صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    5 أيام حاسمة .. إيران تعيد تشكيل موازين القوى عسكرياً واقتصادياً    حزب الله يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    لقاء موسع في كحلان عفار للتحشيد للدورات الصيفية    وكيل وزارة الخارجية يناقش مع رئيسة بعثة الصليب الأحمر برامجها في اليمن    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    هيئة المواصفات تطلق حملة رقابية التأكد من سلامة حليب الرضع في الأسواق    صنعاء : فاعل خير يفرج عن 48 سجينا معسرا    الأحزاب ترحب بالتضامن الشعبي الواسع مع السعودية وتدعو لتعزيز حضور الدولة من الداخل    البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة تنهي اعمالها    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يلتقي التجار والقطاع الخاص خلال اليوم المفتوح    إيران وأدواتها    طوفان عدن.. السيادة الشعبية في مواجهة الاستهدافات السياسية    تعز.. مقتل وسيط قبلي مقرب من البركاني    الترند..ثورة التطبيع وإعادة صياغة المفاهيم    أنشيلوتي: الدفاع القوي هو مفتاح البرازيل للتتويج بكأس العالم 2026    وزير الدفاع الأمريكي: روسيا والصين تدعمان إيران ومحادثات إنهاء الحرب تكتسب زخماً كبيراً    مؤتمر صحفي: خسائر قطاع الاتصالات والبريد تتجاوز 6.265 مليار دولار    حضرموت ترفض الوصاية: خطاب ساخر يكشف الغضب الشعبي من "تجار المواقف"    وزير الدفاع: بناء الدولة وترسيخ الاستقرار لا يتحققان إلا من خلال تفعيل النظام والقانون    ضغوط الطاقة تدفع الذهب نحو خسارة شهرية تاريخية    العراق يواجه بوليفيا غدا    أمريكا تخطط لإجبار دول الخليج على تحمل نفقات العدوان على إيران    توجه سعودي إماراتي لتفجير الأوضاع وسط غضب شعبي بالمحافظات الجنوبية    هذا الرئيس اللعنة    عصابات بن حبريش تختطف وقود كهرباء المهرة وتدفع المواطنين نحو العتمة    محافظ عدن يهدد إعلامي بالحبس.. سقوط أخلاقي وسياسي يكشف عقلية البلطجة وقمع الكلمة    قبيلة يافع تصدح: لا للعنصرية والإقصاء... حقوقنا خط أحمر    اندلاع حريق في ناقلة نفط بعد استهدافها في الخليج العربي    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    بيوتٌ لا تموتْ    دراسة: خطاب الإصلاح منسجم مع ممارساته والحملات ضده مسيّسة ومناقضة للواقع    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أطلقتا من اليمن.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مسيّرتين فوق إيلات    الفريق الصبيحي يشدد على ضرورة توجيه الجهود الدولية والتنموية نحو المناطق المحررة    "وثيقة" حضرموت.. تعميم بمنع حمل السلاح في المحافظة والمحافظ يوجه الجيش والأمن بتنفيذه    اجتماع بتعز يقر تسيير قافلة إغاثية ل 1500 أسرة متضررة من السيول بمديريات الساحل    لا ترمِها بعد اليوم! الفوائد المذهلة لقشور الجوز    مرض السرطان ( 5 )    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    الزامل اليمني وملحمة النصر..    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحصبة المنطقة المنكوبة خسائر ومآسي تنتظر التعويض
نشر في الجنوب ميديا يوم 15 - 12 - 2012

بعد حوالي عام وثلاثة أشهر ونصف من المواجهات العسكرية العنيفة في منطقة الحصبة شمال العاصمة صنعاء، مازالت المنطقة شبه مهجورة من غالبية ساكنيها، ومشاهد الدمار وحدها كافية لتعبر عن معاناة آلاف المتضررين من مختلف شرائح المجتمع، خاصة أولئك الأبرياء الذين يعيشون تحت خط الفقر.
أسر فقدت منازلها وأخرى مصدر رزقها، وعلى الرغم من ذلك لم تحظ مأساتهم بأولوية ضمن أجندة المجتمع الدولي، رعاة المبادرة الخليجية، أو حكومة الوفاق الوطني..
"حرب الحصبة" الشهيرة التي اندلعت أواخر شهر مايو2011م، بين مسلحي الشيخ صادق الأحمر والقوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، واستمرت 22 يوما تقريبا على مرحلتين، آخرها أواخر أكتوبر من نفس العام، هجرت جميع سكان هذه المنطقة والعاملين فيها إلا ما ندر، ودمرت آلاف المنازل والمحلات التجارية وألحقت أضرارا بالغة بالممتلكات العامة والخاصة ورافقتها أعمال نهب واسعة، فضلا عن قتل وإصابة مئات الأبرياء من المدنيين
منطقة أشباح
يقول المحامي والناشط الحقوقي علوي شاطر: "معاناة سكان الحصبة جراء القصف على منطقتهم العام الماضي، لازالت قائمة، وهناك ما بين 60 و80 أسرة دمرت منازلهم بالكامل ولازالوا نازحين، ووضعهم سيىء جدا ومأساوي، وبعضهم كان يمتلك شققاً سكنية أو دكاكين مؤجرة يعول من عائداتها أسرته، دمرت وانتهى مصدر رزقهم".
وأشار شاطر، أحد سكان حي الحصبة الذين تضررت منازلهم وأعاد إصلاح جزء منه على نفقته الخاصة إلى أنه بعد أكثر من ستة أشهر على توقف الحرب، فإن إجمالي عدد الحالات المتضررة من السكان المدنيين والمحلات التجارية والبساطين، تقدر ب 2000 و 2500 حالة، مؤكدا أن الحصبة مازالت منطقة أشباح، وأن من عاد إليها هم السكان الأصليون فقط، وعددهم محدود.
كارثة حقيقية
قصص وشواهد عديدة، رصدناها في نزولنا الميداني، جميعها تلخص كثيرا من المعاناة والألم الذي عاشه ولايزال سكان الحصبة.
"أم عبدالرحمن العباهي" أو زوجة المحاجري، أم لخمس بنات وثلاثة أولاد، هي من الأسر التي تعيش كارثة حقيقية، حيث ماتزال نازحة لدى أحد أقاربها في منطقة دار سلم بالعاصمة صنعاء، بعد أن دمر منزلهم جوار سوق الحصبة المركزي، بما في ذلك الدكاكين التي كانت مؤجرة، ومصدر رزقهم الوحيد.
تلاعب بعملية الحصر
ويؤكد الناشط الحقوقي علوي شاطر، أن حكومة الوفاق الوطني لم تعر الحصبة وسكانها أي اهتمام حتى اللحظة، وكالمثل مسؤولي أمانة العاصمة.
وأضاف: "المصيبة الكبرى أن لجنة حصر الأضرار التابعة لأمانة العاصمة لم توثق الأضرار بشكل صحيح، وتلاعبت بهذا الأمر مع بعض عقال الحارات وأعضاء المجالس المحلية، حيث تم اعتماد الشخصيات المعروفة لدى السلطة والأمانة وأسماء من خارج الحصبة، على حساب السكان "الغلابى" والمتضررين الفعليين الذين لم توثق أضرارهم، فنسبة المتضررين الحقيقيين ضمن الأسماء التي نشرتها الأمانة في صحيفة الثورة لا يتجاوز 20%".
الحكومة غير ملتزمة
وبينما يكتنف الغموض إجمالي الخسائر الحقيقية، يرى مراقبون أن الدمار الذي خلفته حرب "الأحمرين" في الحصبة لا يقل فداحة عن ما خلفته الحروب الست بين الحوثيين والقوات الحكومية في صعدة خلال ست سنوات، وأن مظاهر الدمار وإعادة تأهيل المنازل أو المؤسسات الحكومية تحتاج إلى عشرات المليارات.
غير أن الإشكالية بحسب الناشط الحقوقي في منظمة هود، عبدالرحمن برمان، عدم صرف التعويضات للمتضررين من السكان، وعدم التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت أثناء الحرب، معتبرا أن التعويض غير العاجل يصبح لاقيمة له، متهما حكومة الوفاق الوطني بعدم الالتزام بتنفيذ القرارات الدولية وتعهداتها فيما يتعلق بالتحقيق في الجرائم والانتهاكات التي شهدتها الحصبة.
وكان قرار مجلس حقوق الإنسان رقم (19/18/ res/hrc/a) لسنة 2011م، ومجلس الأمن الدولي، طالبا الحكومة اليمنية بتشكيل لجنة محايدة ومستقلة يتم من خلالها إجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة وفقاً للمعايير الدولية في الأحداث التي شهدتها البلاد العام الماضي، ويشمل ذلك كافة الجرائم، وبالتالي يتم التعويض أو يتحمل المسؤولية كل من تسبب بأضرار الممتلكات الخاصة والعامة.
وقال عبدالرحمن برمان: "صدر قرار رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي رقم (140) لسنة 2012م، في سبتمبر الماضي، والخاص بإنشاء لجنة مستقلة ومحايدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان لعام 2011م، غير ان اللجنة لم تشكل حتى الآن، ونطالب بسرعة تسمية أعضائها
وفي السياق تحدث رئيس مجلس الوزراء محمد سالم باسندوة، الأسبوع الماضي عن المساعي الحالية للحكومة للتهيئة والتمهيد لتشكيل الهيئة المستقلة لحقوق الانسان، التي سوف تضطلع بدور متميز في الارتقاء بحقوق الإنسان وإحداث نقلة نوعية في تحسين سجل اليمن السيىء في هذا المجال، مؤكدا أنه سيتم تسمية أعضاء هذه اللجنة قريبا.
غياب الديمقراطية..
ومهما يكن الأمر يجمع عديد من المهتمين والسياسيين، بأن حرب الحصبة 2011م، إلى جانب قتل الثوار الذين انتفضوا للمطالبة بالتغيير، وحرق ساحة تعز وتسليم أبين للقاعدة، كانت أحد أشكال النظام السابق ومحاولاته لإجهاض الثورة الشعبية وتجريدها من سلميتها، وجر البلاد دون جدوى إلى حرب أهلية.
غير أن أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء الدكتور عادل الشرجبي، يرى أن السبب الأول والأساسي الذي أدى إلى حرب الحصبة، هو غياب الديمقراطية في المجتمع اليمني، أي غياب الثقافة الديمقراطية، سواء من الجانب الحكومي، حيث لم يكن رئيس الجمهورية السابق يؤمن بالديمقراطية الحقيقية وجوهرها، وهو التداول السلمي للسلطة، أو على الطرف الآخر، والمتمثل بالبنية القبلية وانتشار الأسلحة.
وأضاف: "كثير من القوى الاجتماعية في مجتمعنا لازالت تقليدية، تريد أن تظل مهيمنة على القوة والسلطة بأساليب غير ديمقراطية، من ضمنها امتلاك الأسلحة ومحاولات التأثير على مؤسسات الحكم الرسمية بأساليب تقليدية كالتهديد بالأسلحة وغير ذلك".
دعاوى قضائية
إن قضية السكان المتضررين في الحصبة ستبدأ طريقا آخر في الأيام القادمة إذا ظل الوضع على ما هو عليه، وعلى طريقة جرحى الثورة الشبابية السلمية، المتمثل برفع دعوى قضائية ضد الحكومة، بهدف الانتصار لحقوقهم، وذلك ما كشفه لنا العديد منهم.
والحديث هنا للمحامي علوي شاطر، وهو الموكل المعتمد قانونيا لقرابة 300 متضرر، يقول: "تقدمت بدعوى قضائية أمام نيابة شمال الأمانة، ضد رئيس النظام السابق (علي عبدالله صالح) مع قائد الحرس الجمهوري ووزير الداخلية وقائد الأمن المركزي وأركان حربه، بصفتي مكلفاً بالمرافعة عن قضية شهداء وجرحى ومنازل تعرضت للقصف من قبلهم، وللأسف واجهتني عراقيل كثيرة وضغوط، ولاحظت أن القضية ستميع، فخشيت أن أضيع حق المواطنين، فأوقفت الدعوى، وسيتم استئنافها عندما يكون القضاء مستقلاً".
وفي خطوة تعبر عن فقدان الأمل والثقة بالحكومة السابقة والحالية، ناشد المحامي شاطر، ملك المملكة العربية السعودية عبدالله بن عبدالعزيز، بالوفاء بالتزامه في إعادة إعمار الحصبة، وكالمثل ناشد أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة.
سيتكبدها الفقراء
إلى ذلك يؤكد الناشط الحقوقي عبدالرحمن برمان، أن جريمة أخرى سترتكب بحق سكان الحصبة وضواحيها، إذا لم يتم التحقيق ومعرفة الجاني ومحاسبته، وإذا لم يكن هناك تعويض عادل.
وفوق ذلك والحديث للدكتور عادل الشرجبي: "غياب الحكم الرشيد وانتشار الفساد في الجهاز الحكومي، الذي لازال قائما حتى الآن، سيجعل الفقراء فقط يتحملون الآثار المالية لهذه الحرب، أما الأغنياء فهناك أساليب كثيرة يستطيعون من خلالها الحصول على تعويضات حكومية".
وأكد الشرجبي أن الآثار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالسكان ستظل قائمة لفترات طويلة، أبرزها على الأقل التفكك في بعض الأسر، مطالبا الحكومة والمؤسسات الدولية الداعمة إلى تبني برامج نفسية واجتماعية لتوفير الدعم النفسي وإعادة التأهيل للأطفال والأسر المتضررة في الحصبة ومناطق أخرى من الجمهورية.
يبدأ بحصر سليم
وفي الشأن ذاته قال وزير التخطيط والتعاون الدولي الدكتور محمد السعدي: إن الحكومة اليمنية معنية ومسؤولة عن التعويض وإعادة الإعمار في مختلف المناطق المتضررة، وأنه لا يمكن البدء بهذا الجانب إلا بناء على حصر وتقييم فني وعلمي.
وأشار السعدي إلى أن الخطوات والإجراءات التي يقوم على أساسها التعويض تبدأ بحصر صحيح وسليم، وأنه لا يستبعد صحة ما قاله سكان الحصبة بشأن عملية حصر الأضرار، يضيف: "محتمل أن يكون هناك سوء تقدير أو تباطؤ في القيام بهذا العمل، ومثلما أن هناك إخفاقاً في بعض التقديرات، هناك مبالغات كبيرة جدا في تقديرات أخرى".
ووفقا للوزير السعدي، لا توجد منحة خاصة اسمها (منحة الحصبة)، وأن الدول المانحة تشترط دراسات وتقارير علمية لتقديم منح إعادة الإعمار، مشيرا إلى أن الجهود المبذولة حاليا في محافظة أبين المدمرة بالكامل تتركز في الجانب الإنساني (الطعام، الشراب، الدواء، الإيواء)، وقال: "أما بشأن الحصبة فالمطلوب على الأقل تقييم صحيح ومعقول ومقنع".
"ابتسام، وياسمين" طفلتان لم تشفع لهما طفولتهما، عند طرفي الصراع المسلح في حي الحصبة العام الماضي، واللذين تسببا في مفارقتهما للحياة، والأسوأ أن قضيتهما لم تحظ بالاهتمام المطلوب، كما أن لجنة الحصر الحكومية لم تعتبرهما ضحيتين لهذه الحرب المشؤومة.
وأوضح والدهما عبدالحكيم علي قاسم القدسي، الذي يعمل خياط أحذية، وهو أحد المهمشين سكان "محوى الرماح" الواقع خلف مدرسة الرماح في الحصبة، أن ابنتيه ياسمين وابتسام استشهدتا، ولم تتجاوزا ال 12 من العمر، جراء إصابتهما بالرصاص الحي في أجزاء مختلفة من جسديهما أثناء حرب الحصبة في مايو العام الماضي، قرب خيمتهم في المحوى، وأنه تم نقلهما بعد الحادث مباشرة في سيارة إسعاف حكومية إلى مستشفى الثورة بصنعاء، ومكثتا في ثلاجة المستشفى عدة أشهر، وتم دفنهما في شهر رمضان من نفس العام مع عدد من المتوفين، في مقبرة الدمة بشارع تعز في العاصمة صنعاء.
"محوى الرماح"، تجمع سكني تقطنه عديد الأسر المهمشة أو "الأخدام" كما يُطلق عليهم في اليمن، في خيام عبارة عن طرابيل بلاستيكية ممزقة، وكان عبدالحكيم القدسي وأسرته من الأسر التي لم تجد ملجاً آخر للهروب سوى البقاء في خيمتهم المتواضعة هناك طوال فترة الحرب.
وفوق ذلك والحديث للقدسي: "يعاملنا المجتمع والجهات الرسمية بصورة لا إنسانية، حتى اللجنة المكلفة بحصر أضرار الحصبة رصدت ما حولنا من منازل ومحلات ولم تلتفت لنا كسكان متضررين، وعندما طالبناهم بذلك قالوا إنهم غير مكلفين بالدخول إلى المحوى"!.
تلك ما يعتبرها القدسي، ممارسة عنصرية وتفرقة واضحة، مطالبا بتعويضه عما لحق به من أضرار واعتماد ابنتيه شهيدتين كما هو حال بقية شهداء الحرب.
الصدمة الكبرى
ويروي صالح قاسم مكرم، مالك أحد المنازل السكنية ومحلين تجاريين ملتصقين بمنزله جوار سوق الحصبة المركزي، قصته بمرارة، مؤكدا أنه وأفراد عائلته نزحوا إلى منزل أحد أقربائه خارج الحصبة فور اندلاع المواجهات، وأن الصدمة الكبرى كانت حينما عاد بعد عدة أيام من توقف إطلاق النار، حيث وجد منزله وقد تضرر في أجزاء مختلفة، وسرقت كافة محتويات محلاته.
مكرم، يقطن حاليا في منزله بالحصبة بعد أن أعاد اصلاح سطحه الأكثر ضررا نتيجة سقوط عديد القذائف عليه، يتهم الجهات المعنية بتجاهله وعدم حصر أضراره، التي يقدرها ما بين 4 و 5 ملايين ريال، محملا الدولة مسؤولية فقدانه مصدر رزقه الوحيد وكل ما جرى له، مطالبا الحكومة بسرعة تعويضه.
تتجاوز 14 مليون
وبالنسبة لأصحاب المحلات التجارية، الذين استأنفوا نشاطهم، وهم قلة، لازالت تلاحقهم لعنات تلك الحرب، كما هو حال مارش أحمد علي فرحان، الذي التقيناه وحيدا أمام محله التجاري لبيع الجنابي وأحزمتها، قبيل جسر جولة الساعة، وكان يعمل لديه خمسة عمال قبل الحرب، يقول: "مازلت أخسر حتى اليوم، فالشارع شبه خالي من الناس والمارة كما ترى، عدا السيارات، ونحن عاطلون عن العمل، لا أحد يشتري منا إلا ما ندر".
فرحان، هو أحد تجار الجملة والتجزئة الذين رصدت أضرارهم من قبل لجنة الحصر الحكومية، حيث دمر أحد محلاته وسرقت بضاعته من المحل الآخر، منوها أن خسائره تتجاوز 14 مليون ريال، وأنه ينتظر التعويض بفارغ الصبر.
من جهته يصف الحاج حميد العمري، معاناته وأفراد أسرته في تلك الفترة، بأنها أسوأ أيام حياته.
فماتزال آثار القصف وتهدم جدران الواجهة الشرقية التي تعرض لها منزله المكون من أربعة طوابق والقريب من منزل الشيخ الأحمر، ماثلة حتى الآن. ويقول: "القذائف دخلت إلى غرف منزلي وأحدثت أضرارا كبيرة، ولازلت أحتفظ بأجزاء منها كشاهد حال عما لحق بي"، يضيف: "الآن فرجت الأوضاع شيئا ما، لكن المعاناة مازالت موجودة، فالمياه تصلنا مرة فقط كل عشرة أيام، والأسواق والمحلات التجارية مغلقة وغيرها".
قال أمين العاصمة رئيس المجلس المحلي عبدالقادر هلال: إن إجمالي تكلفة الأضرار التي لحقت بمباني المواطنين في حي الحصبة جراء أحداث العام المنصرم 2011م، تتجاوز 9 مليار ريال، وأن الرقم لازال يحتمل الزيادة عند استكمال الحالات أو فتح باب التظلمات لمن لم يضم اسمه أو لسقوطه.
وأشار هلال إلى أن عملية حصر وتوثيق الأضرار في الحصبة وضواحيها شملت 90 بالمائة، من المباني المتضررة، وأن المباني التي كان أصحابها غير متواجدين أثناء نزول اللجنة لم يتم حصرها، وأنه تم إبلاغ هؤلاء عبر إعلانات على شاشة الفضائية اليمنية بهدف التقدم لضم أسمائهم إلى كشوفات المتضررين، مؤكدا أن مكتبه وأبواب أمانة العاصمة واللجنة الفنية المعنية بالحصر، المُشكلة من أمانة العاصمة ووزارة الأشغال، مازالت مفتوحة لهذا الأمر.
وقال هلال: إن إجمالي المباني المتضررة من أحداث العام الماضي في الحصبة وصوفان وهائل والزبيري ومناطق أخرى في أمانة العاصمة، بلغت ما يقارب 8 آلاف مبنى (منازل سكنية، دكاكين ومحلات تجارية وغيرها)، لافتا إلى أن الحصر الذي كلفت بإعداده اللجنة الفنية، من قبل مجلس الوزراء تضمن عدد الشهداء والجرحى، والمباني غير شاملة للبضائع والمنقولات.
وأضاف: "أمانة العاصمة قدمت تقريرها إلى مجلس الوزراء في اجتماعين مختلفين، وسيتم قريبا بإذن الله اعتماد التمويل، إما من وزارة التخطيط أو وزارة المالية".
وأوضح أمين العاصمة أن مجلس الوزراء وافق على مقترح الأمانة بشأن دفع التعويضات المالية لأصحابها على ثلاثة أقساط، ويتكفلوا بترميم مبانيهم، متوقعا بدء صرف التعويضات مطلع العام القادم 2013م.
وأشاد هلال بتجاوب وتعاون سكان المناطق المتضررة في العاصمة مع الجهات المعنية، لافتا إلى الجهود التي بذلتها أمانة العاصمة في إعادة تأهيل البنية التحتية في هذه المناطق سواء الطرقات أو الكهرباء أو المياه، مشيرا إلى أن الترميمات في قطاع التربية والتعليم تسير بشكل متسارع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.