يجمع عدد من الكتاب والنقاد على أن الأدب في مجمله ليس لحظيا، بل يحتاج إلى فترة زمنية تلي الأحداث والمفاصل التي تمر بها الدول والشعوب، لكي يستوعب هذه الأحداث ويعبر عنها بطريقة إبداعية . يتبادر مثل هذا الطرح، ونحن نتابع كثيراً من القراءات لأدب الثورة العربية التي اجتاحت عدداً من الدول العربية من بينها تونس، ففي واحدة من الأماسي القصصية التي استضافها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات جال المحاضر في تقديم قراءات من أعمال روائية وشعرية تونسية، جاءت في معظمها بمسحة ثورية من أدب الالتزام في خمسينات وستينات القرن الفائت، وكانت وجهة نظر المحاضر الذي قام بتحليل هذه الأعمال نابعة من كونه يريد أن يقدم مقاربات نصية مفارقة من حيث المضمون والشكل ولكنه على ما يبدو تفاجأ من هذه الرتابة التي أحالته على نصوص تحاول أن تجامل الحدث، ومن جهة أخرى أن تقدم ولو شيئاً طفيفاً يلامس الجراحات والآلام والمواقف المختلفة . يحيل مثل هذا الموضوع الذي يدور حول فكرتين مترادفتين هما: الالتزام والثورة، إلى ما سبق وقدمته قراءات نقدية وموضوعية قبل أكثر من نصف قرن، ففي الشق الذي يتعلق بأدب الثورة قدم عميد الأدب العربي طه حسين قبل أكثر من خمسين عاماً مقاربة مفيدة يشرح فيها حال اليأس الذي أصاب الكتاب، وهم يظهرون خيبة الأمل من عدم قدرتهم على تقديم نصوص تواكب ثورة يوليو ،1952 كان الناس وقتها يتساءلون: أين أدب الثورة؟ فخرجت دعاوى عن إخفاق الأدب المصري إلى غير ذلك من شؤون تقصير الأدب المعاصر . ما يهمنا في مقالة طه حسين هو فهمه العميق وتفريقه بين أدب الإثارة والاستثارة عن غيره من أنواع الأدب الذي يقدم استشرافا لطبيعة الظروف السياسية والاجتماعية، وكل ما يخص الجانب المعرفي، بتأكيده على ضرورة تعمق الأشياء وفهم الحياة الاجتماعية، ووضع الأشياء في مواضعها . أما بالنسبة لمفردة الالتزام، فقد عرفها فقهاء اللغة بتعريفات كثيرة، ربما أبسطها، هو مشاركة الشاعر أو الأديب الناس همومهم الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية، إلى حدّ إنكار الذات في سبيل ما التزم به الشاعر أو الأديب ويقوم الالتزام في الدرجة الأولى على الموقف الذي يتّخذه المفكّر أو الأديب أو الفنان، وهذا الموقف يقتضي صراحة ووضوحاً، وإخلاصاً وصدقاً، واستعداداً من المفكّر لأن يحافظ على التزامه دائماً ويتحمّل كامل التبعية التي يترتب عليها هذا الالتزام . سارتر نفسه عرف الأدب الملتزم، بوصفه واقعة اجتماعيّة، ولا بدّ أن يكون الكاتب مقتنعا به إلى حد كبير، ويشعر بمدى مسؤوليته، عن كلّ شيء، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرّد والقمع، وحيث يجب على الأديب أن يكون في صف المضطهدين، والحليف الطبيعي لهم . عثمان حسن [email protected] الخليج الامارتية