مواضيع ذات صلة أمينة خيري منظر اللافتة، أو ما تبقى منها، وهو يرفرف أعلى الهيكل الخشبي في ميدان عبد المنعم رياض حيث يفترش العشرات الأرض بين بائع لسجائر مضروبة، وعارض لأدوات منزلية ممنوعة، ومروج لمواد مخدرة محرمة وقد أخذ رأس الرئيس الراحل أنور السادات يتطاير يميناً ويساراً تحت وطأة رياح الخماسين لا يجب أن يمر مرور الكرام. فاللافتة التي طبعها نشطاء في وقت ما قبل عامين آلت إلى الميدان المركزي الذي بات محورياً في فوضويته وعشوائيته. وعلى الجانب المقابل، حيث كورنيش نهر النيل، تقف لافتة حديد قديمة قدم النظام السابق. تقول كلماتها المقلوبة «الشعب والشرطة في خدمة الوطن»، لكنها فعلياً تقف بوضع المقلوب في خدمة مجموعة الصبية التي بدأت مشروع احتلال رصيف الكورنيش بنظام «و. ي.ع.» الاقتصادي الشبيه بنظام «بي أو تي»، لكنه يقوم على «وضع اليد بالعافية»! وبينهما تقف عربة «كارو يجرها حمار ويجلس عليها صبي مختف بين تلال من الموز ومرفوع عليها علم مصر معضداً بعبارة «موز الثورة»، وذلك في دلالة واضحة عما آلت إليه الثورة التي دارت رحاها على مرمى حجر في ميدان التحرير! أحجار ميدان التحرير المتناثرة على الأرض يميناً ويساراً ومعها صينية تئن من وطأة خيام تنصب وأخرى تهدم وثالثة تشيد على مدى 27 شهراً تارة تحت راية الثورة، وتارة أخرى بمبرر استمرار الثورة، وثالثة لحمايتها، ورابعة على ما يبدو لدق المسمار الأخير في نعشها! نعش الثورة المصرية الذي ينتظر التوجه إلى مثوى صاحبته الأخير يحمل في طياته الكثير من التفاصيل! سائق الأجرة الذي يعترف للراكبة بأنه اضطر لتوصيلها من باب «المكروهات» إذ أن جاره السلفي المتدين نصحه بعدم توصيل نساء من دون محرم، لكنه بات قاب قوسين أو أدنى من الجوع، «والمضطر يركب الصعب، ويوصل الست»! ويبدو أن ركوب الصعب بات إرادة شعبية، وهي الإرادة التي كانت تفل الحديد قبل عامين، لكن الحديد ونظام الحكم الجديد والفساد العتيد والعناد الأكيد فلها اليوم. ضمن المفلولين كثيرون من أقباط مصر الذين باعدت أحداث ماسبيرو بينهم وبين الجيش وتحديداً بينهم وبين المجلس العسكري الذي كان يدير شؤون البلاد، لكنهم وجدوا أنفسهم في ظل حكم الإخوان الذين يعتقد البعض أن حكومتهم في اعتكاف وحلفائهم من التيارات السلفية واقعين بين شقي رحا، ولا مفر سوى طلب المعونة من الرب وبعده الجيش! والمتابع للمشهد يعرف تماماً أن كلمة «الجيش» ربما تكون الأكثر تداولاً على الألسنة، والأعلى وروداً على الأفئدة، والأعمق احتلالاً للأدمغة. الذين كانوا يخشون أن يجاهروا بحب الجيش إبان هتاف «يسقط يسقط حكم العسكر»، ومعهم جانب ممن كانوا يرددون الهتاف، وانضم إليهم كثيرون ممن وجدوا أنفسهم كمن رقصوا على السلالم، فلا الإخوان نجدوهم ولا الثوار حرروهم ولا جبهة الإنقاذ أنقذوهم! جبهة الإنقاذ التي تحتاج من ينقذها تجد نفسها في موقف بالغ الحرج ووضع غاية في الصعوبة. فبعد ما كانت تتأرجح بين «جبهة الخراب» إخوانياً و «جبهة الدمار» سلفياً، تتعرض اليوم لسؤال وجودي صعب. فإذا كان مركز «بصيرة» لاستطلاعات الرأي العام أحزن الجبهة بنتيجة مفادها أن 11 في المئة فقط من المصريين المستطلعة آراؤهم يرون أن أداءها جيد، في حين أن 27 في المئة يرون أداءها «متوسط»، بينما تتصاعد أعداد الناقمين على أفعالها وموقفها لترتفع من 42 في المئة الشهر الماضي إلى 49 في المئة حالياً. وحالياُ يجري الهبوط بسقف المطالب والمزايدة على حد التوقعات وضرب عرض الحائط بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. حتى التيارات والأحزاب والجماعات السلفية التي كانت تطرح نفسها، أو كانت مقولة الشعب المتدين بالفطرة تطرحها في الماضي القريب، باتت عرضة للقيل والقال. قال أحدهم لصديقه السلفي – بحكم أنه طويل اللحية: «يا عم! اعتقدت أنكم مثل إعلان المطعم الشهير أنه «مش بتاع حركات، وأنه بتاع سندوتشات! واتضح أنكم بتوع حركات فقط، من حصار مدينة الإنتاج، لتكفير القاصي والداني، لمناصرة الرئيس مرة والهجوم عليه مرة، لكن ماذا قدمتم للناس»؟ «ماذا قدمتم للناس»؟ سؤال يحرج كل الأطراف ما عدا الناس، بدءاً بالجماعة الحاكمة التي قدت طوابير سولار، ومعارك خبز، ومشاحنات أسطوانات غاز، ومروراً بمعارضة لا تعترف إلا بالمؤتمرات الصحافية والمنصات الهلامية ومعها تيارات سلفية قدمت اعتصامات مسرحية وتكفيرات حنجورية وتصريحات هزلية، وانتهاء بحركات شبابية واحتجاجات ثورية تطل على الناس صباح كل يوم بكوكتيل معتبر من الاعتصامات الفئوية والمفاجئات الأبريلية والحركات الفوضوية. سقف مطالب الثورة كاد يلتصق بالأرض، وغاية المنى والأمل بات عودة إلى عصر الفساد، وما زالت الثورة تحتضر والناس تنتظر!