كان الناس سابقاً يعرفون دخول الشهر وخروجه من خلال رصد القمر، الذي يبدأ أول الشهر هلالاً، ينمو ويكبر حتى يكتمل بدرًا، ثم يتناقص ويصغر حتى يعود دقيقًا، ثم يختفي ليظهر من جديد هلالاً، يبدأ به دورة ثانية، وهكذا تتم دوراته التي يستغرق كل منها شهرًا، وتتكون وحداته من أيام ترتبط بالليل والنهار اللذين يحددهما جغرافيًّا مشرق الشمس ومغربها {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}. لكن حصل الاختلاف في دخول الشهر وخروجه بدورة القمر الشهرية؛ إذ يكون نقص بعض الشهور يسيراً. فإذا كانت عدة الشهور مختلفة فأيها يكون تسعة وعشرين؟ وأيها يكون ثلاثين؟ لا يزال الاختلاف قائمًا عند أهل الحساب والفلك في تعيين الأشهر الكاملة والناقصة، ولا يعلم مثلاً أيها يكون الناقص، شهر شعبان؟ أم رمضان؟ جاء الشرع بأن يكون الاعتماد في الالتزام بالأحكام الشرعية على رؤية الهلال متى كانت ممكنة؛ لحديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا"، يعني مرةً تسعة وعشرين، ومرةً ثلاثين. وفي لفظ عند مسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، ثم عقد إبهامه في الثالثة وقال: "فصُوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أُغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين". رواه البخاري ومسلم. والأحاديث في هذا كثيرة، وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو رؤية الهلال، أو كمال العدة ثلاثين يوماً. واتفق المسلمون على وجوب الرؤية البصرية، وأنها هي المعتبرة شرعاً، وكذا قررته هيئة كبار العلماء التي تعتبر مرجعية البلاد الشرعية. والرؤية البصرية الشرعية ليست بالعين المجردة فقط، بل تتم بالتلسكوبات والمناظير والتصوير الدقيق بالكاميرات؛ ما يستحيل معه الوهم والخطأ، وهو المقرر عند كثير من العلماء. وثبت في الحديث الصحيح عند الإمام مسلم: أن الله تعالى يمدّ القمر حتى يراه الناس. أخيراً: كثيرٌ من قنوات الإعلام عندنا تنشر مقالات الفلكيين، وهي تزيد الإشكال والتشويش على عامة المسلمين الصائمين، ولم يصيبوا في ذلك، فلو كان نشره ونقاشه في مراكز البحوث وقاعات الدروس فلن يحصل الإشكال والتشويش. والقلة في مواقع التواصل يجعل من نفسه عالماً، لا قول بعد قوله!! لنترك التخصص لأهله، ولينشغل كل منّا بتخصصه، ولا نتعالم ونبحث عن الشهرة؛ فيضطرب العلم، ويشك المسلمون في دين الله تعالى. يقول ابن سيرين –رحمه الله –: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". وكل عام أنتم بخير.