مع حلول الذكرى الواحدة والستين لاستشهاد محمد محمود الزبيري، والذكرى الحادية عشرة لاختطاف وإخفاء محمد قحطان، وهما محطتان تكشفان، كلٌ بطريقته، حجم التحدي الذي يواجهه اليمنيون في معركتهم مع مشروع الإمامة بنسخته القديمة والجديدة، وفي سعيهم لحماية الذاكرة الوطنية من التشويه والطمس. يؤكد الكاتب والباحث نبيل البكيري، في حوار مع "الصحوة نت"، أن استحضار سيرة الزبيري ضرورة ملحّة لإعادة بناء الوعي الوطني وتثبيت قيم الجمهورية في لحظة تتعرض فيها الهوية اليمنية لمحاولات منظمة من التجريف والطمس. ويشير البكيري إلى أن قضية محمد قحطان امتدادٌ مباشر لقضية الزبيري وما واجهه الأحرار الأوائل من انتقام إمامي ممنهج ضد القيادات الوطنية، في سياق محاولة مستمرة لكسر إرادة المجتمع وإسكات رموزه الفاعلة. تفاصيل الحوار - مرت قبل أيام الذكرى ال 61 لاغتيال الشهيد محمد محمود الزبيري؛ كيف يمكن لليمنيين اليوم استعادة هذه السيرة كمنطلق فكري لمواجهة محاولات تجريف الهوية الوطنية وتفريغ مؤسسات الدولة من محتواها الجمهوري؟ مثلت شخصية الزبيري محوراً مركزياً داخل بنية سردية الحركة الوطنية اليمنية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لما تمتعت به شخصيته من صفات ومزايا قلّما تجتمع في شخص واحد، كمفكر وسياسي وأديب وشاعر وكاتب وخطيب مفوه وفقيه. واجتماع كل هذه الصفات كعقد مضيء ينظمها شخصية المناضل الوطني الجسور صاحب الحضور الطاغي، ليس ضمن الجغرافيا اليمنية فحسب، وإنما على امتداد العالم الإسلامي، وقبل هذا كله كان الرجل صاحب رؤية فكرية ثاقبة فيما يتعلق بأزمة اليمن وعقدتها المركزية، ممثلاً بحكم الإمامة الزيدية التي تمثل عقدة المشكلة كلها يمنياً، كنظرية كهنوتية عنصرية لا يمكن خلاص اليمن من أمراضه ومشاكله إلا من بوابة الخلاص من الإمامة أولاً. لذا فإن رمزية الزبيري اليوم وما مثلته شخصيته المناضلة رأس حربة في نضال وكفاح اليمنيين ضد الإمامة، يمثل اليوم حجر الزاوية في المشروع الوطني قديماً وحديثاً ومستقبلاً لاكتمال الرؤية ووضوحها في تشخيص الزبيري للقضية اليمنية، ولذا من المعيب أن لا نرى في ذكرى استشهاده الواحدة والستين ذلك الاحتفاء والتذكير بالشهيد الزبيري ونضاله في معركتنا اليوم مع الإمامة التي حذر منها الزبيري باكراً وقارعها. ولا تزال أفكاره اليوم بمثابة خارطة طريق واضحة المعالم في معركتنا الوطنية مع براثن الإمامة اليوم، ممثلاً بجماعة الحوثي وكل من سار معها وانضوى تحت مشروعها الهمجي الكهنوتي المتخلف. - في ضوء ما ذكر، ما أهمية الاحتفاء بالرموز الوطنية وإحياء ذكراها؟ إن الاحتفاء بالرموز الوطنية لهو جزء أصيل من إحياء ذاكرة الأجيال والذاكرة الوطنية عموماً بمآثر هذه الرموز التي قدمت للوطن الكثير، وخطت طريق الخلاص الوطني بدمائها وأرواحها، وقدمت في سبيل الوطن الغالي والرخيص. - في ظل الصراعات الحالية، ما الدور الذي يلعبه الزهد النضالي الذي جسده الزبيري في بناء قيادات وطنية قادرة على تطهير المؤسسات من الفساد الفكري والتبعية؟ إن عظمة الزبيري تكمن في عظمة قصة كفاحه وحياته التي عاشها من أجل قضيته الوطنية، حيث قدم من خلال قصة حياته واحدة من أنصع صور الوطنية الحقة التي عاشها في محراب الوطن مناضلاً شريفاً زاهداً، وقد عانى الكثير في سبيل قضيته الكثير بين السجون والتشريد والمنافي، وختمها بالاستشهاد العظيم في سبيل ما يؤمن به ويسعى من أجله، وهو تحرير الوطن من ربقة الاستبداد الديني والسياسي والتخلف الكهنوتي الهمجي. إن قصة الزبيري، وكفاحه، قصة ملهمة، كم نحن بحاجة لها اليوم لتقدم صورة ناصعة البياض والشرف والوطنية زهداً ونزاهةً، في ضوء ما تعانيه القضية الوطنية اليوم من وفرة الادعاء واللصوص باسم الوطن والقضية الوطنية التي لا يعرفون عنها شيئاً سوى امتيازاتهم وبيعهم وشرائهم بها. لقد عاش الزبيري متشرداً لسنوات في باكستان التي ذهب إليها هارباً وناجياً بنفسه من سيف إعدام الإمامة بعد فشل ثورة 1948م، وبقى هناك لسنوات لا مصدر لدخله سوى عمله بيده، حيث اضطر أن يبيع بعض الخردوات في شوارع مدينة كراتشي، لكي يظل محافظاً على نفسه وقضيته ووطنه. عاش الزبيري في باكستان حياة قاسية جداً من الناحية المادية، لكنها كانت غنية بالكرامة والنضال. تذكر الروايات التاريخية، ومنها شهادة صديقه الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، أن الزبيري رفض أن يمد يده لأحد أو يطلب معونة، وعمل في كراتشي في مهن بسيطة جداً، منها جمع وبيع الخردة (الحديد والنحاس القديم) وبيع بعض السلع البسيطة في الشوارع ليعيل نفسه ويحافظ على كبريائه. أما اليوم، فمأساة ما نراه ونسمعه عن مناضلين موظفين في بلاط القضية الوطنية، يبيعون ويشترون بها حسب ظروفهم واحتياجاتهم الخاصة. - هل ترى أن تغييب الرموز الوطنية عن الوعي العام هو السبب الرئيس في حالة التيه التي تعيشها النخب السياسية والمؤسسات الثقافية اليوم؟ لا شك أن تغييب هذه الرموز هو إحدى تجليات ضعف الوعي الوطني العام وأحد تمظهراته، فكلما حضر الرموز الوطنيون حضرت معهم تضحياتهم وكفاحهم وتجاربهم وقصصهم العظيمة والملهمة، وحضور هؤلاء الرموز يعمل على رفع مستوى الوعي الوطني باستحضار تضحياتهم في سبيل الحرية والكرامة والانعتاق ومقارعة الظلم والاستبداد. وكلما حضرت هذه الصورة من التضحية زاد مستوى الوعي الوطني لدى الأجيال التي يجب أن تستلهم هذه القيم والمعاني الوطنية في سبيل المعركة الوطنية للخلاص من عودة الإمامة وشبح التشطير والتمزيق للوطن الواحد واستعادة ثوابته الوطنية والجمهورية والوحدة والديمقراطية. إن غياب الوعي الوطني، مثلما يتجلى في تغييب هؤلاء الرموز، يتجلى أيضاً بضحالة وسطحية القضايا والتناولات التي ينصب اهتمام المؤسسات والنخب الثقافية حولها، وهي قضايا تافهة لا علاقة لها بالمعركة الوطنية اليوم، وهو ما نراه في المسلسلات السخيفة التي تخلو من أي قيمة وطنية تعكس حقيقة المشهد الوطني العام. محمد قحطان وتحدي الإخفاء القسري - وافقت يوم أمس ذكرى اختطاف وإخفاء المناضل محمد قحطان؛ ما الدلالات السياسية والحقوقية لمرور 11 عاماً على تغييبه التام في سجون الحوثي دون أي معلومة عنه؟ قضية الأستاذ محمد قحطان هي امتداد لقضية الشهيد الزبيري، وأكثر شبهاً بها، فكلاهما واجه نفس العدو الإمامي الكهنوتي المتخلف، لكن دلالة اختطاف قحطان ومرور الذكرى ال 11 على تغييبه هو مؤشر واضح على مدى حقد هذه الجماعة وطائفيتها وهمجيتها في النظر إلى خصوم السياسة بهذا القدر من الكراهية والتكفير له ومصادرة حقه في الحياة والوجود. كما يتجلى هذا في قصة الإخفاء القسري للأستاذ محمد قحطان الذي لا يعرف عنه أهله وأسرته شيئاً منذ لحظة الاعتقال. وهي ممارسة وانتهاك يتجاوز كل الأعراف والقوانين والقيم الوطنية والدينية. - كيف يمثل صمود محمد قحطان خلف القضبان امتداداً لمدرسة الأحرار الأوائل الذين واجهوا سجون الإمامة ومنافيها؟ وما انعكاسات هذا الصمود على معركة استعادة الدولة؟ لا شك أن تجربة محمد قحطان هي تجربة نضال وطني لا تقل أهمية عن تجربة وقصة الشهيد الزبيري رحمة الله عليه، فمحمد قحطان رجل السلام والحوار، بقي حتى آخر لحظة ماداً يديه للحوار والسلام، ومع ذلك أبت هذه المليشيات الطائفية إلا الانتقام منه ومن أسلوبه الرفيع في التعاطي مع خصوم السياسة. محمد قحطان هو الامتداد الأكثر صلة وشبهاً بتجربة الأحرار الأوائل الذين قدموا واحدة من أفضل صور الوطنية والنضال على مدى عقود من نشأة وتشكل الحركة الوطنية اليمنية، التي يمثل أبو الأحرار الزبيري وساطة العقد لهذه النخبة الوطنية العظيمة. - ما المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المثقفين والمنظمات الدولية لكسر الصمت حول قضية قحطان وتحويلها من قضية "مخفي قسرياً" إلى رمز للحرية والكرامة الوطنية؟ لا شك أن ثمة الكثير من القصور والتقصير والانتقائية والأدلجة التي تحكم مزاج بعض المثقفين وحتى المنظمات الدولية التي تتعاطى مع القضايا بحسب توجهات الممولين، وهذا يجعلها أحياناً في حالة من البلاهة والانتقائية في التعاطي مع الإنسانية. ومع ذلك أعتقد أن قضية الأستاذ محمد قحطان أخذت حضوراً كبيراً ويبقى الإشكال ليس في تغييب قضية قحطان بقدر ما يكمن الإشكال في طائفية وهمجية ومخاتلة خاطفيه وهم جماعة الحوثي التي تتعاطى مع قضية قحطان واختطافه بنوع من التعالي والغطرسة والإذلال، معتقدة ممارسة من خلال هذا السلوك الهمجي نوعاً من السادية. - كيف يمكن توثيق معاناة مئات المختطفين في سجون المليشيا وتحويل تضحياتهم إلى مادة أدبية وتاريخية تحفظ ذاكرة الأجيال القادمة من التزييف؟ المختطفون هؤلاء قصص أخرى وعوالم من الظلم والهمجية التي يمارسها الحوثيون بحق الأبرياء الذين يتم اختطافهم من منازلهم وأعمالهم ومن الطرقات، والغريب في الأمر أن العملية تحولت إلى أشبه ببازار وسوق سوداء يستخدمها الحوثيون للكسب وإفقار ذوي المختطفين بطلب فديات كبيرة على هؤلاء المختطفين بعد تغييب بعضهم في السجون لسنوات. أعتقد أن جريمة الاختطاف لا تقل بشاعة عن كل جرائم الحوثيين بحق اليمنيين، وهي هنا أكثر بشاعة لأن معظم المختطفين أبرياء ولا علاقة لهم بالسياسة والصراع السياسي الدائر، لأن عجلة الاختطاف توسعت للتحول لظاهرة وسوق سوداء ومافيا بكل ما تحمل كلمة المافيا من معنى. لذا أنا أرى أن قصص المختطفين يجب أن توثَّق، فثمة آلاف القصص بهذا الخصوص يجب أن تتحول لمادة وثائقية ومنها يتم توظيفها في الدراما والسينما كشاهد على هذه المرحلة ومدى انحطاط هذه الجماعة المافوية التي لم تبقِ لليمنيين شيئاً من الانحطاط إلا ومارسته في حقهم. - هل يمكن اعتبار تحرير الوعي الوطني واستحضار تضحيات المغيبين في السجون هو الخطوة الأولى والأساسية لتحرير مؤسسات الدولة من الجمود واللافعالية؟ العملية تبادلية، نسيان الناس والمغيبين هو نتاج لتعطل مؤسسات الدولة لا فعاليتها في هذه المرحلة، وبالتالي هذا يتطلب جهد مضاعف من المجتمع المدني، أحزاب ومنظمات وناشطين وغيرهم لإعادة الحضور والضغط على مؤسسات الدولة ومسؤوليها الذين هم خارج التغطية، والذين شلوا فعالية مؤسسات الدولة وجمدوا حضورها ونشاطها والقيام بواجباتها الدستورية والقانونية والوطنية في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ اليمن. وأي نشاط اليوم في سبيل حقوق الناس وخاصة من يعانون تحت نير حكم سلطة الأمر الواقع المليشيوية هو جزء مهم من معركتنا الوطنية ككل. - ما الرسالة التي يوجهها أدب المقاومة اليوم في ظل هذه المحن؟ وكيف يسهم في ترميم الروح اليمنية التي يسعى الاستبداد لتحطيمها؟ أدب المقاومة هو أحد أهم سلاح الشعوب في كل المراحل، وما تركه الزبيري شعراً ونثراً واحداً من أهم مصادر أدب المقاومة في تاريخ القضية الوطنية اليمنية، فالرجل ترك تراثاً عظيماً أدباً وشعراً يمثل أهم روافد الصمود والإباء الذي يجب أن يحضر في حياة وكفاح اليمنيين اليوم. وما أحوجنا اليوم لاستحضار مثل تلك الصرخات الزبيرية الشعرية التي تقارع الظلمة، كهذه المقطوعة العظيمة التي يقول فيها وهي صرخة مدوية عبر التاريخ وكأنها تقال في لحظتها اليوم: كَفَرْتُ بِعَهْدِ الطُّغَاةِ البُغَاةِ ... وَمَا زَخْرَفُوهُ وَمَا زَيَّفُوهْ وَأَكْبَرْتُ نَفْسِي عَنْ أَنْ أَكُونَ ... عَبْداً لِطَاغِيَةٍ تَوَّجُوهْ وَعَنْ أَنْ يَرَانِي شَعْبِي الَّذِي ... يُعَذَّبُ عَوْناً لِمَنْ عَذَّبُوهْ أَأَجْثُو عَلَى رُكَبِي ضَارِعاً ... لِصَنَمٍ مِنَ الصَّخْرِ قَدْ نَحَتُوهْ؟ وَأَحْنِي لَهُ جَبْهَةً حُرَّةً ... كَمَا يَفْعَلُ البُلَهُ المَعْتُوهْ؟ فالعودة اليوم لهذا الأدب المقاوم أصبحت أحد أهم أدوات هذه المعركة لاستعادة زمام الكلمة وزمان المبادرة في معركة تتكرر نفسها وشخوصها، كما ينسب لهيجل قوله إن التاريخ يكرر نفسه من جديد ولكن يوم كمأساة ويوم كملهاة.