مطالبات عاجلة للرئاسي بسرعة اقالة «رأس الفتنة» في شبوة حقنا للدماء ومشائخ المحافظة يحددون موقفهم    الكشف عن سبب الإنفجارات التي سمع دويها بالعاصمة صنعاء وأنباء عن خسائر كبيرة للحوثيين    بعد أحداث عتق.. بيان من القيادة المحلية من المجلس الانتقالي بمحافظة شبوة    ستهزمهم شبوة.. معركة قمع التمرد في شبوة    اعلان هام لليمنيين في السعودية الحاملين هوية زائر    فرق أوروبية ترفض اقامة مباراة ودية في اسرائيل    الأرصاد يتوقع هطول مزيد من الأمطار الرعدية في عدة محافظات    اطراف الصراع في تشاد توقع اتفاقية سلام برعاية قطرية    زبارة والشماحي يطلعان على سير العمل في جمارك وضرائب ذمار    برميل الخام الأمريكي يصعد صوب 90 دولارا    اليمنيون يحيون ذكرى عاشوراء ونصرة فلسطين بمسيرات حاشدة    مسيرة جماهيرية في مدينة صعدة إحياء لذكرى استشهاد الحسين ونصرة للشعب الفلسطيني    السعودية تتوج بكأس العرب للشباب    حادثة مروعة..وفاة شاب في بداية العمر بأبشع طريقة هزت قلوب جميع اليمنين وكذا كان رد فعل اسرته    ضبط 1200 جريمة في العاصمة خلال ذو الحجة    بتوجيهات ملكية.. مسؤول أردني رفيع المستوى يزور الشيخ صادق الأحمر للاطمئنان على صحته    بالاسماء ..قرار حكومي عاجل بتعيين عدد من القادة الأمنيين في شبوة    تعرف على أسعار الذهب صباح اليوم في الأسواق اليمنية    تحذير للمغتربين اليمنيين .. السعودية تقبض على 4 يمنيين يمارسون هذا العمل المخالف    يمن موبايل تعلن الانتهاء من التحديث واطلاق خدمات إضافية    فتح باب الترشح للمقاعد المجانية في الجامعات اليمنية للعام 1444ه    فاكهة تعالج 7 امراض منها البواسير واللوزتين .    مصدر مصرفي يكشف عن الحقيقة كاملة بشأن امتناع الصرافين عن تداول هذه العملة بعدن    عيادة الإمارات المتنقلة تواصل تقديم خدماتها العلاجية في محافظة حضرموت    هلال الإمارات يواصل توزيع المساعدات الغذائية والايوائية على أهالي حضرموت    وزير النفط والمعادن يعلن عن بشرى سارة طال انتظارها    عاجل: قوات اللواء 21 وقوات النجدة تقاتل إلى جانب المليشيات المتمردة وأسر عدد من اليمنيين    رافينيا عبر حسابه الرسمي ... "لا أستطيع الانتظار لنصنع التاريخ معاً".    ميسي يقود باريس سان جيرمان للفوز على كليرمو بخماسية نظيفة    تلاحقه إسرائيل منذ أكثر من 20 عاماً.. مَن هو خالد منصور الذي اغتيل في رفح؟    الأكبر عدداً في العالم.. ماذا تعرف عن جيش التحرير الشعبي بالصين؟    ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي في الصين إلى 3.1041 تريليون دولار في يوليو    الصحة الفلسطينية:ارتفاع حصيلة العدوان الاسرائيلي على غزة الى 24 شهيداً و203 إصابات    المنتخب السعودي للشباب بطلا لكأس العرب عقب تخطي المنتخب المصري بركلات الترجيح    تجنبها فوراً..7 أطعمة تصيبك بالخمول وانخفاض مستوى الطاقة لديك    وداعاً للانسولين..عشبة يمنية شهيرة حيرت الأطباء بقدرتها الفائقة على ضبط مستوى السكر في الدم    رئيس مجلس القيادة الرئاسي يطلع على جهود السلطة المحلية بمحافظة مأرب حول اضرار السيول    لبيك يا حسين    الشهيد أكرم محمد الشعبي الحاضر دوماً    وردية يوم عاشوراء على قسمات الأدب    الاشتراكي اليمني ينعي الفاضي العلامة علي أحمد أبو الرجال مميز    ولادة طفل سيامي برأسين في محافظة الحديدة( صورة)    تركي ال الشيخ يكشف لشباب السعودي طريقته الصامته في صدم الناس والاستمتاع بذلك    عاشورا والفقه المغلوط وعقلية القطيع    بوروسيا دورتموند الالماني يحسم صفقة البديل المناسب للمهاجم الايفواري سيباستيان هالر    الفجرُ الإسرائيلي الكاذبُ    صفقات هزت عرش كرة القدم في العالم على مر التاريخ    97.71 ملياردولا التبادل التجاري بين روسيا والصين في 7 أشهر    قراءات نقدية لمجموعة احتراقات    قفزة نوعية وغير متوقعة في ارتفاع صادرات الصين خلال شهر واحد    بشرى سارة... الخبراء يجدون طريقة أسرع لاكتشاف السرطانات وأمراض القلب    صقر تعز في مواجهة شعلة عدن لحسم بطولة اندية الدرجة الأولى لكرة اليد    عامان من التنمية.. لملس ينهض بالعاصمة عدن ويدحر مخططات الإخوان    مكتب الزكاة بالأمانة اول المنفذين للعمل بالتقويم الهجري    الحسين: خذلتنا شيعتنا !    ملهم الثوار عبر التاريخ    الشاعر المهاجر علي بلعيد أبو الرجال جذور الشعر في أعماق الفن والجمال    سألوني لماذا تكتب؟ ولمن؟!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رواية السبية .. الجزء السادس بقلم عبدالحليم ابو حجاج
نشر في الجنوب ميديا يوم 24 - 12 - 2013

توقَّف سعيد عن العمل ، وأخذ يمسح بيده اليسرى حبات عرق تناثرت على جبهته ، وغَشِيَتْ وجهَه غلالةُ حُزْنٍ دفين، فبدا مجهوداً مكدوداً ، كل شيء فيه ينبئ عن تعب الحياة وقسوة الأيام . وقد ظهر ذلك جلياً على الوجه الذي كلحته الشمس ، وقال وهو ما يزال يمسك فأسه بيده اليمنى :
- رحماك يا رب !...رحماك من هذا الشقاء وهذا العناء ! . فإلى أين المسير؟ ولأي مصير ؟ . لقد تَحَدَّب بصري من فرط تطلعاتي وانتظاري لحياة أفضل ، حياة تخلو من العصفوري ، وتخلو من المختار وأشباههما .
وألقى سعيد فأسه من يده ، ثم تولى إلى ظل شجرة زيتون ليستريح تحتها . كان الوقت ضُحَى ، وشهر تموز ينفث صهداً من نار ملتهبة ، وينفث هواء ساخناً يلفح الوجوه ، ولا مفر من العمل ، ولا مناص من الوقوف تحت الشمس التي تشع نوراً يكاد يعمي الأبصار وناراً تكوي الأبدان .
ألقى سعيد جسده المتعب على الأرض يسترخي في ظل شجرة عجوز، وأسند رأسه بين مفرز في أسفل جذعها ، وتناول إبريقاً فخارياً فأطفأ ظمأه بماء بارد ، ثم أشعل سيجارة ونفث منها أنفاساً متقطعة ، فتصاعدت خيوط الدخان بشكل حلزوني ، فأتبعها نظره يلاحقها وهي تتلاشى شيئاً فشيئاً بين أغصان الشجرة . ويعيد الكَرَّة ثانية في عبثية تنمُّ عن افتقار الهدف ، ولكنه مع هذا انتزع ابتسامة خفيفة تعلن عن ضيق داخلي ، وقال محدثاً نفسه : " هكذا نحن... إلى اللاشيء نصعد ، وإلى اللاشيء نهبط ، وهكذا نحترق ونتفحم ونمسي رماداً تذروه نسائم الصباح ، ولا نصيب لنا في حياتنا إلا التهلكة ، لأن رصيدنا يعلن إفلاسنا ، وشمسنا توشك أن تغيب ، وقناديل الليل تنطفئ ، فنسير في طريق معتمة تؤدي بنا إلى اللاشيء!..." .
" ما أروع العتمة !... وما أخوف قومي! " ، والعصفوري هناك يجلس بين الشموع في ديوانه العامر، يرشف القهوة ، ويدخن التُّمْباك ، ويستقبل الوفود يطعمها ويسقيها ،
فيزيد رصيده ، وينحني له الفلاحون كانحناءة السنابل أمام ريح عاتية ، ولا يخاطبونه إلا بلغة تكشف عن مدى العلاقة بينهما فهو خِطاب العبد للسيد : "عمي الشيخ العصفوري " الذي له الأمر وله الطاعة ، ولأهل القرية من بعده طول العذاب ، وعمق المعاناة . ينهب الأقوات ويحلفون بأمانته ، يظلم الناس والناس يُقْسمون بعدله ، يسومهم ألوان العذاب ويتغنون برحمته التي بها يطمعون ، ويلهجون بالمديح له والثناء عليه بألسنة ينطقها الكرم الذي يصيبون من فضله كما يصابون بالأوجاع ، فيؤاخذهم إن نسي أحدهم أو أخطأ . أي سر في هذا الرجل الذي ملك الأرض ، وامتلك الناس الذين يدبُّون على هذه الأرض؟!. أي سر في هذا الرجل الذي يُطاع على كُرْهٍ منهم ، ويُطاع على خوفٍ منه ، ويُحَب طمعاً في مَكْرُمَاته ، مخلِصين له الولاء والوفاء ، باقين على عهد التبعية له ما داموا أحياء؟!.
وجالت في رأس سعيد كثير من الخواطر، وساقته ذاكرته إلى فعائل العصفوري بأهل القرية حتى وصل به شريط الذاكرة إلى رصيف محطة ملأى بصور الآلام ، ويتوقف عند مشهد لا ينساه ؛ عندما أذاقه العصفوري ألوان الهوان والإذلال باللسان النابي والسوط الكاوي على مرأى ومسمع من أهل القرية . تذكر سعيد ذلك الموقف الأليم، إنها حادثة فظيعة حفرت بصماتها شرخاً عميقاً في نفسه ووجدانه ، وتصدَّعت لها بُنْيَتُه ، ذلك عندما سيق مكتوف اليدين ، جاثياً على ركبتيه . تذكَّر وكيف له أن ينسى تلك الحادثة ، عندما دهمته قوائم الفرس ، فنجاه الله من موت محقق . لقد أهين الأب والابن معاً ، وأهين كل الحاضرين المشاهدين لذلك الموقف ، بمَن فيهم مختار القرية – أبوفوَّاز الذي يدور في فَلَك العصفوري . إذ انحسر عن جميعهم شيء اسمه المروءة ، وشيء آخر اسمه الكرامة ، وشيء ثالث اسمه النخوة والشهامة . نعم ! لقد مضت تلك التسميات ، ومضى أهلها واندثروا ، فماتت بموت علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعمرو بن هشام ، وزالت بزوال المعتصم وصلاح الدين. وتلك عقبى الدار لكل أمة خلعت عن نفسها ثوب الأصالة ، وألقت بمقاليد أمورها في يد تقيم لها في داخلها تمثالاً تمجِّده ، ويتكاثر حوله الطائفون والرُّكَّعُ السجود.
وينفض سعيد رأسه طارداً عن ذاكرته هذه الصور وهذه الخواطر، ولكنها لحوحة . إذ أبت إلا أنْ تُرِيَه وتُسْمِعَه كل ما لديها من مخزون الذكريات ، فرأى نفسه متمرداً في وجه العصفوري الذي انبرى له في ثبات وجرأة ، فابتسم لهذه الصور وعقَّب قائلاً : " وماذا تفيد الجرأة ! وماذا يفيد الثبات ؟. فالغلبة للكثرة ، ومع هذا فإنَّ الأيام مازالت بيننا ، فلن يبرح ذاكرتي ذلك اليوم المشهود إلا بالثأر، نعم ! سأثأر لنفسي ولأهلي وسأنتقم منك ياعصفوري شرَّ انتقام ".
تنهد سعيد فأفرغ ما بجوفه من غِلٍّ وغضب ، وأسبل عينيه راغباً في مفارقة هذه الصور وهذه الخواطر التي تتقاطر على ذاكرته ، ولكنه لم يستطع مفارقتها ، ولم تَرْضَ هي أنْ تفارقه ، فتهادى له رسم جميل ، وسَعَتْ إليه خواطر لذيذة ، وقفزت إلى مخيلته سلمى بوجهها الصبوح وبقدها الذي يتثنَّى فيغريه مرآها ، فتساءل في نفسه تجاهل العارف : " هل شهدتْ سلمى المشهد كله فرأتني تحت وطأة السياط ؟. هل رأتني مُلْقَى على الأرض مطروحاً وقد أوشكت قوائم الفرس تدوس رأسي وكل جسدي ؟. هل صفقتْ للعصفوري وهو يخرج منتصراً ، أم أنها أشفقت عليَّ ووَلْوَلَتْ شأن سائر النساء تضرب كفاً بكف عندما رأتني أخرج مهزوماً مكسور الوجدان ؟. فبأينا كانت معجبة : بالقاهر أم بالمقهور؟. آه يا سلمى ! وددتُ غيابك في تلك السويعات المهينة . وددتُ لو اختفيتُ عن ناظريك حتى لا ترين مني ضعفاً ولا وهناً ، وحتى أظل في عينيك كبيراً عالي الهمة والمنزلة . ولكني بقيتُ كما كنتُ إنساناً لا تثنيه الجراح ، ولا تجرفه العواصف ، ولا يحيد عن المبادئ ، إنساناً لا يساوم في حقه ، وحقه غير قابل للمساومة مهما احلولكت سماؤه ، وأرمدت الأرض التي نحيا اليوم عليها ، وغداً نسكن فيها " .
" آه يا سلمى ! لو أنك تعلمين كم أنا مدجج بمشاعر الحب والوفاء ، مثقل بالنوازل والأعباء الجسام ، وليس في مقدوري أن أستريح من أثقالي وأحمالي ، فكيف السبيل إليك؟. إني أراكِ في شوارعي الضبابية قنديلاً أستضيء بأنواره . أنظر إليك من بعيد ، وأنا أتشوف إلى شخصك ، فيهيم بكِ القلب ، وينازعني فيك وجدي ، فيكاد
يعصيني شيء من الخوف يتململ في مرقده ، وأعترف لك اعتراف طفل صغير لا يعرف الكذب ، ولا يعرفه الكذب ، أني أحبك ، ويكاد قلبي يحطم أضلعي لِيَفِرَّ إليك ، فأستبقيه مستعطفاً : " أيها القلب اتئد " . وتتلاطم في جنباتي أمواج صاخبة تذوب على رمال الشك بأنَّ حبي من طرف واحد ..." .
" آه يا سلمى ! الحزن في صدري قد كبر، والأسى في أعماقي قد شاخ بطول انتظاري ، فأنطوي على جرحي أسعفه ، ولا يواسيني في هذه الدنيا سوى الشجر والحجر وسرب من الأطيار والأقمار في هدأة الليل ، فأخشى إن بُحتُ بما تَضِجُّ منه نفسي ، وبما تختزنه من فيض المشاعر، أن تهزأ مني عوارفي؛ فأرجع مهيض الجناح، كسيف البال " .
وأسدل سعيد ستاراً بين عينيه وذاكرته ، وأسلم نفسه لحلم جميل يستسقيه شراباً عذباً يجري في عروقه ، ويجري من تحته رائقاً بلا معكِّرات ، وبلا منكِّدات . ويفيق سعيد من أحلامه ورؤاه ، ويتنبه فيه كل شيء ، ويمد أذنيه، وقد ارتمت عيناه في الأفق تتلمس الطريق التي حددتها أذناه ، ويقتفي نسائم داعبت وجهه ، ويتأرج المكان بعطر يفوح بين يديها معلناً عن قدومها ، ويعلن عن حضورها . فينظر وإذا به يرى سلمى تتهادى كعرائس البحر، تتثنَّى بثوبها الفلاحي المُطَرَّز بالحرير، فيَصْدُر خلفها حفيف رقيق هادئ ، وتخطو في ثبات بين أشجار اللوز والزيتون، متجهة إلى حاكورة أبيها، فيرسل سعيد إليها نظرة فيراها وضاحة الجبين، باسمة الثغر، فيهيم بها القلب ، ويسرح بها الخاطر ، ويمني سعيد نفسه العليلة بلقاء يردُّ إليه شيئاً كان مفقوداً . وتبتعد خطواتها ، وتتباعد الأمنية بينه وبينها ، فيختلس نظرة من بين أوراق شجرة الزيتون مقتفياً أثرها ، ولكنه ينحسر في ظل الشجرة ، ويحلق في فضاء رحب واسع الأرجاء ، ويصافح سمعه صوت خطوات خفيفة ، يظن أنها خطوات سلمى التي يرمقها ، وقد بَعُدتْ وكادت تختفي عن عينيه ، ولكنَّ صوتاً يتناهى إلى مسامعه آتياً من خلفه واضحاً جلياً :
- صَحَّ بَدَنَك يا ولدي !.
يعتدل سعيد في جلسته ، وينظر فإذا بأبيه يقف فوق رأسه ، ويتلجلج وهو تحت ذهوله الذي أحدثته المفاجأة ، فيردُّ التحية بصوت مرتجف :
- وبَدَنَك ، الله يسَلْمَك !... أهلاً يا أبي .
ويضع الرجل لفة كانت في يده ، ويجلس قبالة ابنه وهو يقول :
- لقد أتيتك بالطعام ، وما كان لي أن أجيء لولا انشغال أمك وراء الرَّحى .
هدأتْ سريرة سعيد فابتسم لأبيه وقال :
- بارك الله فيك يا أبتِ !.
ويفكُّ الرجل عقدة اللفة ، ويفرد المنديل ، ويتناولان الطعام في صمت ، حيث لا يُسمع إلا صوت قضم الخبز اليابس ومضغ الطعام ، وحيث لا يُسمع إلا طنين الحشرات الطائرة أو تغريدة عصفور تائه يستقدم إلفه . وما زال سعيد تحت تأثير ذلك الحلم الذي رآه في يقظته ، فيأكل وهو شارد الذهن ، موزع الأفكار، وقد لاحظ أبوه سهومه ، فسأله دون أن يُسْقِط نظراته عن الوجه الذي بدا عليه شيء من القلق والتوتر .
- ما بك يا ولدي...؟.
فينظر إليه سعيد ، ويطرد عن بال أبيه أفكاراً لا موقع لها الآن ، فيرسم ابتسامة خفيفة ويقول :
- لا شيء يا أبتِ... أترى عليَّ شيئاً يختلف عما رأيتني عليه صباح هذا اليوم؟.
- أرجو أن تكون بخير.
- اطمئن... أنا بخير.
ثم يستأنفان طعامهما ، وينفض سعيد يده من الطعام بحمد الله على نعمته ، ويبتدر أباه قائلاً :
- كيف تركتَ مَنْ وراءك ؟.
- بخير، والحمد لله .
- هل من الأخبار جديداً ؟.
- وأي جديد سيستجد ؟. كل شيء على حاله .
ولم يجرؤ سعيد على سؤال والده عن خبر يريد سماعه ، فكيف له أن يتوغل في أعماق والده ليعلم ما يرغب في معرفته من أخبار. إذن ، لا بد من التصريح بدلاً من التلميح . ولكنْ ، ماذا لو أنه صرَّح بالقول ؟. هل يكون ذلك وقاحة من الابن لاجترائه على قفز الحواجز على الرغم من أنَّ الجرأة والوقاحة في القول توأمان عند أهل القرية الذين ورثوا سُنَّة الآباء والأجداد ، لاسيما إذا كان الحديث في موضوع لا يحسن للابن أن يتحدث فيه مع والده أو أمامه ، أو حتى على مسمع منه وإن كان من خلف حجاب . " إذن، ليكن ما يكون وسأسأل دون مواربة " :
- سمعتُ أمي تتحدث إليك بالأمس مساء ، وقد كثر فيه ترديد اسمي على لسانيكما .
- نعم !.
- وسمعتُكما ترددان اسم الحاج حسين أبي النور.
نظر الأب في وجه ابنه وقال :
- نعم ! هذا صحيح .
- خيراً إن شاء الله .
رفع الأب وجهه وحملق في وجه ابنه وقال مستنكراً :
- ما دمتَ قد تسمَّعتَ ما دار بيننا ، فعمَّ تسأل ؟ ولماذا تسأل ؟.
وأسرع لسان سعيد في الدفاع عن نفسه فيرد على أبيه بشيء من الاضطراب :
- لم أسمع إلا أسماء ولم أفهم شيئاً ، إذ كان حديثكما همساً ما بين المخافتة والجهر، ولم أكن أتصنَّت لولا أن سعى إليَّ بعض الكلام ، واخترق عليَّ خلوتي وصمتي .
- حسناً يا ولدي !.
وتلمَّظ الوالد ورفع الإبريق فبلَّ ريقه بجرعة من الماء ، ثم قال :
- لقد طلبتْ مني والدتُك أن أتحدث إلى الحاج حسين أبي النور من جديد .
- فيم...؟.
- في ردِّه على طلبنا .
- وهل قابلته ؟.
- نعم ، كان ذلك ليلة أمس ؛ إذ ذهبتُ إلى داره وتحادثنا .
نظر سعيد في وجه أبيه ، وأخذ يتفرس في كل خلجة من خلجات شفتيه ونظرات عينيه يستقرئ ما بها من تباشير الفرح ، ولكنه لم يستطع ، فابتدره أبوه قائلاً :
- يبدو أنَّ سلمى...
وتجمد الكلام على اللسان كمن أصيب بغصة في حلقه ، فانعقد الجواب وتلاشى الصوت الذي يحمل الجواب ، ولكنَّ سعيداً عاجله قائلاً في عز وكبرياء :
- دعك من هذا الأمر يا أبتِ ، ودع عنك إلحاح أمي ورغبتها ، فكل شيء بحسب القسمة والنصيب .
فقال الوالد وقد تغيرت لهجته إلى نبرة فيها مواساة وتطبيب جرح أليم :
- يا بُنَيَّ ، الفتيات كثيرات ، فاختر لنفسك غيرها ، واعفني من المتاعب .
انطفأ البريق الذي كان يشع من عيني سعيد ، وانحسر في مكانه ، وأخذ يرشف الألم ، ووالده يرقبه بعينين كليلتين ، فيهوِّن عليه قائلاً :
- إنها يا ولدي تحتفظ لنفسها بحق الرد ، ولم يتمكن والدها من انتزاع كلمة القبول أو الرفض عندما فاتحها في هذا الموضوع ، فهو لم يُكْرِهْها على شيء لا تريده .
فهَزَّ سعيد رأسه ، وقال وهو يفرك يديه متظاهراً بالتمالك وعدم التأثر:
- ولِمَ يُكْرِهُها ؟ فزواج بالإكراه لا يدوم ، وأنا أريد لنفسي زواجاً يدوم .
- على كل حال الباب مازال مفتوحاً .
- لم أفهم قصدك .
- لقد كان ردهم أن نمهلهم بعض الأيام للتشاور ثم يأتينا جوابهم .
قال سعيد وقد أظهر عدم اكتراثه المفتعل :
- لا ترسل إليهم ، ودعهم يجيبون أو لايجيبون ، وكل شيء قسمة ونصيب .
* * * * *
استيقظ سعيد في الصباح متأخراً ، وقد أطلت الشمس من النافذة وغمرت فراشه ، وتسللت أشعتها إلى عينيه ، فأيقظته وهو كاره ، فألحتْ عليه حتى أخرج جسده من بين ثنيات الغطاء . ونهض متثاقلاً وهو يتمطَّى ، فكاد يسقط من شدة الإعياء لولا أنه تمالك نفسه ، ومشى بضع خطوات أحس معها بدوار وغثيان ، فاتكأ على مسند كرسي عتيق . وما هي إلا لحظات حتى استجمع قوته وتهيأ للخروج وأتم استعداده له ، وبينما كان يخطو تجاه الباب ، إذا بصوت والده يستوقفه :
- إلى أين يا سعيد ؟.
- إلى الحاكورة يا أبي .
تنهَّد الأب وقال مشفقاً على ولده :
- يا ولدي ، اليوم الجُمُعَة .
- وماذا يعني ذلك ؟.
- يعني: الراحة ؛ فلا حاجة ملحة للعمل .
- ولكني أحس رغبة في قضاء بعض الوقت هناك... طلباً للراحة .
- يا ولدي ، ابقَ إلى جواري ، ولا تخرج .
- لست بعيداً عنك ، إن أردتَ حضوري .
- بإمكانك أن تذهب ، ولكن بعد صلاة الجُمُعَة .
وفتح سعيد الباب ، ومدَّ إحدى قدميه إلى خارج وهو يقول :
- سنلتقي هناك... إن شاء الله .
- انتظر يا ولدي ، فقد نُزار وربما نزور.
- البركة فيك وفي إخوتي .
- أنت كبيرهم !.
ذابت هذه الكلمة في حنايا نفسه ، وأحس شيئاً غامضاً أوجعه ، وأطلق لذاكرته
أن تُفَسِّر له هذا الأثر الذي أحدثته هذه الكلمة التي جرت على لسان والده ، وأخذ يعصر ذاكرته ، ويستدعي ما بها من مخزون ، فدعَك جبهته بيده ، وكأنه يفتش عنها ، إلى أن جاءه الصوت : " اسأل كبيرهم " ، حينها ابتسم ابتسامة لا تخلو من معنى الألم ، وأحس شيئاً من الارتياح ، وقال لنفسه : " لم يكن حلماً ولكنه شيء يشبه الحلم " . وابتسم ، واتسعت ابتسامته ، وقال : إنها إيزابيل التي سرقت كرم " نابوت "، وأغرتْ به السفهاء من القوم ، فطردوه وقتلوه رجماً بالحجارة " المُكَهْنَتَة " نعم هي... التي هبطت من مدارج السماء ، وعادت ترتقي المعارج .
ولكنْ صوت الأب قد أعاده إلى أرض الواقع ، بقوله :
- سعيد !.
- نعم... يا أبتِ !.
- أين أنت ؟ أخاطبك ولا تَرُد... ما بك ؟.
- لا شيء !.
- وكيف لا شيء ، وأنت بهذا السهوم ؟ .
- أبداً... لا شيء... اطمئن .
- إذن ، ابقَ يا ولدي ولا تخرج الآن .
وتُهرع الأم إلى باب الدار على صياح زوجها ، وتقف بين زوجها وبين ولدها وعلى وجهها علائم الاضطراب والاستياء ، بينما كانت يداها تَلُفَّان حزامها على وسطها ، وتُتِم عَقْدَه من الخلف ، وقد شابه ذيل فرس أصيلة . فانبرت تسأل زوجها برفق وهي تهدئ من روعه ، وتنقل عينيها بين وجهيهما :
- ماذا بك يا أبا بكر ؟.
فقال الأب وهو يرفع يديه ملوحاً في شيء من الغضب :
- اسألي ابنك !.
فنقلتْ عينيها ولسانها إلى ابنها تسأله ، وهي تتفرس في وجهه تستقرئه :
- ماذا بك يا سعيد ؟. خيراً إن شاء الله .
تمالك سعيد نفسه ، وكظم غيظه ، وكبح جماح نفسه من غضبه ، ولكنَّ نبرة الصوت قد فضحته ، فأبانت عن غَمِّ لا يعرف أحد مأتاه .
- خيراً يا أمي ، أريد أن أخرج إلى الحاكورة ، وأبي يريد أن يبقيني في الدار.
قالت الأم بشيء من التودد ، وبشيء من تهدئة الخواطر، وبصوت فيه لوم وتأنيب رقيق :
- طَيِّب يا ولدي ، ما دام أبوك يستبقيك ، فابقَ بجواره ، ولا تخرج يا حبيبي.
- ولكن يا أمي...
وتوقف سعيد عن الكلام ، وكاد يقول شيئاً ، ولكنه آثر الصمت ، فاندفعت الأم إلى استجدائه وحثه على الإفصاح وتبيان ما ينتابه .
- وماذا أيضاً... قل... تكلم .
- لا شيء !.
التفتت الأم ، وقالت لزوجها بلهجة الرجاء والتودد :
- دعه يذهب يا أبا بكر، وإنْ طرأ ما يوجب حضوره ، نرسل إليه مَن يستقدمه .
قال سعيد مستحسناً رأي أمه :
- حسناً يا أماه !.
فقال الأب مستسلماً ، وقد ظهر عليه شيء من الضيق :
- اذهب إلى حيث تريد ، وعد متى تريد...
وهنا عاد سعيد إلى حجرته كمن تذكر شيئاً ، بينما ظلت الأم بجوار زوجها تهدئ من غلوائه ، وهو يقول :
- والله عال ! الأبناء يحكمون ويتحكمون، والآباء صاغرون، جيل آخر زمن !.
فابتسمت الأم ، وقالت بشيء من التلطف :
- أرى تصرفاته الغريبة قد زادت ، فهل لديك تفسير لها يا أبا بكر ؟. فردَّ عليها زوجها وهو يضع العقال على رأسه :
- وماذا تَرَيْن ؟.
- أرى أنَّ تصرفاته هذه تدل على رغبته في طلب الزواج الذي يمنعه حياؤه وكبرياؤه من التصريح به .
فالتفت إليها زوجها وقال :
- هيَّا انشطي يا شاطرة ، ولن تجدا مني إلا المباركة ودفع المهر.
فضحكت الأم ، ثم غادرتها ضحكتها، وقالت :
- آه ! لو أنَّ سلمى ...
وهنا قاطعها زوجها زاجراً إياها بصوت عال :
- اتركي سلمى ، وتحدثي في غيرها .
وتوقف الاثنان عن الحديث عندما سمعا خطوات سعيد يخرج ، وقد صفق باب الدار وراءه بما ينم عن استيائه وغضبه .
* * * * *
خرج سعيد وبداخله شعور كذياك الذي ينتاب السجين حين يتربص بسجَّانه مغافلاً إياه ، ينتظر ساعة الفرار، ساعة الخلاص من حياة قد أُكْرِهَ عليها ، وظل هذا الشعور يتململ من رقدته على حذر من صاحبه ، لعله يفتح له صفحة جديدة في كتاب الحياة الذي مرَّ منه الكثيرون دون دلالة على حتمية استمراره . فالحياة عريضة، والعمر طويل ، ورزنامة السنة تكاد تمتلئ بتذكارات سود . والناس في هذه البلاد قد اعتادوا أن يحسبوا العمر بالسنين ، وما أكثر هذه السنين التي بين صرخة الميلاد وبين شهقة الموت والمفارقة !. ولكنَّ سعيداً ينظر إلى هذه المسألة نظرة تختلف ، فهو يرى العمر الحقيقي أياماً لا سنيناً : إنها أيام السعادة والبهجة حيث ينعم فيها الإنسان بالحرية والطمأنينة وراحة البال ، وياحبذا لو تَرك الإنسان على وجه دنياه بصمات من عمل الخير ينفع به سائر البشر .
ولعل سعيداً هذا يضيق بالحياة الرتيبة البائسة ، ويمقت هذا السجن الرحب الذي يعيش فيه ، إنه حبيس قريته التي تسمح له بشيء من الحركة والتنقل ، وإن كان ذلك بقدْر محدود ، إنه يُعلن ويُصَرِّح بذلك دون تحرج : أنَّ حبلاً يلف عنقه وينتهي طرفه
الآخر بوتد دُقَّ هناك في باطن أرض قريته . فمتى يستطيع أن ينزع هذا الوتد ؟! . ومتى يستطيع أن يعيد الروح إلى الجسد ؟! . فهل يا تُرى تزاح الأستار عن شمس وضيئة ؟!. وهل تعود الأطيار، ويتفتح في دياره النَّوَّار ؟! .
" واحسرتاه !... إنَّ تواريخ أحزاني تفوق تواريخ أفراحي ، فكيف أشعر بذاتي وهدوئي.؟!. إنني أموت كل ليلة ألف مرة ، وتزورني الأوجاع في هدأة الليل ، وغيري من أبناء جنسي في أماكن متفرقة من هذا العالم يعيشون في الليلة الواحدة أكثر من السنوات التي عاشها نوح : يغرقون في لهوهم وعبثهم ، يسترهم ليل أسود. فلماذا يحتكرون الحياة لأنفسهم ويمنعونها عني ؟! ومع هذا فلن أهجع ، وسأبحث عن مفاتيح خزائن سليمان ، لأطلق سراح نفسي الحبيسة منذ آلاف السنين وسأخرج إلى الدنيا طوداً لا يُقاوَم ، وغير قابل للذوبان أو الانصهار " .
كان سعيد يمشي بهمة ونشاط ، يطوي الأرض بقدميه ، وكان يترنم بمطلع أغنية شعرية ، وعيناه تحتضنان الأفق البعيد ، ويجدُّ في مشيته ، ويُكثر من الالتفات وراءه ، فيتعثر في طريقه بحجر، أو تزل قدمه في حفرة ، أو تتشابك بأسلاك الحقول وأشواكها، فيُحَرَّرُها ويمشي خائفاً يترقب . وما زالت عيناه تنظران إلى الأفق البعيد ، وما زالت شفتاه تترنمان بقصيدة لقيس المجنون بحب ليلى حيث يقول:
مُعَذِّبَتي ، لولاكِ ما كنتُ هائماً أَبِيتُ سخينَ العَيْنِ حَرَّانَ باكيا
مُعَذِّبَتي ، قد طال وَجْدي وشَفَّني هواكِ ، فيا للناس!، قَلَّ عَزَائيا
وقائلةٍ ، وا رحمتا لشبابه فقلتُ : أجلْ ، وارحمتا لشبابيا
تمرُّ الليالي والشهور ، ولا أرى غَرامي لها يزداد إلَّا تماديا
ويُوسِع سعيد من خطاه ، لا يلوي على شيء ، ولا يحسُ شيئاً. إنه في طريق ضيقة مطروقة بين الحقول ، حتى إذا خرج منها وعرَّج إلى إحدى الخِرَب في ظاهر القرية ، وجد نفسه قد استشرف " خِرْبة العطار". وما إن أطلَّ عليهم برأسه حتى سَمع صوتاً يقول : - ها هو سعيد قد وصل .
ويتقدم سعيد فإذا بجماعة من أترابه يتحلقون على الأرض في جلسة يبدو عليهم
الاسترخاء والبشاشة .
- السلام عليكم !.
- وعليكم السلام !.
وما إن اتخذ له مقعداً بينهم حتى انبرى له أحدهم يسأل بصوت لا يخلو من صرامة ، ولا يخلو من الانزعاج :
- ألم تَرَ أنك قد تأخرتَ عنا بعض الوقت يا سعيد ؟!. لماذا ؟.
- لقد تباطأتُ حتى أصرف ما لحظه والدي مني .
- حذارِ من التباطؤ أو التأخير مرة ثانية .
- حسناً !.
وهنا يلتفت صاحب الصوت إلى رفاقه قائلاً :
- دعوني أسمع أراءكم وملاحظاتكم لنجتمع على رأي ، ثم نُوَزِّع الأدوار.
كانوا تسعة بعضهم من قرية بيت جبرين وبعضهم من القرى المجاورة ، وهذا الفتى الزعيم يحاورهم ويناقشهم ويبدي ملاحظاته ، وهو يستمع لآرائهم باهتمام ولي الأمر ، فتبدو عليه مخايل الزعامة التي لا تخلو من عنف وحماس ، ولا تخلو أيضاً من لطف ووداد .
كان في السابعة والعشرين من عمره ، طويل القامة ، عريض المنكبين، تتوسط حاجبيه شامة تزين وجهه ، وتغري الرائي بالنظر إليه ، وكان دقيق الملامح ، حاد النظر، تميل بشرته إلى اللون الحنطي ، ينسدل شعره على مقدم رأسه مهفهفاً ناعماً بلونه الكستنائي ، يرتدي قمبازاً دمشقياً مخططاً بخطوط رفيعة ، تعلوه سترة عتيقة ، تتدلى على كتفيه وصدره كوفية بيضاء ، يخفي بها بعض وجهه حين يريد الإخفاء ، ويظهر منها طلعته حين يريد الإظهار .
كان هذا الشاب قد نال إجازة المعلمين من معهد المعلمين بالخليل ، ويعمل معلماً في مدرسة قرية بيت جبرين منذ بضع سنوات ، وقد شهد له جميع من عرفه برجاحة العقل والحذر الشديد من الناس، فكان يحسن الصمت في مجالسه ، لا يتكلم في شيء
يتعدى نطاق الأدب والشعر والتاريخ ، يُفضِّل الوحدة والانطواء ، أو هكذا كان يبدو للآخرين. وها هو الآن يجلس مع رفاق انتقاهم من بين زملاء ومعارف قدامى ، وقد فرزهم أخلاطاً من شتى القرى التي تحيط بقريته ، وإنه يتوسل إليهم ألا يذكروا اسمه إلا رمزاً ، احترازاً من الوقوع في متاعب مستقبلية ، وقد أخذ عليهم مواثيق غليظة على الإخلاص لحركتهم وسرية اجتماعاتهم ، وتعاهدوا على الوفاء والتضحية بالأرواح والمهج وكتمان السر ، ثم أَسنَدَ لكل منهم دوره بعد أن وضحت لهم معالم الطريق ومسالكها، فأقرُّوا لزعيمهم بالزعامة ، ونودي فيما بينهم بالزعيم وقد عُرف به بينهم .
انفضَّ المجلس على أمل اللقاء في موعد لاحق ، وقد اتفقوا أن يكون موعدهم العصر في كل يوم جُمُعَة ما لم يكن هناك ما يمنع . وانصرف الرفاق منفردين ، اتقاء الرقباء والعيون ، ودرءاً لهم من الشبهات والظنون .
عاد سعيد أدراجه وقد أحسَّ نشوة لا تعدلها نشوة ، وبراحة لا تماثلها راحة ، وأحسَّ شيئاً يتلوى في داخله ، يتمرد في صدره ، يصرخ في أعماقه ، وكأنه في مخاض عسير . وأفاق على لسانه ينطلق بشيء ليس شعراً وليس أغنية ، وإنما هو أشبه بمناجاة النفس للنفس : " ترنمي أيتها العجوز العاقر ، ترنمي وزغردي ، فلتسمع كل الدنيا آهاتك ، وهُزِّي بزغاريدك جنبات الكون...زُفِّي لهم بُشْرَى حِمْلِكِ بعد أن هوت بك كف الزمان في وادي النسيان السحيق . أخبريهم بصدق نبوءاتك ، أخبريهم أنَّ فجر الميلاد آتٍ ، وصِفي لهم مولودك الموصوف ، ذلك الآتي من وراء الشمس ، القادم من خلف الغمام ، من بين طيات ضحكات الزمان الهازئة . اسحقيهم بالمفاجأة التي ما خطرتْ على بال " زيوس " ووزير حربه الإله " مارس ". ترنمي واعزفي على أوتار الموج ألحان برجمات الحمام وهديلها ، ولا تعبئي بصهيل الخيل المُهَجَّنَة ، ففي خيمتنا مهر أصيل ، وسيف فارس يثلم كل السيوف ، ويكسر كل الحراب ، ويمنع الخراب . أطيلي أيتها العجوز العاقر ضفائر شعرك ، وارفعي رأسك ، قاومي رياح الغرب ، واعصفي بمواقد النار والقدور ، وحطمي دنان الخمر ، وازرعي البذور ، ولا تجعلي الحزن يسحق بقايا أسنانك ، لا تجعلي الوجيعة تدوس السنابل ، فبرج الحَمَام
قائم . اثبتي ، ولا تبتعدي عن أرض المخاوف ، فلا تخافي ولا ترتعدي . تقدمي... تقدمي ، فالنار عليك كانت وستبقى برداً وسلاماً ، ولا تجزري وليدك القابع خلف الباب ، وراء الحجاب ، بل دعيه يخرج من المحراب ، فسفينة نوح في انتظاره ، وإنها لترفع المرساة ، ويشرئب فوقها الشراع إيذاناً بالإبحار، وإنها سترسو على ضفاف دجلة ، وسيُعَمِّدُه مَوْه الفرات ، وسيضرب مولودك بفأسه بين النهرين أرضاً تهتز طرباً لضرباته ، أرضاً تمتلئ بمشاعر أرقى من مشاعر" قابيل " ، ومنها تخرج عواطف أنبل من عواطف " أستير" ، تستمطر عليك وعلى وليدك الرضا ولين الحياة ... فأنَّى يكون ذلك ؟! " .
" ويقولون متى هو ، قل عسى أنْ يكون قريباً " .... صدق الله العظيم .
* * * * *
جلست سلمى قبالة المصباح الزيتي الذي ينفث شعاعاً واهياً ، يضطرب كلما هبت عليه نسائم الصيف ، فكان يرسل ضوءه وهو يلهث بأنفاس عليلة ، وأخذت تنفق ما تبقى لها من نشاط بما بقي لديها من أعمال ، فاستيقظ كل شيء فيها، بينما نام أهل الدار ولم يبق غيرها في عين الليل الداجي يسهر، جفاها النوم ، وتكاثرت عليها الأفكار تتناثر من هنا وهناك ، فتزدحم الذكريات ، وتعصف برأسها الخواطر، وما برحت تطرد منها الكثير حتى أطل سعيد من بين الزحام بهيئته وطلعته الوضاءة الزكية ، فتهلل وجهها ، واتسعت ابتسامتها ، فاستبْقته واقفاً أمام خيالها ، وتناولت ثوباً بجانبها ، وأخذت تُطَرِّز فيه بعض الرسومات والأشكال . وسحبتها خيالاتها ، وألحت عليها بعض الصور لذكريات قديمة ، إذ حملتها إلى أيام الطفولة حيث جمعت بينها وبين أترابها ملاعب القرية وألعابها ، فرأت نفسها تجري وراء سعيد ، تحاول أن تمسك به ، ولكنه " يُسملح " بوضع يديه على حائط قد تعارفوا عليه في لعبتهم ، ثم رأته مع أتراب لها في لعبة " جَنْة ونار"، ثم رأت بعين الخيال رقصاتها وغناء الأخريات من أترابها ودبكات الأولاد وهم في عمر الزهور ، وكان سعيد من بين تلك الزهور التي كانت تحب التقرُّب منها ، وترتاح إليها . وأبحرت سفينة الذكريات بسلمى ، فتذكَّرَتْ
كم كانت تحس في صدرها الطفولي ميلاً إليه ، ورغبة في اللعب معه ، على الرغم من تسلطه عليها دون غيرها من أطفال الحارة في لعبة " طاق طاق طاقية... رِنْ رِنْ يا جرس " . واستمرت سلمى تُطَرِّز ثوبها وقد تورَّد وجهها ، واتسعت الابتسامة على شفتيها حين رأت سعيداً يناوشها ، فلم تطعمه من فطيرة كانت بيدها فضربها ، وعادت تبكي لأمها .
يا لها من أيام هادئة ، جميلة !. إنها جزء من تكوينها ، فكبرت سلمى ، وكبر سعيد، وأصبحا شابين ، وإذا بميل إليه قد نما وتحرك في أعماقها . إنها الآن تلوم نفسها لأنها رفضت حديث أبيها في شأنه ، ولكنها تلوك الحكاية من جديد ، وتعود تستحسن موقفها الرافض ، لأنها تريد أن تكون مرغوبة من سعيد لا من والديه ، تريد أن تحس به قريباً منها مستشعرة صدق عاطفته تجاهها ، كما هي صادقة في عاطفتها نحوه ، وتريد أن تلمس حبه لها ، لا حب والديه وترشيحهما لها عروساً له . إنها تريد أن تكون صفيته باختياره هو لا تعييناً من والديه . فهل يا ترى يتحقق ما تتمناه ؟!... إنها يومئذ لن تتردد في القبول ، وإنها لن تكتفي بالصمت علامة الرضا والسرور، بل ستجهر بذلك لأمها ، إن لم يسعفها حياؤها أن تجهر به لأبيها . ولكنَّ سعيداً في واد آخر ، لا يبدو عليه شيء يدنيه منها فتدنو منه ، أو يكون منه ما يدل على ميله صوْبَها فتميل إليه ، ربما نعم وربما لا . إنه شاب وقور متزن ، ليس من عادته أن يسدِّد إليها أو إلى غيرها من صبايا القرية نظرة خارجة عن حدود الحياء، أو يتفوَّه بكلمة تنبو عما تعارفت عليه أعراف القرية . فكم سارت من جواره غادية رائحة ، تحييه بتحايا الصباح إن كان صباحاً ، أو بتحايا المساء إن كان مساءً ، فيرد بلسانه رداً خجولاً مقتضباً دون أن يشرع بصره أو يرفع طرفه . وكان ذلك منه يغيظها أحياناً ، ويروق لها أحياناً أخرى ، وتمضي وهي تتمتم تحدث نفسها :
" كيف أجعله يدنو مني؟! لا بد من أن أتقرب إليه وأقترب منه ، فربما يشجعه ذلك على مبادلة المشاعر، ويبسط له طريق التواصل ؛ فيحس بي ويقترب مني... " . إنَّ ما كان بينه وبين العصفوري في ذلك اليوم العصيب على مرأى ومسمع من
أهل القرية ، لَهُوَ أمرٌ أسيف . " آه... يا سعيد ! لو أنك تدري كم زادني ذلك الموقف حباً لك وخوفاً وإشفاقاً عليك . لقد كنتَ قوياً شجاعاً وجريئاً في جراءة الأبطال من الأساطير، ولكنَّ قُوَى الشر قد تكاثرت عليك وغلبتك ، فزاد قلبي تعلقاً بك ، وإكباراً لك ، وإيماناً بمنهجك الذي طرحته من خلال الحوار الساخن . فهل تعلم يا سعيد صدق عواطفي ومشاعري نحوك ؟ . من يخبرك ؟ ومن يأتي إليَّ بردك على رسالتي؟ " .
وها هو ضوء المصباح في ذلك الليل البهيم قد خبا ، وأحسَّتْ سلمى بالنعاس يداعب أجفانها بأنامل وردية رقيقة ، فهبَّتْ على وجهها نسمة يفوح في حناياها عطر النوَّار، وكفَّتْ عن التطريز، وألقتْ ما كان بين يديها جانباً ، ونامتْ ملء جفونها قريرة العين نوماً أتحفها بما رأت من الأحلام الوردية .
أفاقت سلمى في الصباح ، ونهضت متثاقلة ، تحسُّ شيئاً من الارتياح والانشراح قد اعتمر صدرها ، وتذكرتْ ما كان في ليلتها حتى أضاء وجهها ، وهبَّتْ تنشط بأعباء البيت ، فرفعتْ الفراش وكنستْ ثم عجنتْ ثم جلستْ أمام الطابون (التَنُّور) تشعله استعداداً للخبيز ، بينما تقوم أمها بتقديم الأعلاف للبهائم وإطعام الطيور . وما إنْ تُتم إنضاج الطعام وتجهيز الفطور حتى تحمل لفة الطعام على رأسها وبيدها إبريق الماء ، وتقصد أباها حيث يعمل في الحاكورة ، وكان عليها أن تسير في طريق تشق الحواكير ، فتمرُّ بسعيد وقد أخذ يعزق الأرض بفأسه بضربات رتيبة . مدتْ سلمى عينيها فأحاطته ، وإذا به قد أحسَّ وقع أقدامها ، وتشمَّم ما تقدمها من عرف طيب ، فيرفع رأسه يمسح بكُمِّه حبات عرق تجمهرت على جبينه ، فيراها وتكتحل عيناه بوجهها الوضيء ، وسرعان ما غضَّ طرفه ، فينحني يلتقط بعض الحشائش تحت قدميه ، فإذا بها تعاجله قائلة :
- الله يعطيك العافية يا سعيد !.
فيعتدل مبتسماً وهو يقول :
- الله يعافيكِ وِيسَلْمِك !.
- أراكَ اليوم وحدك .
- إني دوماً وحدي .
- كنت أرى مَنْ يرافقك أحياناً .
- ولكني أبحث عن رفيق دائم ، يقيم معي ويؤنسني .
كان الإثنان يتدافعان على عتبات المحبة التي يهدأ بها القلب العاشق الولهان ، ولكنها سبقته فمالت إليه بقلبها ومال إليها بروحه ، واقترب كلاهما صوب الآخر فكانا وجهاً لوجه ، يفصل بينهما سوار الحاكورة ، فنظرت إليه وقالت :
- أرجو أَلا أكون قد أسأتُ الخطاب ، فنكأتُ عليك جرحاً مطموراً .
- لا عليك يا سلمى ، فإني بَلَوْتُ أهل قريتي ، فإذا بهم......
وقاطعته قائلة :
- دع عنك لوم أهل القرية ، فإنهم مستضعَفون .
وهَزَّ رأسه ثانية ، وقال في شيء من العتاب :
- وأنتِ يا سلمى ؟.
- ماذا ؟.
- تمرِّين بي سهماً يخترق الحواكير ، لا يميد ولا يحيد .
- لم أفهم عنك مرماك .
- ما الذي قرَّبك مني اليوم ، وقد تباعدنا زمناً ؟.
- وهل يُريبكَ مني اقترابي ؟!.
- كَلا ، ولكني أتساءل : هل رثيتِ لحالي إلى حد يجعلك تشفقين عليَّ بعد تلك الواقعة ؟.
- يعلم الله ، كم وددتُ رؤيتكَ والتحدث إليكَ من قبل ، وما كانت تلك الواقعة إلا
كسُقْيا المطر، أنبتت إعجابي بكَ وتقديري لكَ ، ولكني أراكَ تشيح وجهكَ إذ
تراني، فأحجم .
- لا أريد أن أباديكِ بما لا يُرضيكِ ، أو يُعَكِّر صفوكِ .
- وأنا مثلكَ يا سعيد ، ولولا أني رأيتُ منكَ ما لم أكن أراه من قبل ، ما كنتُ قد تجرأتُ على الوقوف معكَ والتحدث إليكَ .
- وماذا رأيتِ يا سلمى ؟.
- رأيتُ منكَ ما أرى من نفسي .
- وددتُ أن تبيني وتجهري بالقول .
- لا جدوى من الإبانة والجهر لأمر أنت تعرفه .
- رجوتُ أن تكوني إيَّاها منذ زمن .
ابتسمتْ سلمى وقالت بدلال :
- عمَّ تتحدث يا سعيد ؟ ومَنْ إيَّاها ؟.
- يحزنني إنْ لم تفهمي عني لغتي .
اتسعتْ ابتسامتها وقالت وهي تُلَوِّح بيدها وتنقل الخطو ، وما زالت عيناها تخترقان عينيه ، وتنفذان إلى داخله .
- إني أرجو رجاءك .
- وأنا أنتظر منك دعوتي للقاء يدوم .
واستدارت تخفُّ في مشيتها ، تحمل صُرَّة على رأسها ، وإبريقاً فخارياً في يدها اليمنى ، بينما تشتِل ذيل ثوبها بيدها اليسرى وتبتعد شيئاً فشيئاً ، ومازال سعيد يودعها بنظراته ، ويتعقبها بأنفاسه ، ويلاحقها بخيال ينسج لها ثوباً أبيض وطرحة وردية ، وتلفح وجهه نسائم غريبة قد امتلأ صدره بها ، وتنهدت الذكريات من جديد ، وقال لنفسه : " هل حقاً فهمتْ قولي ؟. إني اليوم إذن لسعيد ! " .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.