أفق آخر منشار الأخبار ابحث في اسم الكاتب تاريخ النشر: 20/04/2014 فيما مضى من أيام وأعوام، رغم أن العالم لم يكن يوتوبيا أو فردوساً مفقوداً، كانت نشرات الأخبار على ندرة مصادرها تشمل أنشطة البشر كلها، من خير وشرّ، ومن أفراح وأتراح، ولم تكن نسبة الدم فيها تتجاوز الرقم التقليدي . لكن ما انتهت إليه الحال خصوصاً في منطقتنا هو شيء آخر مُستحدث تماماً يقاس عليه ولا يقاس على أي شيء، فنشرات الأخبار تبدو كما لو أنها كُتبت بالدم، لأن اللون الأحمر يرشح من الشاشات، وأحياناً يُبقّع رذاذ الدم قمصاننا وشراشف أسرتنا . وقد تبدأ النشرة من العراق أو من سوريا، لكنها تُغطّي سائر التضاريس العربية بشقائق النعمان، على الرغم من أن حكاية الشقائق في تراثنا ترمز إلى من يُستشهدون دفاعاً عن الأوطان وليس مَن يسقطون بالجملة في معارك الأخوة الأعداء . لهذا نرى أن الاستماع إلى نشرة أخبار واحدة في اليوم هو وصفة نموذجية لمن يريدون التخلص من السُمنة وترشيق أجسادهم، لأنها تُدمّر شهية الطعام وربما شهية الحياة كلّها، فليس معقولاً أن ما يحدث في العراق بكل عراقته وسعته وتاريخه هو الموت فقط، فثمة أطفال يولدون في كل لحظة وعلى مدار الساعة، وهناك شعراء يكتبون وأرض تُثرثر باللون الأخضر، وهناك أيضاً علماء يكدحون، ونوارس لم تهاجر تاركة دجلة للوحشة والصمّت الرمادي . إنها الحرب الأبدية بين الحياة والموت، وبين الشروق والغروب، لكننا لا نسمع من نشرات الأخبار عن العراق غير حصّة الغُراب، وقد يكون هذا واقعاً لا فرار من الإقرار به والتعبير عنه، لكن الحياة أوسع وأعمق من ذلك بكثير، فهناك ماء لا يزال يجري مقابل الدم والنفط . حتى النشرات الجوية لم تعد دليلاً لمن يسمعها كي يُخفّف من ثيابه أو يرتدي معطفاً، إنها هي الأخرى أصبحت مكرسة للأعاصير المدمرة ذات الأسماء الرقيقة، وكأن الخداع فاض حتى شمل كوارث الطبيعة . ولو انتقلنا إلى سوريا رغم صعوبة الانتقال من بلد عربي إلى آخر، وأطلقنا لخيالنا العنان فمثة أيضاً نساء يلدن وربيع يعلن عن عودته الموسمية غير عابئ بالطائرات والدبابات، ففي قصة فرنسية شهيرة يقول رجل عجوز كان يشاهد الدبابات تسحق العشب، إن بذوره وجذوره تتعمق في الأرض أكثر، لهذا سيكون الربيع القادم وفيراً وأكثر اخضراراً . ليس من المعقول أن العربي أصبحت له مهنة واحدة هي أن يموت فقط . والسؤال الموجه لكل كاميرات العالم وكتّابه وشهوده هو أين ما تبقّى من الحياة بين كل هذه الأطلال؟ خيري منصور الخليج الامارتية