على مدى سنوات، اشتغلت الجازية على قصائدها بعيدًا عن أجواء الاحتفال الصحفي الفج بشعر المرأة. وكان بإمكانها، لو أرادت ذلك، أن توظف قدرتها اللغوية، وموهبتها الشعرية، في بكائيات مقفاة قد تجر إليها الكثير من التعاطف، ولكنها شعريًا ستكون بعيدة عن التميز، غير أنها لم تستجب لمتطلبات الأجواء الاحتفالية التي نعرف أنها ضد تميز المرأة، رغم ادعائها بخلاف ذلك. من ناحية أخرى، أبقت الجازية على مسافة كافية بينها وبين قصائدها، لضبط صوت الذات داخل إيقاع الصوت الإنساني عمومًا، ولمنح موضوع القصيدة حرية التشكل والتنامي في أفق الفكرة. بهذا الميزان، تحاشت التحدث بصوت الأنثى المفتعل، وتجنبت منزلقات الخطابية الفجة. إن الذات التي يرتفع صوتها على موضوع القصيدة، وتجعل من اللغة وعاء لضجيجها، لا تستطيع فرض نفسها على القارئ لوقت طويل. الذات تنضج في النص الإبداعي عبر مساقات عديدة، من أهمها، طرح نفسها ليس كقضية ذاتية تخص قائلها فقط، وإنما كحالة خاصة تتداخل والهم الإنساني في المجمل، بحيث يبدو للقارئ كما لو أنها تعنيه مباشرة، أو تشير إليه من بعيد، أو تشعل في داخله أسئلة الأنا/الفرد في إطار قلق ال هُم/الجماعة: في قصيدة ( لحظة خروج ) نقرأ: وشلون هذا الشتات يصير مرفا دِما في ذاكرة من جحيم وصورة من ثلوج رزنامة ظلال، تتساقط أسامي، دُما في قافلة موت، ما للصبح نية بلوج نقرأ هنا تساؤلات أكبر مما تطرحه في العادة أنا/الفرد، أكبر من تساؤلاتها الخاصة، اكبر من قلقها المتعلق بها كذات من طباعها الأنانية، وحب الاستئثار بالشيء. إنها هنا تساؤلات مجتمعية، عامة، بمقدورها استيعاب قضايا إنسانية، ومشكلات اجتماعية، كبيرة، كالتساؤل الذي طرحه البيت الأول في المقطع أعلاه. في هذا التساؤل تغيب الذات الفردية وتحضر الذات الجمعية في صورة أوضح. لفظة (الشتات) تعني التفرق والتبدد في الآفاق، والتشتت بمعناه الاجتماعي نقيض التكتل في جماعة واحدة، وإذا حدث الشتات فإن ذلك يعني أن أشياء مثل (الوحدة، والهوية، والخصوصية) لم يعد لها وجود، وهذه القضية تمس الجماعة أكبر مما تمس الفرد. رغم ذلك، يمكن طرحها على مستوى الفرد أيضًا، وهنا قوة حضور الشاعرة الجازية في كثير من قصائدها. إنها تكتب القصيدة حتى ليبدو للقارئ أنها تنطلق من الذات إلى الآخر، إلى المُخَاطب، وأنها لن تبرح فضاء التلاغي الثنائي المعتاد في القصيدة العامية السائدة، غير أنها تأخذه في منعطف مفاجئ إلى أفق أكبر. على سبيل المثال فحسب، بدأت قصيدتها (لحظة خروج) بمخاطبة (آخر) قد يكون أي آخر في البال الرومانسي، وقد يكون أي آخر في البال الوجودي، وقد ... يكون ...، ويكون ... إلى آخر ما يرد من احتمالات عن هذا (الآخر)، ولكن المهم أنه موجود، ومخاطبته تشكل في العادة حدود العلاقة بين الذات في القصيدة، والآخر الموجود، أي بين طرف وطرف، وهذا الحصر العلاقاتي غالبًا ما يضع القصيدة في أفق محدد الملامح، مكشوف المعالم، إلاّ إذا وضِعَ هذا الآخر خارج التأويلات السائدة، ونُظِرَ إليه من زاوية تحتمل اشتماله على مدلولات متعددة، بحكم اتساع أفق الخطاب نفسه، واغتنائه بمقومات النص الشعري القابل لأكثر من تأويل. الآخر في مطلع (لحظة خروج) تم على هذا النحو: قدني وانا اشعلك.. ثالث نبض.. وأول سما يا حلم يتشاطأ بعيني حنين وأموج ابكيك والدمعة اللي عاد ما تنهما ترقا من القلب واللوعة تشد العروج من هو هذا الآخر في هذين البيتين؟ من الناحية الرومانسية، ليس مؤكدًا أن المقصود هو الآخر المعشوق، فالتعاطي اللغوي، والإشارة الدلالية، ترقيان بالمعني في الخطاب إلى مستوى أعلى بكثير من المستوى المعهود للمعشوق في القصيدة السائدة، وبذلك لا يمكن الجزم بتأكيد حضوره بالشكل الذي نعرفه. المعني في الخطاب، من دون ملامح محددة، من دون شخصية ثابتة على تصور معين. إنه كائن ضد الثبات، ضد السكون، كائن لا يمكن الجزم بحضوره في شكل قابل للتأويل البسيط. تستحق الجازية، لأنها شاعرة مبدعة ومختلفة، الكثير من التأمل في قصائدها. وآمل أن يأتي وقت أتمكن فيه من قراءتها بتفصيل أكثر: