يموج العالم من حولنا بتغيراتٍ إستراتيجيةٍ, شديدة الخطورة, تمسُّ خريطة القوى, والتوازنات الإقليمية, والمجال الجغرافي لعديدٍ من الدول؛ الأمر الذي ينذر, ربما بحروبٍ شرسة, أو بتغييرٍ في بنية الأنظمة الحاكمة, والتحالفات في عديدٍ من الدول. والمنطقة العربية, في مجملها, والخليج على وجه التحديد, يواجه بصورةٍ أكبر من غيره من المناطق الجغرافية, هذه التموجات, التي تسعى إلى رسم مساراتٍ مختلفة لدول المنطقة, وتغيير بنيتها الجيوسياسية, بما يحقق مصالح بعض الأطراف الإقليمية, التي وجدت تقاطعاً في مصالحها مع القوى الغربية, التي تدير تلك التموجات بتدخُّلٍ مباشرٍ في بعض الأحيان, وعبر قنوات لا مرئية في أحيانٍ أخرى. في حقيقة الأمر, هذه التموجات لم تبدأ من الآن, ولكن يمكن أن تعود تاريخياً على أقل تقدير إلى عام 2003م, حينما تقاطرت المصالح الإيرانية, ومصالح القوى الغربية في الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين, وتكريس نظام حكمٍ طائفي, يُدار, بإدارةٍ أمريكية إيرانية مشتركة. كان هذا السقوط لعاصمة عربية بغض النظر عن الموقف السياسي من طبيعة وممارسات الحكم الذي كان يتولى حينها إيذاناً بأن الغرب بصدد التدخُّل لإعادة هندسة المنطقة, وأن سقوط هذه الرقعة, ليس إلا خطوةً في مسارٍ طويلٍ, يقود إلى "سايكس بيكو", للمنطقة, بمشرطٍ عسكري أو سياسي. فسقوط بغداد كان بآلةٍ عسكرية, بالغة التكلفة, ولذا فقد جاءت حروب الجيل الرابع, لتؤدي ذلك الغرض, وهو تفكيك الدول المستعصية, بآلياتٍ أقل تكلفةً, ولكنها تقود في النهاية إلى صناعة الدولة الرخوة, التي يسهل إعادة تشكيلها, أو فكها وتركيبها مجدّداً, وفق تقاطع المصالح الغربية, ووكلائها في المنطقة. والغرب, نجده, في الأيام القليلة الماضية, اتخذ خطوات إضافية, لدعم التوجّه الإيراني, في السيطرة على المنطقة, معارضاً في ذلك الرغبات والتوجهات السعودية. الخطوة الأولى, في الإبقاء على نظام بشار الأسد, الحليف الرئيس, للنظام الإيراني, ومعارضة أي صورةٍ من صور التدخُّل لإزاحة هذا النظام, كما رغبت في ذلك القوى الثورية السورية, وأيّدتها الدول العربية, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. الخطوة الثانية, في الاتجاه نحو رفع العقوبات الاقتصادية على إيران, وتمرير برنامجها النووي, باعتباره برنامجاً نووياً سلمياً, حتى تفاجئ إيران العالم, بأنها دخلت مجال الأسلحة النووية, وعندها, لا يمكن التراجع, بل سيتم التعامل على أنه أمرٌ واقعٌ, يجب على عرب الخليج أن يتقبلوه. إن هذه الخطوات الغربية, في دعم النظام الإيراني, سياسياً, ونووياً, تفرض على السعودية, لاعتباراتٍ كثيرة, أن تأخذ في الاعتبار, تصاعد طبيعة الصراع, وتعدُّد أطرافه.. فلا نستطيع, في المملكة العربية السعودية, أن نغفل أن تلك التهديدات, في جزءٍ كبيرٍ منها يُوجَّه إلى كبد البلاد, ويستهدفها بصورةٍ مباشرة, لاعتباراتٍ متعدّدة، منها أن السعودية تعد القوة المتماسكة في الخليج, بل في المنطقة العربية, في ظل الأحداث التي أخرجت مصر وسوريا من معادلة القوة العربية. كما أن السعودية, تعد حجر عثرة, في سبيل قيام أنظمةٍ طائفيةٍ في الخليج, تحاول أن تستعيد أمجاداً تاريخية في المنطقة, بدعمٍ من القوى الغربية, التي وجدت فيما يبدو أن تطلعاتها في المنطقة, يمكن أن تتحقق عبر تلك القوى الإقليمية, في ظل تقاطع المصالح بينهما. وفي إطار تلك التهديدات, يجب أن تكون المبادرة سعودية, على مسارين: المسار الأول, خارجي, بقيادة الدول العربية, لتشكيل قوة مواجهة, والتغاضي عن الخلافات السياسية, الجانبية, لأن التهديدات التي تواجه السُّنَّة العرب الآن, هي تهديداتٌ وجودية, ولا يتعلق الأمر بمجرد تهديداتٍ ثانوية, يمكن أن تزول, أو للتغلب عليها بصورةٍ فردية. ولعل القمم العربية المصغرة التي عُقدت في الآونة الأخيرة, في الرياض, تأتي في إطار استشعار الخطر الداهم الذي يواجه العرب, وأيضاً في استشعار المملكة دورها الريادي في ظل الظرف الحالك الذي تمر به الأمة العربية, بغياب مصر وسوريا عن مجال التأثير. المسار الثاني، وهو مهمٌ جداً, في تقوية البنية المجتمعية, والتلاحم الشعبي, للوقوف والحيلولة دون تأثرها أو استغلالها من قِبل القوى الخارجية, إقليمية أو دولية, التي يمكن أن تتخذها معبراً, للتأثير في الداخل السعودي, ومن ثم تحقيق أهدافها ومراميها في السعودية كدولةٍ, وفي المنطقة العربية.