توفيت مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية، لكنها ظلت علامة فارقة في حياة الشعب البريطاني، وهي التي صاغت خلال حياتها أجندة واصل الساسة البريطانيون العمل بها أو متأثرين بها طوال ال 35 عاما الماضية، على الرغم من أن البعض اتهمها بأنها سممت حياة البريطانيين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهي من القلة بين رؤساء وزراء بريطانيين الذين تركوا بصمات،يصعب محوها، في الحياة السياسية والاقتصادية في بريطانيا . أطلق على الفترة التي تولت فيها الحكم، وهي الأطول منذ رئيس الوزراء البريطاني العمالي كليمنت أتلي (1945-1951) ، الظاهرة التاتشرية وبعدها بسنين قلائل تحالفت مع الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان (الظاهرة الريجانية) اللذين قيل أنهما شكلا تحالفا ثنائيا على ضفتي الأطلسي، هو الأقوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . عندما قادت مارغريت ثاتشر ورونالد ريجان بلديهما في اتجاهات جديدة خلال فترتي حكمهما، مثلا شراكة عبر الأطلسي هي الأقوى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من اختلافهما في أسلوب الحكم إلا أنهما تقاسما الرؤية ذاتها . لقد كانت ثاتشر الأكثر إثارة للجدل بعزيمتها الحديدية فضلا عن تناقضاتها الظاهرة . وقادت ثاتشر وريجان باستحقاقات حكومية محدودة وبأقل تنظيم اقتصاد السوق الحرة القائمة على أسس قوية .وسعى الاثنان باستثنائية واضحة وسياسة خارجية فريدة حملتهما تحت شعار "القوة هي الحق" . وشكل الاثنان صرحا منيعا، يعضد كل منهما الآخر في كل المناسبات . لقد أغرم بها الرئيس ريغان وأغراه ذلك بمنحها خطا مباشرا في البيت الأبيض . وقادا الحملة ضد السوفييت في ملحمتهما التي أفضت إلى تقويض الاتحاد السوفييت . وعندما قالت عن ميخائيل غورباتشوف "إنه بالامكان العمل معا" منحت الرئيس ريجان بعض التغطية في مواجهة اليمين الأمريكي الذي كان يرتاب بعمق في التعامل مع موسكو . وعندما غادر ريغان مكتبه في البيت الأبيض،كانت العلاقة مع خلفه في كرسي الرئاسة ودية لكنها مختلفة . لا تزال هناك علامات فارقة خلفتها ثاتشر ولم تمس أولها سياسات الخصخصة وترسيخ حرية السوق وأجندة إصلاح سوق العمل بعد أن تولى حزب العمال الحكم في العام 1997 . ولا تختلف سوى القلة من الاقتصاديين على أن قيادة ثاتشر تركت بصماتها العميقة على الاقتصاد البريطاني . ولكن لا تزال الصورة القديمة الخاصة ببريطانيا التي وصفت في أواخر سبعينات القرن الماضي بأنها "رجل أوروبا المريض" ماثلة للأذهان ويتردد صداها في أنحاء أوروبا . وفي مرحلة ثاتشر كان التضخم مكوناً من رقمين عشريين وما كان يفهم على أنه قوة مفرطة لبريطانيا وقد لعبا جانبا في حياة البريطانيين . وأدى . عجز حكم الأقلية،الذي قاده حزب العمال بعدها إلى تعزيز الإحساس بتدهور أوضاع الأمة . ويرى اقتصاديون أن الانتقال لمصلحة السوق الحرة يظل إرثا خلفته ثاتشر من الصعب أن يمحا . أي أن التغيير الذي أحدثته لا يزال يلف عموم بريطانيا حتى الآن، ومن الصعب أن يختفي في يوم ما . وقال البروفسور باترك مانيفورد من جامعة كارديف، الذي عمل مستشارا اقتصاديا لدى ثاتشر، أن "المؤسسة الحالية البريطانية تأبى أي تغيير، لقد كانت هناك معارضة شديدة لسياساتها الاقتصادية لكنها نجحت في إحداث تحول في الاقتصاد، فبدونها ما كان ذلك ليحدث" . من أولى أولويات ثاتشر كان العمل على ترويض التضخم . وعمدت إلى اتخاذ سياسات خاصة بالميزانية قاسية، وكان الهدف منها السيطرة على النفقات مع ما رافق ذلك من موقف مالي مثل شد الأحزمة على البطون وتقليص احتمال استمرار التضخم .ودفعت ثاتشر الساسة البريطانيين إلى الاعتقاد أن التضخم سينتهي، ولكن لم يكن الهدف من وراء ذلك سوى ثني البريطانيين عن المطالبة بزيادة الأجور . ونجحت خطتها لفترة، بعد ذلك تضاعفت الأسعار بسرعة كبيرة في أوائل عقد الثمانينات . وكان من الضروري الموافقة على سياسات نقدية منضبطة باعتبار ذلك جوهر السياسة التي شكل التضخم الذي استهدف عقوداً مقبلة . وجوهر السياسة الثاتشرية كان تقليص سلطات قطاع الدولة . وكان على القطاع العام أن يتراجع في نطاقات عديدة من الاقتصاد البريطاني خاصة تلك التي مثلت المشهد الصناعي . وبدت سياسة الخصخصة،التي شملت شركة رولز رويس والخطوط الجوية البريطانية وشركة الغاز البريطانية، سياسة غير واردة قبل بضع سنوات، ولكن تم تفعيلها وغذيت بالحماس . ولم تجد سياسة إعادة التأميم طريقها إلى أجندة حزب العمال مرة ثانية . ومن الملامح الرئيسة للسياسات الاقتصادية لثاتشر الإصلاحات الاقتصادية الجانبية التي تغطي سوق العمل وتشمل تخفيضات الضرائب لتعزيز المشاريع . وعلى الرغم من أن تقليص نفوذ النقابات العمالية لم يحظ بشعبية لدى أعضاء النقابة ولا حزب العمال واليسار لكن لم تنجح الحكومات المتعاقبة بعد ثاتشر في التراجع عن هذه السياسات . كما أن جوهر السياسات الاقتصادية لتاتشر استند إلى الاعتقاد بخلق الثروات وبإطلاق يد رواد الأعمال على القيام ببناء شركات وخلق الوظائف . ولم يجرؤ أحد من خلفائها رفض تلك السياسات . ولاشك فإن منتقدي سياسة ثاتشر أشاروا إلى تدمير القدرة الصناعية في أوائل حكم ثاتشر . فالسياسات النقدية المتشددة، التي عززت قيمة الباوند، كانت أشبه بجرعة من إنعاش على المساحة الواسعة من الصناعة البريطانية . وخسرت بعض القطاعات مهارات ووظائف، ولم يتم تعويضها حتى الآن . أما بالنسبة لاؤلئك الذين يؤمنون بأهمية الصناعة في اقتصاد القرن الحادي والعشرين، فإن سنوات ثاتشر عززت من وتيرة تراجع قطاعات التصدير الرئيسة . ورأى البعض أن الإصلاحات المدوية في مدينة لندن عامل إسهام أول في التوسع غير المستدام في الصناعة المصرفية . أما البعض الآخر فيرون أن التنظيم المنخفض وقوى السوق التي سادت في السنوات السابقة على العام 2008 كان ميراثا آخر لعهد الثاتشرية . في عهدها تضاعف الإنفاق وارتفع إلى مستوى 13% ما بين العامين 1979 و1990 ما أدى إلى التخلص من تأثير التضخم . ورغم ذلك فإن إجمالي الناتج العام الذي يعود الفضل فيه إلى بعض النمو الاقتصادي وادخار المال من خلال الخصخصة وخفض الإنفاق الحكومي .