المرأة الحديدية وجيب المواطن ووقفة مع تلفزيون كركوكهل يصدق القاريء الكريم أني جلست لمدة ساعة في علبة زجاجية خانقة مع المرأة الحديدة اليوم في سوريا والمستشارة الأولى للرئيس السوري بشار الأسد الزميلة لونا الشبل حيث حظيت بهذا الشرف وما بعده شرف عندما كانت لونا تأتمر بتوجيهات صوت مجهول من الدوحة يخبرها بما تفعل وما لا تفعل من إستديوهات الجزيرة. لونا الشبل آنذاك كانت مذيعة الإستديو المكلفة بتغطية تفاصيل القمة العربية في الخرطوم وبكل الأحوال لم تكن إمرأة حديدية وقتها فقد جلست بمعيتها لمدة ساعة وتحدثنا في عدة موضوعات على هامش ترقبها للتعليمات التي ترد لها عبر المايكروفون لكي أعلق على أحداث القمة العربية . طبعا لم تكن لونا الشبل حديدية ولا حتى تنكية في ذلك الوقت بل مذيعة تجتهد وتتذمر أمام ضيوفها في الإستديو الزجاجي من كمية الطلاء التي تضعها على وجهها حتى تظهر بأبهى حلة على شاشة الجزيرة . سألتها عن السبب الذي يدفعها لهذا الشقاء حيث تركت عائلتها في دمشق وتشتكي من قهر المايكروفونات وعبء الماكياجات وصقيع الإستديوهات فقالت لي أنها عملت لفترة من الوقت في أحد تلفزيونات الحكومة السورية وأنها حوربت وهربت لتحصل على فرصتها بعيدا عن جحيم الإعلام الرسمي البائس الذي لا يؤمن بالكفاءة ولا المهنية. لونا الشبل تعود برجليها لجحيم النطق الرسمي بإسم بشار الأسد وتصبح حسب المعلومات المستشارة الأولى للرئيس الشاب بعدما غادرت الجزيرة لإنها رفضت الحجاب أيام وضاح خنفر.. إنها عودة لحجاب العقل والحق والكرامة بدلا من حجاب الرأس لكن هذه المرة بدون ماكياج وغرف زجاجية تقام على عجل في الخرطوم . تلفزيون كركوك للعرب: نحن مثلكم الصدفة وحدها ليس أكثر جمعتني لدقائق مع محطة فضائية تحمل إسم كركوك لكنها صدفة مدهشة فقد إكتشفت بأن الفضائيات البائسة ليست حكرا علينا نحن العرب دون بقية شعوب الأرض كما يصور الكثيرون . المحطة الكردية الزميلة كانت تبث تقريرا عن حملات تبرع بالدم لمواطني كركوك إحتفالا بالإعلان عن تعافي رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني. بعض الأخوة الأكراد مثلنا تماما وشاشاتهم كتلك التي تمطرنا كل صباح ومساء بتمجيد القائد الضرورة والملهم فبعض رجال الشرطة والمواطنين إحتشدوا امام الكاميرا وهم يتبرعون بالدم ليس لإن أشقاء لهم يحتاجونه ولكن لإن ألله من على الشعب بسلامه القائد الملهم . نفس العبارات المنافقة طالما سمعناها على الشاشات العربية المفعمة بالبؤس والسقم حيث يخرج أحدهم ليعلن بأن الشعب يفدي القائد بالدم والروح ويخرج آخر ليقنعنا بأن السماء تمطر فقط من اجل الزعيم الضرورة الذي لا تشرق الشمس إلا به ومن أجله. هذه اللقطات التلفزيونية تنتمي للماضي تماما لكنها ليست منتجة فقط في عمان والرياض ودمشق بل في كركوك أيضا . مسلسل كوري في قلب عمان أخبرا فهمت قصة المسلسل الكوري الطويل الذي يعرضه تلفزيون الحكومة الأردنية على الشعب قسرا دون أدنى إهتمام من الناس لا بكوريا ولا بمسلسلاتها. كشف لي أحد المسئولين عن خلفية المسألة حيث حصل التلفزيون الأردني على المسلسل مجانا وبدون أي كلفة مالية مما يعني أن المسلسل الكوري مفيد لإنه يغطي مساحات بث مجانية ويدفع مئات الموظفين في تلفزيون الحكومة للإسترخاء رغم أن معظهم في حالة إسترخاء أصلا وعلى مدار العام. القوم في بلادي يلتزمون هنا بالمقولة الشعبية {أبو بلاش كثر منه} بمعنى الإكثار من بث البرامج والمسلسلات المجانية التي تقدم لنا تحت ستار التبادل الثقافي مع السفارات ..لذلك لن أستغرب بعد الأن الإستمتاع بمسلسل من دولة إسمها بارغواي لا يعرف عنها الأردنيون إلا منتخبها لكرة القدم مع أننا حبايب وأخوة مع الكوريين حتى وإن حطمنا مفاعلهم النووي الذي قدموه لنا مجانا أيضا. النسور وإنصاف التاريخ كثيرون إحتاروا في تفسير العبارة التي رددها رئيس الوزراء عبدلله النسورعدة مرات على شاشات التلفزيون الأردني ولاحقا على شاشات خاصة أبرزها محطة رؤيا عندما تحدث عن إنصاف التاريخ له يوما ما دون الكشف عن التفاصيل والحيثيات. مبكرا لفت الرجل نظري وسألت: عن ماذا يتحدث هذا العجوز البيروقراطي المخضرم الذي إعتدنا عليه وهو يختار مفرداته بعناية فائقة؟..شعرت بصراحة بأن في حلق النسور غصة وفي فمه بعض الماء ويتمنى لو إستطاع مصارحة الشعب بما لديه. لا أدعي القدرة على إستقصاء دلالات لجوء الرجل الغامض للتاريخ حتى ينصفه خصوصا بعد رفع الأسعار لكني أتخيله يقول : عندما كلفت برئاسة الحكومة كنت أعلم بوجود أزمة مالية وإقتصادية لكني لم أكن أعلم أنها بالحجم الذي لامسته عند الجلوس في مكتبي الرئاسي. لدي حدس حول ما حصل فالنسور وقف وخلال ساعات بعد قسم الرئاسة على الحقيقة المرة التي تقول : لا مساعدات ..المالية على شفير الإفلاس...المديونية تتعاظم وسعر الدينار في خطر وحجم الفساد أكبر من كل التوقعات. عمليا لا يقول النسور ذلك لكنه قاله تلميحا وبصورة غير مباشرة عدة مرات على شاشة الفضائية الأردنية وترك للمواطنين حرية التقييم والتقدير مكتفيا بعبارات غامضة حول إنصاف التاريخ وقراءة أجيال المستقبل لما حصل في عهد حكومته . النسور في السياق كان وحيدا فقد تخلى كل رموز النظام الذين خلقوا الأزمة عن المؤسسة والشارع معا . وعبارة الرجل التلفزيونية تستدعي التعاطف والتفهم وإن كانت تعاني من مشكلتين هما حق الشعب بالمصارحة والوضوح وحقه في معرفة ما ومن تسبب بأزمة من هذا الحجم خصوصا وأن الحكومة تلجأ لأسرع وصفة في حل مشكلاتها وهي اللجوء لجيب المواطن . أحد الأصدقاء لم أكن أصدقه وهو يقول لي : نخب النظام ورموزه عبء على الشعب وليس العكس ..اليوم أصدق هذه المقولة. ' مدير مكتب 'القدس العربي' في عمان