بقلم - كريستينا هيلمتش موقع الجزيرة باللغة الانجليزية جدد الهجوم المميت على وزارة الدفاع اليمنية والذي خلف 52 قتيلاً في أوائل ديسمبر التكهنات حول التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ويعتقد ان القاعدة في جزيرة العرب والتي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم، هي الجناح المنظم للعمليات الارهابية. وزعمت القاعدة في جزيرة العرب انه تم استهداف مجمع وزارة الدفاع اليمنية لأن بداخلة غرفة عمليات للتحكم بالطائرات بدون طيار الامريكية. وتأتي هذه الاحداث الاخيرة بعد أشهر من تسريب القاعدة في جزيرة العرب نيتها لتنفيذ مخطط لهجوم آخر، وهو ما دفع الى اغلاق السفارات والبعثات الدبلوماسية الامريكية والأجنبية في اليمن ودول اخرى. ولكن من السهل أن نغفل عن حقيقة أن هذا كان هدفا محلياً، وليس دولياً. وفي الواقع، فإن الهجوم هو مثال لتكتيك اسلامي قديم "التفكير عالمياً، والعمل محلياً"، والذي يحل بشكل متزايد محل نموذج من نضال أسامة بن لادن. إن الطريق التي تتبعها القاعدة في جزيرة العرب للعمل بهذه الاستراتيجية يجعل اليمن نموذجا مصغرا للدولة العالمية لتنظيم القاعدة: ففي حين ما تزال تروج لفكرة مهاجمة العدو العالمي والدولي، إلا إن ساحة المعركة الفعلية هي محلية بشكل متزايد. ولتقييم مغزى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، فمن المهم أن نضع أنشطة الجماعة في السياسة المعقدة وغير المستقرة في اليمن. في هذه الدولة المليئة بالنزاعات، أصبحت القاعدة في جزيرة العرب منخرطة بصورة متزايدة في الصراع المحلي من اجل الشرعية السياسية – وتصارع من اجل الحفاظ على نفوذها ضد العديد من الجهات الفاعلة على العديد من الجبهات. منافسي تنظيم القاعدة في اليمن لقد أظهرت العناوين الرئيسية الأخيرة الصراع العنيف للقاعدة في جزيرة العرب مع المتمردين الحوثيين من الشيعة، وهي المجموعة التي تسعى إلى إعادة الإمامة في اليمن ولكنها لم تقدم حتى الآن برنامج سياسي متماسك. ويمكن قول نفس الشيء فيما يتعلق بالقاعدة في جزيرة العرب، والتي لا تملك سوى القليل لتقديمه كإستراتيجية سياسية فضلاً عن اعتناق الجهاد العنيف. ولكن على الرغم من عداوتهم المشتركة مع الحكومة اليمنية، إلا ان هناك القليل من الحب المفقود بين القاعدة في جزيرة العرب والمتمردين الحوثيين، حيث إن لهم أيديولوجيات مختلفة. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الخلافات الطائفية صارخة أكثر من أي وقت مضى، فإنه ما يزال من غير المرجح أن تنظيم القاعدة والمتمردين الحوثيين سوف يبحثون عن أرضية مشتركة - وخاصة لأن كلاهما متخصصون في العنف، بدلا من فن المساومة السياسية المنظمة. وبالفعل، ان عمليات القتل الاخيرة والمؤكدة لسقوط أكثر من 120 مسلم سني في القتال مع المتمردين الحوثيين تؤكد التزام القاعدة في جزيرة العرب بالعنف أكثر من أي شيء يشبه الدبلوماسية. والقوة السياسية ذات النفوذ ألأخرى هي الحركة الانفصالية في جنوب البلاد. حيث وما يزال هناك استياء عام ازاء الوحدة التي تحققت عام 1990 بين الجنوب والشمال، حيث ظل الرخاء ومستوى المعيشة في تدن مستمر على المدى الطويل، ورداً على ذلك، ظهرت على السطح حركة فضفاضة شعبية مناهضة للحكومة. ولكن هذه ليست حركة جهادية، بل على العكس من ذلك، فإن الحكومة قد استخدمت في وقت سابق الميليشيات الجهادية لإخماد هؤلاء "الاشتراكيين". وبالتالي فإنه من المستبعد جدا أن الحراك الجنوبي قد يكون متعاطفاً مع القاعدة في جزيرة العرب. في الواقع، فقد قام أنصار القاعدة في جزيرة العرب بالتوضيح للانفصاليين أن حربهم هي موجهة ضد الولاياتالمتحدة وحلفائها، وليس ضد الجيش اليمني أو إخوانهم المسلمين. كما أعلن زعماء تنظيم القاعدة في تجمع لهم في عام 2009: "اننا نحمل المتفجرات لأعداء الله؛ يجب على الجنود أن يعرفوا أننا لا نريد أن نقاتلهم." ولكن لكي تتمكن من إقناع الاشتراكيين بأن صداقتهم أمر حقيقي، تحتاج القاعدة في جزيرة العرب إلى تغيير الوسائل الدموية في نيل اهدافها وان تكون معتدلة في تفسير الإسلام والدفاع عنه. وفي الوقت نفسه، فأن التطورات الاخيرة في السياسة الإسلامية في اليمن هي نتيجة صعود أنصار الشريعة، وهي الجماعة التي ظهرت في الجنوب وسيطرت على مناطق في محافظتي أبين وشبوة. وبينما تصر السلطات اليمنية أن انصار الشريعة هم انفسهم تنظيم القاعدة، يرى معظم المحللين أن جماعة أنصار الشريعة هي خليط من القاعدة في جزيرة العرب وجماعات وفصائل أخرى، وعلى الأرجح منشقة عن القاعدة في جزيرة العرب نتيجة للخلاف الداخلي بشأن الأهداف والتكتيكات. ولكن في حين أن العلاقة بين القاعدة في جزيرة العرب وأنصار الشريعة هي حتى الآن غير واضحة، إلا ان الجماعة الجديدة قد أحدثت بالفعل تأثير كبير. على سبيل المثال، افقد اتخذت جماعة انصار الشريعة خطوات لتوفير الخدمات العامة في مناطق جنوبية تشهد غياب تام للسلطة؛ وقد نظر بعض المراقبين الى هذا بأنه يعني أن الإسلاميين اليمنيين يشاركون الآن في بناء الأمة. إن هذه الأنشطة تظهر خطوة واضحة بعيدا عن سياسة العنف التي يتبناها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، حتى وإن أنصار الشريعة لديهم على نطاق واسع أيديولوجية إسلامية دينية سياسية مماثلة. قبل كل شيء، يدل التنامي في قوة أنصار الشريعة على أن تأثير القاعدة في جزيرة العرب، سواء بالأقوال أو بالأفعال، وكذلك التماسك الداخلي، قد اصبح تحت التهديد. إن هذه الجماعات الثلاث، ليست سوى الجهات الفاعلة الأكثر وضوحا في الصراع على السلطة بين الاسلاميين في اليمن. إلا أن آخرون يطالبون بدراسة اعمق في هذا المجال: على سبيل المثال، فإن المجددين من الزيدية، وهي طائفة شيعية معتدلة ومتسامحة، على مقربة في معتقداتهم إلى السنة. غير إن العديد من الجماعات المختلفة داخل حركة الصحوة الزيدية، في حين تكون بالكاد متجانسة، لديها القليل من القواسم المشتركة مع القاعدة في جزيرة العرب. والفصيل الاخر هم السلفيين، وهي جماعة غير سياسية تشكلت حول الراحل مقبل الوادعي. وجماعة برزت لإدانتها لأعمال العنف، بل ويقال إن الوادعي كان من منتقدي استراتيجيات الجهاديين، واتهم بن لادن بتفضيل استثمار الأسلحة بدلا من المساجد. وفي إطار الحفاظ على هذا الموقف، أدان محمد الإمام، عضو كاريزمي في الجماعة، العنف الجهادي ضد احتلال الولاياتالمتحدة للعراق في عام 2003. وعلى هذا النحو، يقف السلفيين اليمنيين في معارضة مباشرة للعنف الذي تتبناه القاعدة في جزيرة العرب. ساحة مزدحمة تمثل هذه الجهات الفاعلة المختلفة كثير من وجهات نظر الإسلاميين على مسألة الحكم والشرعية السياسية في اليمن؛ حيث يوفرون مجموعة واسعة من البدائل الممكنة للمنطق الضيق والعنيف للجهاديين في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وفي ظل بروز فراغ السلطة في الوقت الذي يسعى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ويصارع من أجل فرض الوحدة، إلا أن هذه التعبيرات عن اختلاف وجهات النظر ستصبح محددة بشكل أفضل. وفي هذا السياق، فأن نوعية من النقاش الداخلي في البلاد وطريقة بروز القيادة داخل المجتمع اليمني، ستكون حاسمة في تحديد مستقبل القاعدة في جزيرة العرب. وفي المقابل، فإن مكانة القاعدة في البلاد يعتمد أيضا على قدرتها على المساومة بفعالية – وهي مهمة التي لا تبدو مهيأة لها، حيث ما تزال تكرس جدها لاستخدام الأجهزة المتفجرة بصورة شبه مهنية.