بقلم: أحمد عمر باحمادي لم تبقَ سوى أمتار معدودة ليدخل الإسفلت منطقة النقعة، سواد محبوب متلفع بجهود مضنية ومطالب حثيثة امتدت لسنوات طالما انتظرها الجميع ليُطلق في إثرها الزغاريد والأهازيج فرحاً بقدوم غائب طال انتظاره واحدودبت من أجله ظهور، وسالت في دربه الساخن سيول من الكدّ والعرق . رغم أن تعبيد طريق أو افتتاح مشروع أو استحداث خدمة وتطويرها يُعدّ أمراً عادياً في بلاد أخرى غير بلدنا، إلا أنها عندنا إنجاز وفتح من الفتوح يستحق أن نحني له الرؤوس ونتواضع لمقامه السامي بل ربما سالت الدموع فرحاً به، ولا نستغرب عندئذٍ إن رأينا المآقي وقد دار في ساحها الدمع واحتبست العبرات، لا نستغرب لأن مطالب الناس لا تُستجاب إلا بعد خروج أرواحهم أو قبل خروجها بمدد قصيرة . مشروع إعادة سفلتة طريق النقعة من تلك النوعيات، لم يُنجز إلا بعد أن ضاق الناس ذرعاً بمعاناتهم، ومقاساتهم لهوله أعواماً بل وسنينَ عجافاً، متابعات على إثرها متابعات، ووعود تعقبها وعود، ومناشدات تتلوها مناشدات، وتضحيات بدأت بكل شيء؛ من غبار يزكم الأنوف ويُرمد الأعين إلى حوادث سقوط مؤلمة لدراجات نارية وإنهاك لوسائل المواصلات ووصولاً إلى تعطيل طلاب العلم عن الوصول الآمن إلى منطقتهم وبقائهم ساعات وقوفاً على قارعة الطريق دون مواصلات . لم أنس ولم ينسَ طلاب كُثُر تلك الأيام التي كنت أمشي فيها رغم ثقلي كيلومترات أربعة بعد وصولي من الجامعة والشمس تتوسط كبد السماء ، كان المشي يستغرق مني ساعة كاملة للوصول للنقعة، غالباً يكون الوصول بعد صلاة العصر أي قرابة الساعة الرابعة، حينها يكون الإعياء والجوع والعطش والعرق قد أخذ مني كل مأخذ . لقد ضحّى الجميع وعانينا جميعاً واكتوينا كلنا بنار الصبر والمجاهدة، فلا مجال إذاً لأن نتجاهل الجهود، فطريقنا لم ُتنجز إلا بتكاتف الجميع والعمل الجماعي المتواصل، وتلك هي سنة الله في كل عمل وإنجاز، أن لا يؤتي ثمرته وإن طال أمد ينوعها ونضوجها إلا بالتعاون والتآزر والتراص . يجب أن نستفيد مما مضى وأن تتوحد قلوبنا مجدداً، وتلتف السواعد وتتكامل الجهود ، ونبتعد قدر الإمكان عن سياسة الإقصاء والتهميش واستصغار جهود الآخرين، فالنفع في الأخير يعود لكل الناس ف " خيركم خيركم لأهله " كما قال الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأي شيء أعظم من إدخال السرور على الناس، فالرسول r يقول : " أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك سروراً، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطعمه خبزاً " . يجب أن يستشعر كل فرد منا أنه شريك في هذا الإنجاز المبارك، ويفتخر كونه بذل جهداً مهما بدا في أعين الآخرين بسيطاً ومتواضعاً، فلا أحد يدري لعل جهداً يسيراً خالصاً لوجه الله تعالى كان سبباً في تعجيل الإنجاز وتمامه . وختاماً فإن مطالبنا بعد مشروع الطريق كثيرة، وآمالنا ينبغي أن تتجاوز حدود أبصارنا، ونجاحاتنا مرهونة بالاستمساك والاعتصام بحبل الله عز وجل ثم في تكاتفنا وتعالينا على الفرقة والخصومات .