حمي الوطيس في النقاش وتبادل الاتهامات، كل منهما يحاول أن يبرر موقفه ويلقي باللوم على صاحبه حتى ارتفعت الأصوات ووصل الأمر إلى التشابك بالأيدي، وكرر لها السؤال لآخر مرة ولكنها ثبتت عند موقفها وكان جوابها برفض العودة إليه، ودفعته حتى لا يخنقها بعدما أطبق بكلتا يديه على رقبتها، فانهال عليها ضربا وركلا بالأيدي والأرجل، وقعت على الأرض وعجزت عن الدفاع عن نفسها، وإن كانت مازالت تقاوم بما تبقى لها من قوة، ووجد بجواره، قطعة من الخشب ملقاة على الأرض فأمسكها وانهال بها ضربا على رأسها حتى لفظت آخر أنفاسها، وسالت الدماء على الأرض، ووجد نفسه قد تحول إلى قاتل في لحظة قصيرة وإن كانت مقدماتها طويلة، تجمع المارة وامسكوا به وأبلغوا الشرطة، فها هو القاتل وها هي القتيلة لكن لا أحد يعرف ما بينهما وما السبب وراء الجريمة. كشف المفاجآت التحقيقات كشفت الكثير من المفاجآت، فالقاتل الزوج والقتيلة زوجته، لكنها تركته واختفت، شعر بجرح كرامته، بل تزوجت شخصا غيره، وتبدلت المودة والرحمة إلى قتل ودماء، ظهر المستور فقد كان وراء ذلك قصة درامية الأحداث، بعدما جمعت بينهما قصة حب واتفقا على الزواج «عرفيا» أي بعقد غير موثق رسميا، تتردد عليه في شقته بين الحين والآخر، لأنه لا يستطيع تحمل مسؤولية بيت وزوجة الآن. بداية، عاد «جاد» من عمله بعد أن انتهى من الوردية الصباحية، كان في طريقه إلى منزله يفكر فيما سيتناوله من طعام وهو يقيم وحيدا في شقة صغيرة تتكون من غرفة وصالة ومطبخ وحمام كل منها بالكاد يتسع لوقوف فرد واحد فيه، هذا الهم اليومي يراوده، فقد ملّ وكلّ من وجبات المطاعم التي تقدم طعاما بلا نكهة علاوة على أن دخله لا يكفي لذلك ولابد أن يعتمد على نفسه وهو بمفرده، لكن العقبة أنه لا يحب الوقوف في المطبخ ولا إعداد الطعام، وكل ما يفعله هو أن يتناول البيض المسلوق أو الجبن ولا يجيد فن الطهو كذلك فأصابه الملل من تكرار نفس الطعام في البيت وخارجه. وبينما هو فوق كوبري المشاة العلوي وغارق في التفكير كما هي عادته منذ أكثر من تسعة أشهر، وقعت عينه عليها، إنها «بسمة» زوجته التي افتقدها طوال هذه الفترة، اختفت ولا يدري عنها شيئا ولا حتى إن كانت حية أو ميتة، لمحته هي الأخرى لكن كانت مثل الذي عضه ثعبان فهي لا تريد أن تعيش هذه اللحظة ولا أن تواجه الموقف وهي تتوقع ما سيحدث وربما النتيجة التي لن تكون جيدة بحال من الأحوال، أرادت أن تختفي وسط الزحام وتراوغه، انطلق مثل السهم نحوها حتى لا يضيع الفرصة التي جاءته بعد عذاب وتفكير وألم وسهر، المترجلون من حوله وهم كثر اعتقدوا أنه مجنون أو مطارد من آخرين لأنه كان يدفعهم وهو يجري بينهم، ينظرون إليه ويتعجبون من تصرفه العنيف تجاههم بلا مبرر ويتابعونه بنظراتهم ليحاولوا أن يعرفوا لماذا فعل ذلك. ويواصل «جاد» الجري ثم يتضح المشهد أنه يطارد امرأة من على بعد وها هو يقترب منها، وهي تجري في هلع تحاول أن تهرب منه لكنه كان أسرع منها وأخيرا يلحق بها لأنها اقل سرعة منه وعرقلتها ملابسها وكذلك الخوف حيث كانت ترتجف ولا تريد المواجهة، لكنها في النهاية وجدته يقبض على ساعدها بقوة ليوقفها، كانت أنفاسها تتلاحق بسرعة، جلست بجانب الطريق لتستريح وتلتقط أنفاسها وتتدبر أمرها، كيف تتخلص من هذا الكابوس المفاجئ وعيون كل من حولهم تراقبهم ومن الطبيعي ومن باب الفضول يريدون كلهم معرفة ما يدور بجوارهم. ... المزيد