ازدهرت تجارة الحشيش والمخدرات في العامين الأخيرين بشكل ملفت، في أغلب المناطق اليمنية الحدودية والواقعة على طرق تهريب الممنوعات، وفي محافظة صعدة، معقل جماعة الحوثيين (أقصى شمال اليمن) بشكل خاص. فمن يزور مناطق عدة في صعدة ويشاهد التسابق العمراني الملفت والارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي، سيلفت نظره تدفق الأموال على هذا النحو، في ظل الركود والحرب التي تعيشها البلاد.
في صعده لا تستغرب أن تجد شاباً لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين يمتلك عدداً من العقارات في أكثر من محافظة وسيارة فارهة مع أنه لا يملك مصدر دخل معلوم، وإن حاول التغطية على ذلك من خلال فتح محل تجاري صغير لا يكاد يغطي نفقات الإيجار والعمال.
تزيد الدهشة أكثر حين ترى أن العملة السعودية عادت لتكون هي الأكثر تداولاً في معظم التعاملات التجارية في كثير من مناطق صعدة وخصوصاً المناطق الحدودية.
الطريق السريع: يتداول المجتمع في المناطق الحدودية مصطلح الطريق السريع كإشارة إلى تجارة وتهريب الممنوعات وخاصة الحشيش.
وازدهرت عمليات تهريب ممنوعات أخرى كالأسلحة والمخدرات، منذ سيطرة مسلحي جماعة الحوثيين على أجزاء واسعة من محافظة صعدة في العام 2009.
ويتصدر المراهقون والشباب الفئة التي تعمل في تجارة وتهريب الممنوعات، وتزايدت أعدادهم خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، بعد أن زادت نسب البطالة والركود الاقتصادي الذي تسببت فيه الحرب، في أوساط الشباب الذين اتجهوا للعمل في هذا النشاط، بعد أن يتم استقطابهم من قبل كبار المهربين.
ومع أن عملية التهريب تتم عبر شبكات قوية ومنظمة ولصالح نافذين كبار إلا أن كثير من المراهقين والشبان يتجهون لممارسة هذه الأنشطة حرصاً على تحقيق مكاسب سريعة وكبيرة.
كانت محافظتا صعدة وحجة، تمثل المصدر الأكثر إقلاقاً لقوات حرس الحدود السعودية، لارتباط السعودية معهما بمساحة حدودية كبيرة يصعب السيطرة عليها، ففي محافظة حجة مثلت الحدود البرية في منطقه الطوال وكذلك الحدود البحرية في منطقه ميدي طرقاً رئيسية لتهريب الممنوعات بكافة أشكالها إلى المملكة.
مناطق انطلاق التهريب لكن بعد انطلاق عاصفة الحزم واندلاع المواجهات في الطوال وميدي اضطرت العصابات لنقل جميع أعمالها إلى المناطق الحدودية بصعدة.
وهناك؛ كانت المناطق الحدودية الواسعة طرقاً لتهريب جميع أنواع الممنوعات سواءً في المناطق الشرقية لمحافظة صعدة كالبقع وكتاف والفرع وعلب وباقم، والأخيرة عرفت منذ القدم كونها طريق لتهريب الممنوعات وخاصة الأسلحة.
مديرية منبه تعد مركز التهريب، بما في ذلك المناطق الغربية لمحافظة صعدة، وهي رازح والمشنق، والحصامة، والملاحيظ وأم مزرق بمديريتي شدا والظاهر، التي كانت تعرف بتهريب الممنوعات وخاصه نبتة القات المنشطة، التي تحظر المملكة السعودية ومعظم دول العالم تناولها والإتجار بها وتصنفها كنوع من أنواع المخدرات.
وكانت هذه المناطق الحدودية مأهولة بالسكان، ما زاد من صعوبة السيطرة عليها من حرس الحدود السعودي حيث كانت المسافة بين القرية اليمنية والقرية السعودية لا تزيد عن 500 متر في أغلب المناطق.
وكانت المواجهات التي شهدتها هذه المناطق بين الحوثيين والجيش السعودي في نهاية العام 2009، أثناء الحرب السادسة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، فرصة ذهبية للسعودية للسيطرة على الحدود مع محافظة جيزان السعودية.
فالحكومة السعودية أجلت السكان من المناطق السعودية المحاذية للحدود اليمنية، وبنت لهم وحدات سكنية داخل منطقة جيزان وأعلنت هذه المناطق مناطق عسكرية، كما قامت ببناء أسلاك شائكة مزودة بكاميرات في هذه المناطق يصعب تجاوزها إلا عن طريق بوابات معينة.
ومنذ سيطر الحوثيون على أجزاء واسعة من محافظة صعدة في العام 2009، ازدهرت وبشكل ملفت تجارة الحشيش، وأصبح الأهالي يسمعون اسم هذه المادة كثيراً، ولكن منذ انطلقت عاصفة الحزم في أواخر مارس 2015 زادت مظاهر الثراء الناتج عن تجارة وتهريب الممنوعات.
1500 ريال لعملية التهريب: وفي حين كان التهريب سابقاً محصوراً في تهريب القات والسلاح والحشيش، أصبحت تتردد أسماء أصناف أخرى كالهروين والحبوب وغيرها، وأصبحت مظاهر تهريب هذه المواد ظاهرة للعيان، وحضرت أسماء ممنوعات جديدة لم يكن أحد يسمع بها.
عُرفت منطقتي آل ثابت وأم رقو، منذ سنوات كمركز لتهريب الممنوعات إلى السعودية ولذلك يعود لقربها من الأراضي السعودية وخلوها من المواجهات المسلحة سواءً أثناء الحرب ما بين الجيش اليمني والمتمردين الحوثيين في العام 2009، أو في الحرب الدائرة حالياً بين الجيش السعودي والحوثيين.
وظلت المناطق الحدودية الجبلية في مديريتي منبه ورازح بعيدة عن أي مواجهات حتى الآن، كما يتمتع المواطنون وخاصة شيوخ القبائل في هذه المناطق الحدودية بعلاقات وثيقة مع مسؤولين في الجيش ومسؤولين مدنيين في السعودية، كما يحمل المواطنون في هذه المناطق، تصاريح لدخول السعودية لأي غرض يريدون.
وشهدت هذه المناطق حركة توافد غير مسبوقة لأشخاص من جميع محافظاتاليمن، بعد أن أصبح أجر المهرب أو الحمال يصل إلى 1500 ريال سعودي مقابل قطع مسافات قريبة يستطيع قطعها في غضون ساعتين.
و(الحمال) هو اسم يطلق على الشخص الذي يقوم بتهريب الممنوعات على ظهره ويسلك طريقاً وعرة بعيدة عن حرس الحدود، وعملية تهريب القات إلى داخل الأراضي السعودية مستمرة بشكل يومي ودون توقف سلماً أو حرباً.
أفارقة: كما شهدت هذه المناطق توافداً كبيراً لعناصر من جنسيات أفريقية حيث يقدر عدد الأفارقة الموجودين حالياً في المنطقتين أكثر من خمسة آلاف شخص ما بين رجال ونساء وأطفال.
ويعملون في تهريب الحشيش وبقية الممنوعات ويتقاضون مبالغ خيالية تصل إلى عشرة آلاف ريال سعودي مقابل نقل الحمولة الواحدة إلى داخل الأراضي السعودية.
غلاء فاحش: وتشهد هاتان المنطقتان ارتفاعاً مبالغاً فيه في أسعار جميع السلع والاحتياجات اليومية للمواطنين، ويتم التعامل في هذه المناطق بالريال السعودي حيث تبلغ قيمة قنينة الماء في مناطق التهريب خمسة ريال سعودي، في حين يبلغ سعر المغذية التي تستخدم للمرضى 150 ريال سعودي.
وفيما يبدو أن السيولة التي تحدثها عملية التهريب هي السبب الرئيسي وراء المبالغة في الأسعار، إلا أن أصحاب المحلات يعيدون ذلك إلى كون الإيجارات مرتفعة جداً، حيث تبلغ قيمة إيجار محل صغير (صندقة) لا يتعدى مساحته خمسة أمتار، ثلاثة آلاف ريال سعودي شهرياً.
وقال أحد السكان لمراسل «المصدر أونلاين»، إن إيجار «لوكندة»، وهي فندق شعبي عبارة عن صالة مفتوحة ينام فيها جميع النزلاء، في منطقة آل ثابت، يصل إلى 20 ألف ريال سعودي في الشهر، في حين تبلغ كلفة إيجار السيارة التي تقوم بنقل البضائع من مدينة صعدة إلى هذه المناطق بمديرية منبه سبعة آلاف ريال سعودي.
وحسب تفسيره فإن ازدهار التهريب في هذه المنطقتين يعود إلى انتقال طرق تجارة الممنوعات من منطقتي حرض والطوال وميدي إلى منطقتي آل ثابت وأم رقو.
فتوى تجيز تهريب الممنوعات: يستند الحوثيون في جواز تهريب المحرمات والممنوعات إلى فتوى شفهية قديمة لوالد مؤسس جماعة الحوثيين بدر الدين الحوثي، والذي يروى عنه أنه أجاز محاربة الوهابية بهذه الممنوعات.
ويتداول هذه الفتوى عامة الناس منذ أكثر من عشرين عاماً، وهي فتوى شبيهة لفتاوى مماثلة كانت متداولة في أفغانستان تجيز تهريب الممنوعات لتخدير الأعداء ولتوفير مصادر تمويل ل«الجهاد».
وما يعزز فكرة رعاية الجماعة للتهريب واستنادهم إلى هذه الفتوى، إن أغلب رموز تهريب الممنوعات على الحدود اليمنية السعودية في صعدة وحجة، أصبحوا قيادات في جماعة الحوثيين التي انتقلت سيطرتها من صعدة إلى صنعاء وعدد من المحافظات.
وكان أبرز شخصيات التهريب والذي يتصدر قوائم دولية، فارس مناع، الذي عينه الحوثيون محافظاً لصعدة عقب سيطرتهم عليها عام 2011، وبعده المحافظ محمد جابر الرازحي، بالإضافة إلى عشرات الأسماء التي نشطت في تهريب الممنوعات، وتحاول إخفاء ذلك الجانب فيما تجاهر أمام المجتمع بتهريب القات والسلاح.
سيطرة الحوثيين على التهريب: بعد سيطرة الحوثيين على صعدة عمدوا إلى تنظيم عملية تهريب الممنوعات، وتهريب الحشيش بشكل خاص، بشكل أكبر وأوسع نطاقاً مستخدمين طريقتين لذلك.
الطريقة الأولى تتمثل في إسناد هذه المهمة إلى أشخاص معروفين بتبعيتهم للجماعة ونشاطهم في صفوفها، مع محاولتها أن يتم ذلك بنوع من السرية حفاظاً على صورتهم في المجتمع، إلا أنه بات من الممكن معرفة أن فلان أصبح (محشش) ويستطيع تمرير (بضاعته) من جميع النقاط الحوثية بكل سلاسة. وذلك عائد إلى كونه أحد المشرفين.
ويروي مواطنون وقائع عدة، أدت إلى معرفة عامة الناس هذه الحقيقة، فمثلاً كشف حادث تصادم سيارة أحد المشرفين الحوثيين وهو من منطقة مران بسيارة مواطن آخر في مديرية رازح، عن ضلوعه في أنشطة تهريب الحشيش.
فالحادث أدى إلى سقوط إطار السيارة الاحتياطي إلى مزرعة للقات خارج الطريق، وقد لفت انتباه الناس قيام هذا المشرف الحوثي بترك سيارته وعدم التفاته إلى الأضرار البالغة في السيارة ولحاقه بذلك الإطار.
وبعد فحص الإطار الذي كان قد سقط جراء ارتطامه بالأرض، تبين أنه كان محشواً بكمية كبيرة من ماده الحشيش وهو في طريقه إلى منطقة ام رقو في مديرية منبه لتهريبه إلى السعودية.
أما الطريقة الثانية فهي عن طريق التنسيق مع مهربي الحشيش غير الحوثيين وذلك مقابل حصول الجماعة على نسبة 30% من الأرباح، وبذلك يحصل المهربون على التسهيلات اللازمة لمرور الحشيش من النقاط الحوثية في مدخل صعدة والطرق المؤدية إلى الحدود.
واضطر مهربو الحشيش إلى التنسيق مع الحوثيين بعد أن اخترقوهم بعيون ترصد كل تحركاتهم، حيث كانوا يتعرضون لكشف ومصادرة حمولاتهم من الحشيش عند مرورهم بنقاط المسلحين الحوثيين.
ولإجبار المهربين على التنسيق ودفع النسبة اللازمة، ضبطوا عدداً من الحمولات التابعة لأشخاص لم ينسقوا معهم وقاموا بتصويرها ونشر أخبارها في وسائل الإعلام ما أجبر المهربين على تسليم النسبة المقررة مقابل الحصول على الحماية والتسهيلات اللازمة.
تهريب البشر: إلى جانب تهريب الحشيش ظهرت ظاهرة تهريب البشر سواءً كانوا أفارقة أو يمنيين إلى المناطق الحدودية، بعد أن منع الحوثيون دخول أي شخص إلى محافظة صعدة مالم يكن من أبنائها، أو لديه من يضمنه ويعرّف به، وهو ما فتح طريقاً جديدة في كسب المال حيث بلغت قيمة التهريب التي يتقاضاها المهرب خمسة آلاف ريال سعودي مقابل تهريب الشخص الواحد.
وكان تهريب البشر يتم من خارج محافظة صعدة إلى الحدود اليمنية السعودية، وأغلب من عملوا في تهريب البشر هم حوثيون لهم القدرة على تجاوز النقاط الحوثية.
انتشار للأمراض: من الكوارث التي تسبب بها تكدس العاملين في التهريب، انتشار الأمراض، يقول إبراهيم الرازحي ل«المصدر أونلاين»، إن الكثير من الأمراض انتشرت في هذه المناطق، وأهمها الجرب والملاريا حيث يصاب أغلب الوافدين إلى هذه المناطق بالجرب.
ويضيف أن السبب يعود للأفارقة الذين جلبوا هذا المرض معهم إلى هذه المناطق ما يزيد من معاناة السكان.
ويقول أحمد أحد أصدقاء إبراهيم «كنا من قبل نحصل على مبالغ كبيرة، فبينما كان أحدنا يتقاضى مبلغ 1500 ريال سعودي على تهريب الحمولة الواحدة، انخفضت الآن إلى 500 ريال سعودي، وقد يمر عدد من الأيام دون أن يحصل الواحد على حمولة لكثرة الأشخاص الذين يرغبون في العمل في التهريب خاصة بعد انقطاع المرتبات».
ويؤكد ضيف وهو معلم منقطع راتبه منذ 9 أشهر، أنه لجأ إلى العمل في تهريب القات عن طريق الجبال في مديرية رازح.
ويضيف «ضروري نطلب الله على أولادنا والا متنا جوع من فين نأكل».
وأشار إلى انهم يتعرضون بشكل دائم إلى قصف طيران التحالف، ويعلق «لكن ربك يستر»، وكان ثلاثة من المدنيين العاملين في تهريب القات قد قُتلوا بعد تعرضهم لقصف طيران التحالف أثناء تجهيزهم لشحنة من نبتة القات قبل تهريبها عبر الحدود السعودية.