بدا الارتباك عليها واضحاً، واعتقدت أننا جئنا إليها في زنزانتها في السجن المركزي لنكرر على مسامعها الأسئلة التي اعتادت عليها منذ ألقت الشرطة عليها القبض، أسئلة تتعلق بالجناية التي ارتكبتها، لكنها أطمأنت عندما علمت أننا جئنا لنروي لنا شطراً من فصول حياتها التي اعتقدت أن أحداً سواها لن يهتم بها.. إنها ياسمين ذات ال22 عاماً. أطرقت برأسها وأطلقت زفرة عميقة وبدأ صوتها الحزين يتدفق قائله: بدأت حياتي في منزلنا- منزل والدي الصغير، أعيش بجوار أخوتي الذكور الخمسة وأنا أصغرهم، كان الفقر ملازماً لأسرتي فتسرب أخوتي من المدرسة باحثين عن عمل، ولقد كان الفقر سبباً في كل مشاكلنا التي لا تنتهي، وأخيراً توفي والدي وأنا لازلت طفلة وبعد عامين توفيت والدتي فأخرجني أخوتي من المدرسة قبل أن أتم الابتدائية حتى أخدمهم في المنزل.. وعندما أصبح عمري 13 عاماً زوجوني برجل أكبر من والدي وكان متزوجاً من أخرى، ولأنني لازلت طفلة لم استطع التوافق معه ولا إرضاء رغباته ولقلة خبرتي في الحياة سرعان ما طلقني، وعدت لمنزلنا حيث أخوتي لكنهم نبذوني وعاملوني بقسوة فلم يروق لهم أن أعود إليهم مطلقه وحملوني ذنب فشل زواجي برغم أنني لم أكمل الخمسة عشر عاماً. ولم يعد أحداً يهتم بي أو يسأل عن احتياجاتي فخرجت باحثة عن عمل أقتات منه ويكفيني ذل الحاجة، لكن فتاة مثلي مطلقة وشابة لا تملك أي مؤهل علمي أين ستجد عملاً أو عيشاً كريماً. اطرقت برأسها وتحاشت نظراتنا ثم قالت: لم يكن سوى المرقص هو الذي رحب بقدومي للعمل فيه (مرقص الصخرة في عدن) بدأ عملي في المرقص كمنظفة وسرعان ما أصبحت رقاصة وانقطعت عن أهلي الذين لم يكلفوا أنفسهم بالسؤال عن أخباري أو أين ذهبت وكأنهم كانوا سعداء بالتخلص مني. وفي المرقص تعرفت برجل من صنعاء فتزوج بي وعدت معه إلى صنعاء لأبدأ حياة جديدة وبعد تسعة شهور من زواجي أنجبت طفلة واعتقدت أن حياة جديدة قد فتحت لي أبوابها لكن فوجئت وأنا في شهر الولادة بالشرطة تقتحم منزلي وتنتزع طفلتي الرضيعة مني وتم إدخالي إلى السجن، والتهمة كانت (القتل) وهي تهمة لا علاقة لي بها ولا بالمقتول سوى أنه كان من رواد المرقص الذي كنت أعمل فيه. لكن بعد التحري قررت النيابة الإفراج عني لأنها لم تجد لي علاقة بالجريمة، لكنني لازلت في السجن لأن القضاء يشترط أن يأتي أهلي لاستلامي وأهلي يرفضون وينكرون علاقتهم بي لأنني أصبحت مسجونة وكنت أعمل في المرقص، أما زوجي فقد طلقني يوم دخولي السجن، ما هو ذنبي حتى أبقى في السجن..؟ أخيراً اجهشت ياسمين بالبكاء وصرخت (ضيع الله من ضيعني).