى فرّوخ لسنوات عدة في ربوع روما وباريس، بغية الدراسة والتحصيل، المساحة الأوسع من السيرة، حيث يبدو واضحاً انبهار الفنان اللبناني بالغرب وفنونه ووقوفه ذاهلاً إزاء التماثيل الخالدة لفناني القرون الوسطى في إيطاليا، إزاء المتاحف الكبرى كاللوفر واللوكسمبورغ وكلوني وغيرها . ولم يقتصر انبهار فرّوخ على الوجه الفني لحضارة الغرب، بل على هندسة المدن ونظافة الشوارع وتقديس الحرية الفردية وإعلاء الإنسان وصدق التعامل بين البشر، مقارناً كل ذلك مع تخلف الشرق واستبداد حكامه وعشوائية الحياة فيه وقيامها على التكاذب والنفاق الاجتماعي، وهو ما نلمسه في معظم الأدبيات التي واكبت عصر فرّوخ أو تبعته بقليل، كما هو شأن جبران والريحاني وتوفيق الحكيم وسهيل إدريس وآخرين . كما أن السيرة تتحول في بعض وجوهها إلى مرآة عاكسة لصورة المدن الغربية وحواضرها الكبرى مثل أثينا والبندقية وغرناطة وروما وباريس في تلك الحقبة من الزمن، حيث يرى فرّوخ أن روما ليست سوى قرية كبيرة ووادعة بالقياس إلى صخب باريس وجموحها الإنساني والفني والحداثي . على أن احتفاء مصطفى فرّوخ بفنون النهضة وتعبيراتها المختلفة وصولاً إلى الانطباعية التي تصادت ألوانها المشرقة والحارة مع روح الفنان القادم من الشرق، لم يمنعه من تسديد سهامه النقدية الجارحة باتجاه التيارات الجديدة والمغامرة كالتكعيبية والوحشية والدادائية التي لم يستطع استساغتها بأي وجه، وقد استخدم التعبير عن رفضه المدارس، تلك أشد العبارات غضباً وقسوة، كقوله: "إن روحاً خبيثةً قد اندست في تلك المدارس فحولت الفن عن طريقه السوي ونفثت فيه سمومها القاتلة . كما طلعت علينا بأمثال بيكاسو ودوفي ومايتس وسائر الدجالين الذين مسخوا الفن والأخلاق" . ورغم قسوة هذه الأحكام التي أثبت الزمن بطلانها بعد أن تحولت هذه الأسماء إلى أيقونات حقيقية في عالم التشكيل المعاصر فإنها تظل جزءاً لا يتجزأ من السجالات الحامية والمتجددة بين أنصار القديم وأنصار الجديد في العصور كافة، وهي لا تقلل بأي حال من متعة السرد ورشاقته وصدقه في كتاب فرّوخ، فضلاً عن رياديته وجماليته الباذخة في فن التشكيل اللبناني والعربي .