استبشر كثيرٌ من الناس بمكرمة خادم الحرمين الشريفين، حين أمر بتمديد مهلة تصحيح أوضاع مخالفي نظام الإقامة بالسعودية؛ لأنهم يدركون أن هذا البلد الطيب هو مصدر رزقهم بعد الله، ولكن هذه الفرحة تحطمت وهوت على أعتاب الجهات الحكومية المناط بها تطبيق التسهيلات؛ فظهر من جراء عدم الاستعداد الكافي لاستقبال راغبي تصحيح أوضاعهم ما يُسمى ب(السوق السوداء)، حول أسوار الجوازات ومكاتب العمل؛ إذ تباع أرقام المراجعين بأسعار باهظة لمن ليس لديه مقدرة على الاصطفاف في الطوابير الطويلة التي لا يُرى نهاية لها، بل حدثني ممن لا أشك في صدقه أن بعض المراجعين لجوازات الرياض ينتظرون في الطابور ما يزيد على اثنتي عشرة ساعة، وأنه يتم إحضار الغداء والعشاء والفطور لهم من ذويهم، وهم متشبثون بأسوار الجوازات! كما أن مكاتب الخدمات المنتشرة حول إدارة الجوازات ومكاتب العمل استغلوا هذا التعسير والتأخير؛ فرفعوا مطالباتهم بأسعار مضاعفة، وبعضهم أخذ أموال الناس ثم تأخر في إكمال إجراءاتهم، مكتفياً بإقفال جواله تاركاً المراجعين في حيرة من أمرهم وقلق على مصيرهم!! إن مكرمة خادم الحرمين الشريفين كانت تستحق من العناية أكثر مما تم الإعداد له؛ فنقص الموظفين بالجهات المعنية، والأعطال المتكررة بالحاسب الآلي بها، حالا دون أن يستفيد الكثير من هذه الفرصة. إنني ابتداء ضد وجود أي وافد يقيم ببلدي بصفة غير نظامية، وقد ذكرتُ ذلك في مقال لي بمجلة (حقوق) التي تصدرها هيئة حقوق الإنسان بالسعودية، إلا أن تحقيق هذه الإرادة الملكية واجبٌ، كان من المفترض بذل كل الجهود لتحقيقه. علماً بأن السعودية كانت ستستفيد من وجود كثير من هؤلاء لو تيسر تسهيل تصحيح أوضاعهم، في ظل التنمية القائمة والواعدة، والمشاريع العملاقة القادمة المنتظرة في كل أرجاء السعودية. كما أن مكافحة التستر هو أهم ما يمكن فعله بعد الآن؛ لأن تصحيح أوضاع بعض الوافدين يقف وراءه من يساهم في بقائهم بصورة نظامية (ظاهرياً)، لكنهم يعملون لحسابهم الخاص؛ وبهذا سيظل استنزاف أموال الوطن قائماً ما لم تُبذَل الجهود المستمرة والفاعلة والمدروسة للقضاء على التستر، ومراقبة الأموال المتسربة إلى خارج البلد، خاصة أنه لا توجد ضرائب على الدخل بالمملكة. والذي يبعث على القلق أن يكون هناك تعسفٌ في القبض على المخالفين، وسوء تعامل معهم أثناء إيوائهم وترحيلهم؛ لذا فإن هيئة حقوق الإنسان عليها مسؤولية جسيمة في تتبُّع أحوال المقبوض عليهم، وزيارة أماكن سجنهم؛ للتأكد من عدم وجود مخالفات أو تجاوزات؛ لأن السعودية ممثلة في هيئة حقوق الإنسان بذلت جهوداً مضنية في تحسين صورتها في المحافل والمنظمات الدولية؛ ما أسفر عنه إشادة دولية بجهود السعودية في الحفاظ على حقوق الإنسان، وذلك خلال المؤتمر الذي عُقد مؤخراً بجنيف. ورغم ذلك، فإن الحاقدين على السعودية يتربصون بها الدوائر؛ ليضعوا أيديهم على مخالفات يتخذونها مشجباً، يعلقون به كل ما هو سيئ ورديء بحق السعودية، ليس حرصاً على حقوق الإنسان، بل كرهاً في هذا البلد. كما أن علينا ألا يغيب عن أذهاننا أن أي تجاوز أو تعسف في تطبيق إجراءات القبض والإيواء والترحيل سوف ينعكس سلباً على مواطنينا عند وجودهم خارج السعودية؛ ما يعرضهم للأذى والكراهية. لذا فإن على الجهات المعنية بتطبيق الأنظمة على أولئك المخالفين أن تضع في اعتبارها هذا الأمر، ولا تنظر إلى كمية من تم ضبطهم، بل كيف تم فعل ذلك، وهل كان وفق المعايير الإنسانية التي التزمت بها السعودية مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص، فإذا كان ما يراد فعله أمراً مهماً فإن طريقة تنفيذه لا تقل أهمية، كما أن الغاية الشريفة لا تبررها الوسيلة الخاطئة. أتمنى أن تُكلل الجهود بالنجاح، وأن نرى آثارها الإيجابية دون السلبية في القريب العاجل.